الرئيسية » ملفات » علي افقير* : برهان الخطيب يعرّي حياة اليوم (ملف/47)

علي افقير* : برهان الخطيب يعرّي حياة اليوم (ملف/47)

إشارة :
برغم أن الروائي المبدع برهان الخطيب يُحسب على جيل الستينات إلا أنّ ما يميز منجزه الابداعي هو هذا التجدّد والتجديد في الأسلوبية وتناول الموضوعات مع ثبات بصمته السردية الجوهرية على خارطة الأدب الروائي العراقي والعربي. وقد أغنى عمله الصحفي وحياته الحافلة بالمتغيرات مخزونه التجاربي فأثرى المكتبة السردية العربية بأكثر من اثنتى عشرة رواية كل واحدة لها عالمها المستقل المتفرّد. يسر أسرة موقع الناقد العراقي أن تبدأ ملفها عنه متمنية على الأحبة الكتّاب والقرّاء إثراءه بالمقالات والصور والوثائق. تحية للمبدع الكبير برهان الخطيب.

برهان الخطيب يعرّي حياة اليوم
علي افقير*

النص الجميل لبرهان الخطيب، الذي يحمل عنوان (أومالوس أو أم الوز)، هو أقرب إلى الواقع بتفاصيله اليومية منه إلى إغراق في تخيل أو تجريد. اقرأه مع ابتسامة لا تفارقني، مادته دسمة سائغة لكل البيوت الزوجية، رغم شعور قليل من التقزز في ابتلاعها. نص جميل في تقاطع ثيماته، موضوعاته، تضع المتلقي على نار هادئة. إنها ثيمات يعيشها كل الأزواج مع زوجاتهم، مع أبنائهم، عدا بيوتات استثنائية نادرة. حقيقة، الثيمات تذكرني بكاتب مسرحي اسمه آرثر ميللر Arthur Miller. في مسرحيته All my Sons والأخرى Salesman The Death of سر قاتل، ينطوي على كذبة مدمرة، يتعمدها الأب منذ البداية، لكنها غير متوقعة من طرف باقي أفراد الأسرة. يسود الهدوء على امتداد الفصول قبل حدوث العاصفة التي تبعثر سلطة الأب، ينكشف ضعفها و زيفها ثم ترتبك، ترتعش، تهتز، ثم تنهار. تتحول عندئذ السعادة إلى جحيم. خلافه نص فصل (فخ الغربةً) من أومالوس عندك، يهيئ بين ثنايا مسروده أجواء لا تخلو من توقعات عن حدوث المأساة، إلا ان حكمة الأب تحول دون وقوعها. ذلك لا يعني انه ينتصر في النهاية، لأن آماله تتبعثر تفرز خيبة أمل، تزلزل طموحاته؛ ذلك يتضح من خلال جرأة الابن ليث، الوقحة، القاسية، وكيف يلطف الأب من حدتها رغم امتعاضه. أيضا غالبا ما تكون غيرة الزوجة على زوجها شيئا محببا، تزيد من تعلقها به خوف فقدانه، إلا إن الغيرة عندما تتجاوز حدها تصبح غير متحملة. طبيعة العمل، كثرة الأسفار، التنقلات، تفاقم حدة الغيرة عند الزوجة، تجعل أمور البيت لا تستقر على حال.
برهان الخطيب يلتقط تلك التشنجات، المشاحنات، التي تحدث داخل البيوت، يصبها في قالب إبداعي، يشدك إليه بما يحمله من معاناة عادة، ما يلجم بوحها داخل الجدران السميكة، لتصبح عبارة عن مرتدات إلى النفس.. قد تنفجر أية لحظة.
في أدق العبارة، يلمّح برهان خلال نصه إلى أن السعادة الزوجية ليست دائما بخير، وان كانت تبدو كذلك فإن الكثير من الكوابح تحجب معرفة أسرار تلك السعادة. في الحوار الذي يجمع السارد ـ الزوج ـ مع زوجته، عن سبب التأخر، يظهر الزوج في مظهر المدافع، في تصديه لأسئلة واستفسارات الزوجة المحرجة، التي كانت تتساقط عليه كحجارة من سجيل. تشاء الأقدار أن يكون الزوج محظوظا هذه المرة، الإجابة تضع من جهات أخرى حدا لكثير من الكشوفات والاستطلاعات.
شغف الزوجة (الكولوبوسي) يبدأ بقراءة حركات العينين أثناء دخول الزوج، بداية للإثارة والتهييج، ثم بعدها يتم تشريح كل لفظة يلفظها الزوج، الركوب على التواءاتها، تموجاتها، أملا في رصد مراميها. هنا نستحضر نظرية الإثارة والاستجابة أو الصعق بالكهرباء للوقوف على ردود الأفعال وطبيعتها.
غيرة الزوجة لا تهدأ إلا عن طريق تجفيف المستنقع، مطاردة كل كذبة، تدمير حاضنتها في القلب والعقل.
يثير النص ثيمة أخرى لا تقل جحيما، هي صراع الأجيال، بين جيل قديم ـ أولد مان، حسب تعبير الابن ليث ـ مع ما يحمل من تعثرات و خيبات و تجارب، جيل لا يزال يتشبث بالتقاليد والأخلاق ـ يمثله الأب الذي يحذوه أمل في أن يرى الجيل الثاني ـ جيل ليث ـ خير خلف. إلا أن ذلك الحلم أبعد من الواقع، اقرب إلى الوهم. فإذا كانت الزوجة عثرة، قد يتخطاها الزوج مع طول العشرة، تقدم السن، فإن الابن لقمة غير سائغة، تحتاج إلى أكثر من جرعة ماء. رغبة الأب أن يرى صورته في ابنه، أن ينظر هذا إلى العالم بعقل الأب الناضج المتزن، بينما الابن الطائش يستخف بتلك الرغبة، تفاقم الاحتدام فيبلغ ذروته عندما يشكك الابن في شرعية الأبوة..!..
تكاد تحدث مأساة، إلا أن تصريفها يأخذ منحى آخر. من هنا تبدأ سلطة الأب تتهاوى، ينسحب تاركا الابن على هواه..
رغم ذلك يبقى الابن أثناء الغياب غصة في بلعوم الأب.. ربما ذلك ما يوحي برهان إليه بـ (فخ الغربةً).. ثمار غربة غير مرجوة، حينما تخلّق، ترسم حدودا، فواصل، يستعصي أمامها القفز أو العبور نحو بر الأمان، عبر مساحات شاسعة من صقيع الخيبة، الاغتراب، شساعات لا تتقلص، جليدها لا يذوب؛ .يمكن استجلاء ذلك في حديث النص عند نهايته عن صعود و هبوط جبل أومالوس، فيه إشارة قوية إلى صعود جيل، بتصوراته، مقابل هبوط جيل رغم صعوبة الانحدار.
• كاتب يقيم في فاس ـ المغرب

*عن صحيفة العالم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *