الرئيسية » نصوص » ادب الطفل » طلال حسن : جنجل وجناجل (حكايات شعبية) (13)

طلال حسن : جنجل وجناجل (حكايات شعبية) (13)

إشارة:
يسرّ أسرة موقع الناقد العراقي أن تبدأ بنشر كتاب جديد للمبدع الكبير “طلال حسن” عنوانه “جنجل جناجل” وهو مجموعة من الحكايات الشعبية العراقية ضمن مشروعه المهم عن أدب الأطفال. وقد نشرت أسرة الموقع العديد من الكتب للمبدع سابقاً في غزارة صحّية باهرة لهذه القامة المبدعة الكبيرة التي تُعد ثروة من ثروات وطننا. نهنىء الأستاذ طلال حسن على هذا المنجز الجديد ونتمنى له الصحة الدائمة والإبداع المتجدّد.

(13)

طفل النبع

” 1 “
ــــــــــــــــــــ
أوى الحطاب العجوز وزوجته ، إلى فراشيهما مبكرين ، فأنفاس الربيع العطرة ، الدافئة ، كما تقول الزوجة ، تثير النعاس ، وتدعو إلى النوم .
ولاحظ الحطاب العجوز ، وهو متمدد في فراشه ، أن زوجته ، على غير عادتها ، لم تنم ، رغم أن أنفاس الربيع ، كانت تملأ فضاء الكوخ ، فانقلب مواجهاً لها ، وقال : يبدو أن أنفاس الربيع ، لم تؤثر فيك .
وتنهدت الزوجة ، نعم ، إنها لم تنم ، وفكر الحطاب ، لابدّ أن هماً قديماً ، استيقظ في داخلها ، ومنعها من النوم ، فقال الحطاب العجوز : نامي .
وتنهدت الزوجة ثانية ، وقالت : جارتنا ، زوجة البقال ، قالت لي إنها حامل .
ولاذ الحطاب العجوز بالصمت لحظة ،ثم قال : إنها في حوالي الستين من العمر .
وقالت الزوجة : وزوجها تجاوز الستين .
فقال الحطاب العجوز : إنهما يستحقان كلّ خير .
ولاذت الزوجة بالصمت فترة ، ثم قالت بصوت تغرقه الدموع : طالما تمنيت ، هذه الفترة الطويلة ، أن يكون لي طفل يحمل ملامحك .
وسحب الحطاب العجوز الغطاء فوق وجهه ، وهو يقول : نامي ، يا عزيزتي ، نامي .

” 2 “
ــــــــــــــــــــ
بعد أيام ، خرجت زوجة الحطاب إلى الغابة ، مستغلة بقاء زوجها في الكوخ ذلك اليوم ، فقد تفتحت أزهار البابنج ، ولابد لها أن تجمع شيئاً منها ، وتجففها ، فهي تحتاجها وزوجها عند اصابتهما بالزكام ، وخاصة في فصل الشتاء البارد .
وعند شجرة الصنوبر الضخمة ، في أعماق الغابة ، حيث تكثر أزهار البابنج ، لاحظت زوجة الحطاب العجوز وجود نبع ، لم تلحظه من قبل ، يترقرق ماؤه مكوناً بركة صغيرة ، صافية ، كالمرآة .
وشعرت بالعطش ، بمجرد رؤيتها للماء الرقراق ، فانحنت على النبع ، وغرفت بكفيها الشائختين قليلاً من الماء ، ورفعته إلى شفتيها الظامئتين ، واحتسته جرعة بعد جرعة ، منتشية ، متلذذة ، وكأنها لا تحتسي ماء ، بل عسلاً خال من الشمع .
وعلى الفور ، أحست زوجة الحطاب العجوز بأنفاس الربيع العطرة ، الدافئة ، تهب في أعماقها ، التي أيبستها الشيخوخة ، وكما تتفتح الأزهار ، على أغصان شجرة التفاح ، في أول الربيع ، تفتحت في أعماقها مشاعر ، لم تعهدها منذ فترة طويلة .
وحانت منها نظرة إلى البركة الصغيرة ، الصافية كالمرآة ، وخفق قلبها بشدة ، فبدل وجهها الشائخ ، المليء بالتجاعيد ، رأت وجهاً شاباً ، مليئاً بالنظارة والحياة ، فتراجعت إلى الوراء مثارة ، ماذا يجري ؟ أحقيقة ما تراه أم .. ؟
واقتربت ببطء من البركة ، وقلبها مازال يخفق بشدة ، ورأت وجه الفتاة الشابة نفسه ، يطل عليها من الأعماق ، وتوقفت مفكرة ، ترى ماذا سيقول زوجها ، الحطاب العجوز ، حين يراها في هذه الهيئة ؟

” 3 “
ــــــــــــــــــــ
دُفع باب الكوخ ، فالتفت الحطاب العجوز ، وفوجىء بفتاة شابة ، جميلة ، ترتدي ملابس عادية ، كأنها ملابس زوجته العجوز ، تقف ناظرة إليه ، وعلى وجهها تشرق ابتسامة ربيعية واسعة ، فقال بصوت متردد : أهلاً ومرحباً .
وضحكت الفتاة الشابة بمرح ، وقالت : يا للعجب ، يبدو أنك لم تعرفني .
وصمتت لحظة ، ثم قالت ، وهي مازالت تضحك : انظر إليّ ، انظر جيداً .
واتسعت عينا الحطاب العجوز ، وقد لمع في أعماقهما برق غريب ، وتمتم قائلاً : أنتِ .. !
فهزت رأسها ، وقالت : نعم ، أنا زوجتك .
وتمتم الحطاب مذهولاً ، وهو مازال يحدق فيها : لا .. لا .. هذا مستحيل .
واقتربت زوجته منه ، وأطبقت على كتفيه الضامرين بكفيها الشابين ، وقالت : سيكون لنت طفل هذه المرة ، وسيحمل ملامحك أنت .
فقال الحطاب العجوز : لا تكوني مجنونة ، لقد انتهى زمن المعجزات .
فقالت زوجته الشابة ، وهي تدفعه برفق نحو البالب : عند شجرة الصنوبر الضخمة ، في أعماق الغابة ، نبع صافٍ ، شربت منه ، فصرت ما أنا عليه .
ودفعته عبر الباب ، وأضافت قائلة : اذهب ، يا عزيزي ، واشرب منه ، وسترى .
ثم قال ، وهي تغلق باب الكوخ : سأنتظرك ، يا عزيزي ، لا تتأخر .
وعلى أحرّ من الجمر ، انتظرت الزوجة الشابة ، داخل الكوخ ، أن يعود زوجها من النبع ، شاباً كما كان ، في أيام زوجهما الأولى ، لكنه لم يعد ، رغم أن وقت العصر أوشك أن يحلّ .
ونفد صبر الزوجة الشابة ، مع حلول العصر ، فخرجت من الكوخ منفعلة ، وصفقت بابه بقوة ، ثم مضت مسرعة نحو أعماق الغابة .
وعند شجرة الصنوبر الضخمة ، قرب النبع ومائه الرقراق ، رأت طفلاً صغيراً ، يقف متأملاً صورته ، في أعماق البركة الصغيرة ، الصافية ، وقد أولاها ظهره ، ترى أين زوجها ، الحطاب العجوز ؟
وانتفض قلبها الشاب ، خوفاً وفرحاً ، حين التفت الطقل إليها ، ورأت في وجهه ، بشكل واضح تماماً ، ملامح زوجها ، الحطاب العجوز .
وما إن رآها الطفل ، حتى أسرع إليها فرحاً ، وقد فتح ذراعيه الطفلين ، فمدت يديها بلهفة إليه ، وضمته إلى صدرها الأمومي الشاب .
آه أخيراً ، ها هو الطفل الذي طالما تمنته زوجة الحطاب ، وهو يحمل الملامح التي أحبتها طول عمرها ، يقدمه هدية لها ، النبع بمياهه الرقراقة ، وبركته الصغيرة ، الصافية ، كالمرآة .

13 / 8 / 2016

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *