الرئيسية » حوارات » أسعد الجبوري : حوار مع الشاعرة التركية نيلغون مرمرة

أسعد الجبوري : حوار مع الشاعرة التركية نيلغون مرمرة

حوار مع الشاعرة التركية نيلغون مرمرة
Nilgün Marmara

حاورها : أسعد الجبوري

قيل لنا إنها وصلت من شقتها في الطابق السادس من إحدى مباني اسطنبول إلى منزلها في السماء السادسة دون أدنى مشقة.فتلك المرأة ،وبعد أن خلقت لجسدها أكثر من جناح،سرعان ما فتحت ساعة الزمن،ثم حلّقت بسرعة الضوء لتكون مع الطائر الخرافي العجيب ((التانبو)) الشبيه بالتنين إلى حدّ ما.
عندما رأينا الشاعرة التركية نيلغون مرمرة بفستان أبيض من الريش ،وهي تضعُ حول عنقها قلادة من حبوب الزيتون الأسود،أدركنا أنها من نساء الديمومة،خاصة وأنها رسمت خطاً رمادياً يحيطُ بأحمر الشفاه ،مما جعل فمها جاهزاً للنطق بمختلف الشهوات،وفي مقدمتها شهوة الكلام في هذا الحوار التناغمي على خطوط العالمين، الأرضي بما فيه من تراب،والسماوي الذي ما تزال في بدايات اكتشافه.
ما أن انتهت المصافحة ما بيننا،حتى أخذتنا الشاعرةُ نيلغون إلى دار الأوبرا.حضرنا هناك حفلاً موسيقياً،بعد ذلك جلسنا في البهو تحيط بنا الملائكة في هدوء وسكينة .تناولنا المشروبات،وفتحنا باب الحوار مع الشاعرة سائلين :
س:هل الشعرُ ثروةٌ أم ثورةٌ ؟
ج/هو الاثنان معاً .فالشعرُ ثروةٌ للأرواح،وثورةٌ للأجساد المحبوسة في الأقفاص .
س:ثروةٌ كالذهب في باطن تلك الأرواح الحافلة بمؤلفات الجمال .وثورةٌ للخروج على الطاعة العمياء لتلك البابوية تقصدين ؟
ج/أجل.فثمة كرياتٌ زرقاء من الدم ،عادةً ما تنتقل من المجال الشعري إلى مجاري البيولوجيات ،وهي مختصةٌ بسقاية الجينات الشعرية بمعادن المخيّلة داخل غرف الجسد.
س:الانتقال ما بين الطرفين دون متاعب وآلام هو المقصود من كلامك يا نيلغون ؟
ج/أجل.ذلك ما أدركهُ.فكلُّ طرفٍ يحققُ لذّتهُ عبر مختبره العاطفي. وإلا كان الاختلاف مُدَمراً للجوهر.
س: لمَ الإصرار على أن الشعرَ مستودعٌ للأحزان برأي الشاعرة نيلغون مرمرة؟
ج/لأنه آخر ممتلكات الشاعر في الوجود.هل تعرف تلك المقبلات التي عادةً ما نستحضرها للخمر على المائدة، ليفتح لنا الطرق نحو الأعماق ،كي نكتشف ما في دواخلنا .كي نبكي على ذرات الزمن المتطايرة من حياتنا .وكي نحملَ حطامنا ونحن متهالكين ؟

نيلغون مرمرة
13 فبراير 1958 – 13 أكتوبر 1987

س:ألا يجدُ الشاعرُ أو الشاعرةُ استقراراً وجودياً برأيك؟
ج/أبداً .إلا طاقم شعراء نادي الجليد ذوي الأفئدة الباردة.هؤلاء وحدهم يعتبرون الشعر مساحةً لزراعة الرفاهية مع شتلات البصل والطماطم والجزر.
س:ولكن بعض الشعراء لا يرون في الكتابة إلا خلاصاً فردياً من الهموم والآلام .ألا يحقُ لهم ذلك؟
ج/لمَ لا.فكلّ شاعر حرّ باختيار دربهُ، وباستعمال الوسائط التي تأخذه للناس.إما أنا فأعترض على نفسي حتى لو فكرت بمثل ذلك الخلاص الفردي حتى من باب الحلم .
س: هل كنتِ تطاردين شخصاً ما في داخلك ؟
ج/قُلْ طاردتُ مخلوقات وكائنات مختلفة الأشكال والصفات والأمزجة والأمراض.باطني مزدحمٌ حتى يكاد يمنعني عن التقاط الأنفاس .
س :منْ أولئك المخلوقات.هل أصبحت تعرفين بعضهم على سبيل المثال؟
ج/بالطبع.صرت أعرف بعضهم وأحكي معهم .فيما آخرون ما زالوا وراء الأقنعة،رافضين رفعها عن وجوههم .
س: هل كل أولئك كانوا من مدينة اسطنبول ؟
ج/ لا أبداً.أغلبهم آتٍ من الفضاء الخارجي، ويتحدث عن صناعة الأنوار الداخلية.فيما البعض الآخر ،فأعتقد أنه يتعايش معي يومياً بطريقة التخفي الشبحي.
س:قلت صناعة الأنوار الداخلية! ما المقصود من وراء ذلك ؟
ج/لقد توصلت تلك المخلوقات إلى تصنيع لمبات متناهية الصغر كالنانو ،تستطيع إضاءة الباطني الإنساني وقراءته،مثلما تتم قراءة كتب الظاهر وخرائطه المختلفة.
س:وهل دخلتِ التجربة باستعمال تلك اللمبّات يا سيدة نيلغون؟
ج/أجل.لقد ركّبتُ العديد منها في باطني ، من أجل القراءة والتحليل والاستقصاء ومعرفة ما كان يدور بين الطبقات السفلية من جسدي .
س:وهل كان وضعكِ الباطني مُطَمْئِناً ،أم مخيفاً أم مثيراً للانتباه ؟
ج/ لم يكنْ آنذاك على ما يرام.وهو ما أقلقني وأشاعَ بأعماقي الفزع ،فجعلني أتحمل مشقةَ التلاطم الروحي الذي كان يجري بداخلي ما بين بارد وحارّ في مدينة اسطنبول.
س:هل كان ذلك دافعاً لاختياركِ مادة حاميّة عن الانتحار ، عندما قدمت أطروحتك في جامعة بوسفور قسم اللغة والآداب الإنكليزية تحت عنوان ((الانتحار في شعر سيلفيا بلاث)) ؟
ج/ أجل. كانت تلك الأطروحةُ مقدمةً لما كان يعتملُ في روحي من كوارث واختناقات وبلوى.
س: هل تعترفين بأنها كانت مقدمة لانتحارك عام 1987 ؟
ج/أجل.أنا تعمدتُ اتخاذ قرار الانتحار من خلال تلك الأطروحة ،لأن الشاعرة سيلفيا بلاث لم تكن جثةً دُفنت بقبر الماضي وانتهى الأمر ،بل كانت الجوهرةُ الوحيدةُ المُشِعّة بداخلي آنذاك.
س:ألا تظنين بأن سبباً آخر،قد شجعك على قتل نفسك بعد موت الحياة الرومانسية إثر الانقلاب العسكري الذي أقفل أبواب الجسد وأبواب المقاهي والعقول في تركيا؟
ج/نعم. لم تكن الكهرباء كافية لإضاءة السجن التركي الشمولي الكبير،بعد أن أصبحت الدموع وحدها قادرة على إنعاش الأعين بالضوء غير التقليدي .أحذية العسكر سحقت اللمبّات الكبرى في صدورنا، ولم تُبقِ غير حطام المصابيح المتكسرة.
س:وأين كانت الحبُ ؟ولمَ تخلَ عن التدخل في تلك الأحداث ؟!!
ج/ربما كان يدخنُ الأركيلةَ بتنباك حشيشة الكيف على كرسيّ أي مقهى أو أي بار على شواطئ البوسفور،دون أن يرى أمامه أو ما وراء ظهره شيئاً سوى أدخنة التبغ والأحلام والعبث .
س:هل كان زواجك من السيد كنعان أونال شبيهاً بزواج تيد هيوز من سيلفيا بلاث ؟
ج/لم تكن الخيانات اكتشافاً جديداً ،يمكن أن ينال براءة اختراع ،فيما لو قلنا بأن الرجالَ سلاحفٌ في الأسرّة الزوجية ،فيما هم نمورٌ بأحضان العشيقات.تلك من مصائب الزواج الزجاجي القديمة حتى قبل اكتشاف الزجاج أصلاً.
س:كيف حصل التدهور ما بينكما؟
ج/عندما عشنا الزواج بالطرق الشرعية.قبل ذلك كنا من الرافضين لمؤسسة الزواج،وعشنا معاً بلا صكوك شرعية أو قانونية للارتباط . ودون أن نصنع من التعايش الجنسي مستودعاً لإنجاب الأطفال فقط .
س:ما الذي يفعله الزواجُ بالشعر؟
ج/ كما يفعل الجرذُ بقطعةٍ من الجبن.
س:يلتهمُ الجبنَ أم يُفسدهُ برأيك ؟
ج/لا هذا ولا ذاك.
س:وإذاً كيف تكون النتيجة برأي نيلغون؟
ج/بالتخلص من الجبن والعفونة والجرد ،بعدها يأتي دورُ تجفيف المجاري كما أعتقد.فالذي حدث ما بيني وبين الزوج،كان تراكم هائل من الحطام الاجتماعي الذي قضى علينا بمختلف المواد السّامة .
س: وأصبح الحبُ رماداً قبل أن ينال منك الموتُ آنذاك ؟
ج/عندما ألقيتُ بجسدي من الطابق السادس من منزلي في تلك البناية،كنت كمن يحاول قطع سلك الكهرباء عن مكواة جاثمة على قلبهِ،ليستريح من حفلة الشواء اليومية وذلك ما فعلته أنا لأولئك الذين كانوا يجلسُون إلى الطاولة ،ويتناولون جثتي التي كانت تحترقُ بنيران ألسنتهم وأفعالهم يومياً.
انتحرتُ،لأقدم لهم جسدي المحطم على طبق الموت،كي تتفككَ حلقاتُهم العدوانية من حول الطاولة،ويهرب من وجهي الجميع.
س:هل انعدمت بقية الوسائل ،فأجبرتِ نفسكِ على الموت انتحاراً ؟!!
ج/شعرت بأن كلّ المنافذ مغلقة بوجهي ماعدا الطيران نحو الأرض،وذلك ما فعلته برباطة جأش. ضغطتُ على دواسة البنزين بلا تردد ،بعدما عطلتُ التفكير بوجود مكابح .
س:هل أوقعتكَ الشاعرةُ الأمريكية ((سيلفيا بلاث )) في حبائلها،فسحبتْ منكِ روحك بتأثير شعري من السحر والجنون ؟
ج/نعم .كنت من تبعية تلك الشاعرة المنتحرة التي خُلقت للشعر والكتابة والحب فقط،بعد أن استغرق عالمنا الذكوري بالموبقات الشهوانية بلا حدود.
س:وماذا عن المرأة الشاعرة وفشلها كزوجة ؟
ج/حتى وان حدث ذلك،فيجب أن لا يكون الحكم بإعدام الزوجة عائلياً واجتماعياً.الحياة أبعد من المطبخ ،مثلما الرحم أبعد من أن يكون مستودعاً للتفريغ .
س:ما المسافة التي كانت ما بين شعرك وما بين العقل التركي حامل موروثات التاريخ العثماني؟
ج/اعتبرتُ تجربتي الشعرية بمثابة نقلة نوعية تندرج ضمن مسار التحديث الثقافي عالمياً.أجل كنت أحمل شمعة وأقف على رصيف تركيا يومَ كانت تعاني من هبوب رياح الانقلابات العسكرية التي أغلقت منافذ التنفس ،ليأتي من بعدها التيار الأخواني الديني ليقضي على الرئتين ويتسبب بنشر الزهايمر في الذاكرة وثاني أكسيد الكربون في عموم البلاد تماماً.
س:من كان الأكثر امتلاءا بالأحلام:قلبكِ الفتي أم عقلك الذي كان مزدحماً كغابة من الأفكار؟
ج/لم نجرؤ على التعامل مع الأحلام آنذاك، إلا كمنشورات سريّة.لذا كنا نراها كما الكراسيّ المُحَطَمة في زوايا الشوارع الفرعية الميتة.

س:ترونها حطباً فقط !
ج/أجل.ولا يصلحُ لإعادة التصنيع،بل كانت شهوة الأحلام متعلّقة بفكرة الاحتراق بالنار،لتَشُعّ وتنيرَ الطريق للتغيير المستحيل.
س:من أي باب كنتِ تدخلين إلى الشعر؟
ج/من باب ضمير العدالة الميت في الأعماق الصاخبة.
س:وكيف يلتقي الميت بالحيّ الصاخب؟
ج/ربما لأن الاثنين متحدان على دفعنا من الوجود للعدم مثل معلبات لحوم منتهية الصلاحية.
س:هل أجلستِ الشعرَ ذات يوم بحضنك؟
ج/نعم.لقد ملأ الشعر حضني بأطفاله اللغويين ،مما أفقدني الحماس للحبل وعمليات الإنجاب .
س:هل اجتمعتِ بالشاعرة سيلفيا بلاث هنا؟
ج/ليس قبل أن يتم نقلها من الأرض إلى السماء السادسة.ذلك أن ملاك الموت لم يستطع اخراج رأسها من الفرن بعد.
س:هل ما زالت بلاث متشبثة بفرن الغاز ،ولا تريد مغادرته حتى الآن؟!!
ج/ أجل.تريد من زوجها الشاعر الإنكليزي تيد هيوز أن يقوم بنفسه بتلك المهمة بالضبط.
س:ولمَ تريد ذلك.أقصد ما الحكمة من وراء طلب غريب من ذلك ؟!!
ج/ لا أعرف.ربما لتذيقهُ طعم الغاز!

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *