الرئيسية » ملفات » برهان الخطيب يعيد جيل التمرد إلى صدارة.. لكن (ملف/48)

برهان الخطيب يعيد جيل التمرد إلى صدارة.. لكن (ملف/48)

إشارة :
برغم أن الروائي المبدع برهان الخطيب يُحسب على جيل الستينات إلا أنّ ما يميز منجزه الابداعي هو هذا التجدّد والتجديد في الأسلوبية وتناول الموضوعات مع ثبات بصمته السردية الجوهرية على خارطة الأدب الروائي العراقي والعربي. وقد أغنى عمله الصحفي وحياته الحافلة بالمتغيرات مخزونه التجاربي فأثرى المكتبة السردية العربية بأكثر من اثنتى عشرة رواية كل واحدة لها عالمها المستقل المتفرّد. يسر أسرة موقع الناقد العراقي أن تبدأ ملفها عنه متمنية على الأحبة الكتّاب والقرّاء إثراءه بالمقالات والصور والوثائق. تحية للمبدع الكبير برهان الخطيب.

برهان الخطيب يعيد جيل التمرد إلى صدارة.. لكن

في مزح أو قدح، معلوم يقال التأريخ يتكرر، مرة تراجيديا مرة كوميديا. ثقله على الناس إذن من عام إلى عام نصف قربان، أو نصف ضريبة، لو حقا مرة تراجيديا مرة كوميديا، لا كل مرة تراجيديا. مهما يكن، الحاصل أواخر هذا العقد، في العراق لبنان اسبانيا أمريكا اللاتينية غيرها، يشبه الحاصل هنا هناك أواخر ستينات القرن الماضي، انتفاضات شوارع تتحول انعطافات سياسية أعلى السلطة، انتفاضات تبقى سلمية تحت.. تبقى غير انقلابية غير دموية فوق. في الداخل ضحايا هنا.. يتبعهم ضحايا هناك. المهم التغيير.. نحو الخارج، بالدرجة الأولى. قوة ناعمة مقابل ناعمة، حق التصعيد متاح، غير مباح كليا، لكل الأطراف. ذلك من دروس الماضي، يطبق في الحاضر. المستقبل لا يأتي أبدا. خيرة جيل الستينات اليوم بعد خبرة، نضج، لا تبقى تماما مثل غالبية ذلك الجيل على ذروة سورته، انفعالاته، حينه. من المعروف برهان الخطيب من رواده، من ناشطيه حتى الساعة، قلمه لا يزال يقارع جماليا شتى صنوف القبح. في استعراض قريب أو عرضحال سابق على صحيفة بغدادية أخرى صورة تخطيطية بالكلمات عنه، عن بعض رواياته المحجوبة وراء قضبان دائرة رسمية ثقافية.. عن سياسة تحنيطية لها يضيف المؤلف الخطيب عليها مازحا: سياسة النشر تبعها تحبط حركة الأدب العراقي.. تتركه في حوضها يلبط.. إلى القارئ لا يهبط.. رواياته تنتظر هناك منذ أعوام النشر.. إطلاقها إلى محيط البشر.. في ذلك العرضحال إشارة تتبع.. إلى حلحلة الوضع.. إحدى رواياته (ملف عابر قارات) وشك الطبع.. لكن مجددا.. تتململ ظاهرة قمع.. رسالة من دائرة الشؤون إلى المؤلف أمس ترفع الشجون.. عدد صفحات روايتك320 مرتفع.. هات غيرها أصغر يا سكرتير المجتمع.. ذلك الخطاب المهندم نموذج متقدم بالطبع، من آليات إدارة مشاريع رسمية.. ثقافية أو غيرها..

محنة العراق

المؤلف يرد: محنة العراق بل العالم كله طويلة نرى.. تقتضي كتابة جنجلوتية أسمن من ألف ليلة وليلة.. يستمر السجال.. تستمر تلك الصحيفة في تقديم صورة تثير الشجن لا الخيال، عن تلك الروايات، تبسّط تيسّر الحال، تستعرض روايته الأخرى (الغرام والحرام في الشام).. غير المنشورة أيضا في العراق لا خارجه.. رواية هذه المرة من ثلاثة أجزاء.. هل تقبلها دائرة الشؤون بدل (ملف عابر قارات).. ولو في صورة دفع بلاء.. لا إملاء؟!..

إبداع الخطيب يستلفت انتباه زملائه الأدباء من جيل الستينات. الشيخ عبد الرحمن مجيد الربيعي، رفقة زوجته الأخيرة، الثالثة، يلتقي في شارع المتنبي مؤخرا، بعد سنوات طويلة، صديق العمر برهان الخطيب، وراءه شقيقه. الربيعي بعد حديث قصير مع الخطيب عن سفرة وشيكة له إلى تكريت، إضراب صديقه الأعزب المزمن عن إكمال نصف الدين، يفاتحه بين الحضور في منتهى الجد: جيلنا يا برهان متفق على اختيارك كبيرنا ماذا تقول؟ يتجلى الخُلق العراقي القويم عاليا فيهما، الخطيب يرد: أنت أستاذ الجيل يا عبد الرحمن.. أخيرا الإبداع هو الذي يقرر بعد اكتمال التجربة.. الربيعي يؤكد: اكتملت التجربة ومبدعو الجيل يقررون أنت رأس نفيضتهم.. تسير في مقدمتهم.. بعد ذلك يواصلان دربيهما بين الزحام.. يتعكزان على ما تبقى من أحلام.. ُلتقَط لهما في عجالة الصورة المنشورة.. عن تواضع كلاهما يقدم الثاني إلى صدارة من غير مشورة.. إذاً يصطف الستينيون جيل التمرد وراء برهان الخطيب (أبو البراهين) كما يحلو لبعض أصدقائه مناداته، منهم خالد الحلي، المرحوم عبد الستار ناصر، غيرهما، عودة إلى صدارة بما ينشره ويقدمه الخطيب من روايات عراقية فسيحة، متعددة الأبعاد، مبهرة ذوي الألباب.. إلى وزارة الثقافة ذات العماد.. ذلك في الداخل عندنا، في الخارج تشير دراسة سويدية إلى غياب الأدب العراقي عموما في الغرب، لكنها تذكر اسم برهان الخطيب في المقدمة، محمد نجم، سعدي يوسف، آخر.. باعتبارهم حاضرين في الميدان الأدبي هناك. أكثر من موسوعة تصدر في الغرب وروسيا منذ السبعينات، بعد تصاعد إبداع جيل الستينات، تضم تراجم أكاديمية إلى لغات مختلفة من نتاج أفضل ممثلي ذلك الجيل والذي قبله، فرمان، التكرلي، ثم الخطيب، الربيعي، محمد خضير.. عدم الاستقرار يلعب الدور الأكبر في تراجع الأدب العربي عموما عن الساحات الثقافية، في الشرق والغرب، لكن إصرار بعض المبدعين ومثابرتهم المديدة يبقي اسم العراق حاضرا مرفوعا في المحافل الأدبية محولين الإحباط والغضب ونزعات التمرد العاصفة في مختلف العهود، بعد النضج، بعد صمت خلّب الرعود، إلى إبداع إنساني متزن.. خصب الوعود.. يقف في وجه تكرار التأريخ.. تراجيديا أو كوميديا.. على طريق التغيرات الكبيرة التي تتعرض لها المنطقة والعالم.. اعتمادا على رفض تفكيك أو إفساد الداخل، عائلة أو دولة، مقابل دعم أمن مزيف أو مصالح تُصادر مع المصائر من الخارج، النتيجة فقدان الأمن والمصالح فردية ووطنية على مدى أبعد، زد تفاقم توحد الفرد، أشبه ما يعاني منه البعض في الغرب، إلى حد استلاب أحيانا، من سلطة ظاهرة أو خفية مطلقة، تجليه يتوارى يذوب في ملامح هيمنة، عولمة فالتة ـ غلاف مجلة (كوبيه) (عدد7 آب2018) مثلا يشهد على انتشار إحساس التوحد، أيضا أخبار الشارع هناك حافلة صراع عصابات ـ أو توازن طرفي عولمة، يضمن سيطرة أبيض حسب مذهب البعض، فوق صراع دائم يستهلك الصغار، بدل استقرار دائم عن تفاهم يحترم خصوصيات الكل. في (الغرام والحرام في الشام) يتحقق ذلك التفاهم بين شخصيات الثلاثية، في تأكيد على أن الأدب الصادق لا يزال له الدور الأكبر في صيانة الواقع، إنقاذه، لا ترقيعه.. المعنى الأبعد الذي يطمح الخطيب إليه، في عمله الأخير خاصة، مواصلا طارقا تجربة جيل الستينات.. ان المعوّل عليه هو خيار ثالث، لا تخريب دولة، لا هدم معارضة، على غرار تجنب خيارَي رد على سؤال ملغوم يُطرح على آدمي: هل تفهم كل شيء؟ أجاب (نعم) يظهر نفسه متبجحا، أجاب (لا) يظهر نفسه غبيا. إذاً الأفضل الخيار الثالث، الذي ينتبه إلى الخفي الذي يراعي دائما غير المتوقع: أحاول فهم كل شيء! تلك هي رسالة الأدب الأريب من بحث في كمال النفس البشرية، المجتمع، على طريق تفاهم مع الغير المختلف، القريب قبل البعيد، لا تدمير النفس تضخيمها بمحاولة فرضها على غيرها فعل تدخل خارجي أو غزو أو خديعة.. ذلك لب حركة الستينات، رفضت اليسار، رفضت اليمين، بحثت عن خيار ثالث يؤدي إلى الاستقلالية الحقيقية، على صعيد الفرد والدولة.. لكن رياح السياسة تهب لا كما يشتهي متأمل البحر في كياسة، من ملّاك مراوح جبارة في مجمع رئاسة، في المقهى وراءه، تعصف خلال كوى كأنها قنوات إعلام تضيق، على تجمعات في أحلامها تضج لا تستفيق، تتصاعد تجر تدفع منفعلين في حماسة.. إلى خنادق قديمة، يسار، يمين، تقاتلوا، خلصونا من أحلامكم.. أغانيكم… يرفع البعض راية مألوفة فوق رأسه.. الخطيب يوجه إليهم النور.. يكشف ما يخفيه الديجور.. أمواج عالية ترتفع اليوم أيضا، مد، جزر، غدا يهدأ البحر.. ب الخطيب يقول في روايته: يهدأ لا يكفي.. بحر الطبيعة.. بحر الناس.. يتلوث.. النظافة واجب. الأدب بعد الأديان مصفاة روح.. حديقة راحة.. لا صندوق تزويق.. لا حبة مخدر.. الغرام والحرام في الشام.. ثلاثية فريدة من برهان الخطيب

*عن صحيفة الزمان

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *