الرئيسية » نصوص » ادب الطفل » طلال حسن : جنجل وجناجل (حكايات شعبية) (11)

طلال حسن : جنجل وجناجل (حكايات شعبية) (11)

المبدع الكبير الأستاذ طلال حسن

إشارة:
يسرّ أسرة موقع الناقد العراقي أن تبدأ بنشر كتاب جديد للمبدع الكبير “طلال حسن” عنوانه “جنجل جناجل” وهو مجموعة من الحكايات الشعبية العراقية ضمن مشروعه المهم عن أدب الأطفال. وقد نشرت أسرة الموقع العديد من الكتب للمبدع سابقاً في غزارة صحّية باهرة لهذه القامة المبدعة الكبيرة التي تُعد ثروة من ثروات وطننا. نهنىء الأستاذ طلال حسن على هذا المنجز الجديد ونتمنى له الصحة الدائمة والإبداع المتجدّد.

السمكة

” 1 “
ــــــــــــــــــــ
تهيأ الكاهن العجوز للنوم ، فيومه كان طويلاً ، ومتعباً ، في معبد الاله مردوخ ، وقبل أن يدخل فراشه ، سمع طرقاً على الباب .
وتوقف مستغرباً ، فمن يمكن أن يأتيه ، في مثل هذا الوقت من الليل ؟ وحين فتح الباب ، وقد رفع بيده القنديل ، رأى أمامه صياد السمك .
ومال الصياد عليه ، وقال : عفواً مولاي ، الوقت متأخر ، لكن الأمر هام .
وحدق الكاهن العجوز فيه ، بشيء من الضيق ، دون أن يتفوه بكلمة ، فقال الصياد : معجزة ، معجزة الهية ، يا مولاي .
والتمعت عيناالكاهن العجوز ، وهو يتمتم بصوت غير مسموع : معجزة !
فقال الصياد مؤكداً : نعم ، يا مولاي ، معجزة .
ودمدم الكاهن العجوز ، وكأنما يخاطب نفسه : آه ، المرتدون ، الويل لهم ، إنهم يشيعون أن زمن المعجزات قد ولى .
وصمت لحظة ، ثم قال : البارحة ، عند منتصف الليل ،
أثناء هبوب العاصفة الماطرة ، رأيت البرق يضيء بشعلته الوهاجة الشجرة المعمرة .
وكأنما الصياد كان ينتظر هذه الفرصة ، فمال على الكاهن العجوز ، وقال : المعجزة هنا ، يا مولاي ، ولكن ليس الشجرة المعمرة ، بل السمكة .
وتمتم الكاهن العجوز مذهولاً : السمكة !
فتابع الصياد كلامه قائلاً : مررت بالشجرة المعمرة ، مساء هذا اليوم ، وحانت مني نظرة إلى تجويفها الضخم ، المليء بمياه الأمطار ، فرأيتها ..
وفغر الكاهن العجوز فاه ، وقد اتسعت عيناه الكليلتين ، فقال الصياد : رأيت المعجزة ، سمكة صغيرة ملونة ، لم أرَ مثلها من قبل ، تدور سابحة في مياه تجويف الشجرة الضخمة المعمرة .
ورفع الكاهن العجوز القنديل ، وتطلع إلى الشجرة الضخمة المعمرة ، التي كانت تنتصب كالشبح ، تحت ضوء القمر ، وسط الحقل ، ثم قال : لابد أن أراها ، هذه المعجزة ، الآن .
واندفع الكاهن العجوز ، وسط الليل ، نحو الشجرة الضخمة المعمرة ، والقنديل في يده ، ولحق الصياد به مسرعاً ، وقال : الوقت متأخر ، يا مولاي ، دع هذا إلى صباح الغد .
واستمر الكاهن العجوز في اندفاعه ، وهو يقول : لن أستطيع أن أنام ، إذا لم أرَ المعجزة .
وتوقف الكاهن العجوز ، أمام فجوة الشجرة الضخمة المعمرة ، وقد اتسعت عيناه المذهولتين ، وعلى ضوء القنديل رأى المعجوة ، رأى السمكة الصغيرة الملونة ، وهي تدور سابحة في مياه الفجوة .
وتمتم خاشعاً : حقاً إنها معجزة ، آه الإله مردوخ قادر على كلّ شيء ، الويل للمرتدين .

” 2 “
ـــــــــــــــــــ
من كل مكان ، حيثما سمعوا بالمعجزة ، تقاطر الناس رجالاً ونساء وحتى أطفالاً ، لرؤية المعجزة ، والتبرك بها .
وما إن رأوا السمكة الصغيرة الملونة ، تدور سابحة في المياه المتجمعة في تجويف الشجرة الضخمة المعمرة ، حتى تأكدوا أنها معجزة حقيقية ، أرسلها ـ كما قال الكاهن العجوز ـ الإله العظيم مردوخ .
ويوماً بعد يوم ، وتجربة بعد تجربة ، شاع بين الناس ، الذين زاروا السمكة ، كراماتها وقدرتها العجيبة على تلبية دعوات الناس ، مهما كان نوعها .
جاءت امرأة بطفلتها ، التي ولدت ضريرة ، وطلبت من السمكة راجية ، أن تفتح طفلتها عينيها ، اسوة بالأطفال الآخرين ، وترى العالم .
وفتحت الطفلة عينيها ، وتلفتت حولها مندهشة فرحة ، وصاحت : ماما ، إنني أرى .
ولأول مرة ، رأت الطفلة الأشجار والعصافير والسماء ، وكذلك رأت المعجزة ، السمكة الصغيرة الملونة ، وهي تدور سابحة في مياه الفجوة .
وفي اليوم التالي ، جاءت المرأة إلى الكاهن العجوز ، ومعها دجاجة مكتنزة ، قدمتها له ، وقالت له على استحياء : ارجوك ، اقبلها ، إنها هدية .
وأخذ الكاهن العجوز الدجاجة المكتنزة ، وقال : سأقبلها منكِ ، مادامت هدية .
وبعد أيام ، جاء شاب يحمل أمه العجوز ، التي أصيبت بالشلل ، وما إن رأت الأم السمكة ، حتى شعرت بالدماء تتدفق في عروقه ، فصاحت : بنيّ ، انزلني ، لقد شفيت .
وفي ذلك اليوم ، عاد الشاب فرحاً إلى القرية ، وكيف لا وأمه العجوز ، التي كانت مصابة بالشلل ، تسير إلى جانبه ، وكأنها عادت إلى أيام شبابها الأولى .
وفي اليوم التالي ، جاء الشاب ، وقدم للكاهن جدياً صغيراً ، فأخذه الكاهن العجوز ، حتى دون أن يشكره ، نعم فهو هدية .
وذات مرة ، جاءت شابة مع أمها ، ومالت على السمكة الصغيرة الملونة ، وهمست لها بصوت لا يكاد يُسمع : أريد طفلاً .
وانحنت الأم على السمكة الصغيرة الملونة ، وعيناها مغرورقتان بالدموع ، وقالت : ابنتي تزوجت منذ ثلاث سنوات ، ولم ترزق بطفل .
وأقسمت الأم ، فيما بعد ، أن السمكة الصغيرة الملونة ، توقفت لحظة ، وتطلعت إليها وإلى ابنتها الشابة ، وبعد عدة أشهر ، جاءت الأم ، ومعها خروف ، قدمته هدية للكاهن العجوز ، وهمست له فرحة : ألف شكر للسمكة المعجزة ، لقد حملت ابنتي .
وجاءت امرأة بطفل في حوالي العاشرة من عمره ، وعلى العكس من أقرانه ، لم ينطق بكلمة واحدة ، وما إن رأى السمكة الصغيرة الملونة ، حتى صاح منبهراً : ماما انظري ، سمكة صغيرة ملونة .
ورغم أن المرأة كانت أرملة فقيرة ، إلا أنها أهدت الكاهن العجوز بطة ، وقالت له : اقبلها ، يا مولاي ، فأنا لا أملك غيرها .
وقبل الكاهن العجوز البطة عابساً ، فهي على أية حال هدية ، هدية للسمك الصغيرة الملونة المعجزة ، والهدية لا ترد ، مهما كانت قيمتها .
ومع الأيام ، امتلأ بيت الكاهن العجوز بالهدايا ، ولم يعد يتسع لمزيد من الدجاج والبط والجديان والحملان ، فباع معظمها ، ونوه للزائرين ، أن أفضل هدية تقدم للمعجوة هي النقود .
وهكذا انهالت النقود على الكاهن العجوز ، كلّ هذا وصياد السمك ، يرى سمكته الصغيرة الملونة ، التي وضعها بنفسه في ماء التجويف ، تدرّ ذهباً على الكاهن العجوز ، فقرر أن يطالب بحقه .

” 3 “
ــــــــــــــــــــ
تهيأ الكاهن العجوز للنوم ، بعد يوم طويل متعب ، قضاه استعداداً للاحتفال بمرور سنة على ظهور المعجزة ، السمكة الصغيرة الملونة ، في تجويف الشجرة الضخمة المعمرة .
وقبل أن يدخل فراشه ، سمع طرقاً على الباب ، فتوقف متضايقاً ، ترى من يطرق الباب في هذا الوقت من الليل ؟ لابد أنه أحد زوار المعجزة .
وفتح الباب ، والقنديل في يده ، وفوجىء بصياد السمك يقف مبتسماً أمامه ، ترى ماذا يريد هذا الأحمق ؟ فقال متضايقاً : الوقت متأخر ، وأنا متعب .
فمال الصياد عليه ، وقد اختفت ابتسامته ، وقال : مولاي ، ليس لديّ ما أقتات به .
وحدق الكاهن العجوز فيه ، وقال بجفاء : أنت صياد سمك ، ومازلتَ شاباً .
فقال الصياد بصوت متعب : إنني مريض ، يا مولاي ، ولم أعد أقوى على الصيد .
وتململ الكاهن العجوز متضايقاً ، وقال : غداً هو العيد الأول للمعجزة ، والناس جاءوا من كلّ مكان ، وهم يحيطون بها الآن ، والشموع مضاءة في أيديهم ، اذهب غداً إليها ، وستشفيك .
وحدق الصياد في الكاهن العجوز ، وقال : اعطني شيئاً مما أعطتك السمكة .
وبشيء من الغضب ، قال الكاهن العجوز : هذه أموال الإله مردوخ ، ومعجزته السمكة ، يا بنيّ ، ولا يجوز لأحد ، مهما كان ، أن يمد يده إليها .
وابتسم الصياد ، وقال : مولاي ، فيما يخص السمكة المعجزة ، أريد أن أصارحك .
وحدق الكاهن العجوز فيه صامتاً ، فقال الصياد : تلك السمكة الصغيرة الملونة ، يا مولاي ، أنا اصطدتها بنفسي من النهر ، ووضعتها في تجويف الشجرة الضخمة المعمرة .
ورفع الكاهن العجوز القنديل ، متطلعاً إلى الشجرة الضخمة المعمرة ، وقد أحاطت بها مئات الشموع المضاءة ، وقال : هذا التجديف ، الذي تنطق به ، لو سمعه هؤلاء المؤمنون لمزقوك ارباً .
جمد الصياد في مكانه مرعوباً ، لا يحير بكلمة واحدة ، فصفق الكاهن العجوز الباب في وجهه ، ومضى إلى الداخل ، وأوى إلى فراشه .
واختفى الصياد ، لا أحد يعرف أين ، ولا ماذا حلّ به ، وظلت السمكة المعجزة ، تدور سابحة في ميه التجويف ، في الشجرة الضخمة المعمرة ، ومريدوها وزوارها يزدادون يوماً بعد يوم .

26 / 7 / 2016

• ـ عن حكاية صينية قديمة .

تعليق واحد

  1. بولص ادم

    نصوص ثمينة في أدب الطفل النادر نتاجا ودراية بعالم الأطفال والفتيان، شكرا والى المزيد، جهد لافت بالتأكيد.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *