مهدي شاكر العبيدي: ما في الذاكرة عن الأديب المحبط حسين . ع

أفاضِلُ الناس ِ أغْرَاضٌ لذي الزَّمَن ِ      يخلو مِن الهَمِّ أخلاهُم مِن الفِطن ِ
المتنبي
*******

تـُعْفِي الشَّدَائِدُ أقواما ً بلا أدبٍ       وتـَبْتـَلِي غَيْرَ مُحْتاج ٍ لتأدِيْبِ
الجواهري
********

       تأسَّسَتْ جمعية ( النداء الاجتماعي ) في الأعظمية أواسط عام 1950م ، وكانتْ تعقد اجتماعاتها وتقيم ندواتها بمبنىً بسيط ومتواضع يقع خلف المقبرة الملكية حيث يتردَّد عليها صنوف ونخب متنوعة من رجال القانون والصحفيين ونشطاء الحركات السِّياسية العلنية والسِّرية ، وإنْ لم يبن المتسللون إليها من الأخيرة عن حقيقتهم ويسفروا عن ماهيتهم وبغيتهم من غشيان هذا المحفل الذي يخالونه ممثلا ً أو واجهة للسُّلطات الحاكمة منتوية من ورائه إبداء رعيها للثقافة وإفساحها المجال لأربابها كي يعلنوا رغباتهم ويفصحوا عمَّا تجيش نفوسهم به من المطالب والغايات ولئلا يظلُّ الركود والجمود رائنين في الحياة العامة ، إذ لا بدَّ من تحرُّك ومن تثوير لمغالبة الزَّمن ومواكبة الأحداث المتسارعة بعد أنْ شهدَتْ هذه الربوع تحولا ً سياسيا ً بالغ الخطر وشديد التأثير في حياة الناس ووعيهم جميعا ً ، فقد أمَّمَتْْ إيران وقتذاك نفطها وألغتْ مصر معاهدة ( 1936م ) مع بريطانيا فحظي كل من مصدق والنحاس بالتبجيل والإعجاب ، وأثنى عليهما غير واحد وأكبر موقفهما وحرصهما على سيادة بلديهما ، فكتب الجواهري يتساءل عبر إحدى افتتاحياته لجريدة ( الجهاد ) ، أعقم العراق أنْ ينجبَ مثل هذين القطبين ِ المنحدرين ِ من الطبقة الاجتماعية الوسطى والتي كانتْ تتبارى وتتنافس مع غيرها حول تبني الآرابِ والأهداف الوطنية وفي سبيل أنْ تكون في المقدمة وفي الطليعة من قيادة مجموع الشَّعب ؟ .

       فمن دلائل سعي الحكومة لتوحي للملأ بأنـَّها تتدرَّع بالحكمة ولا يحوجها السَّداد والرَّصانة وعرفان بذوي القابليات والمؤهلات لتعهد لهم بإنفاذ مشروعاتها وخططها فيوفقوا في اجتذاب رضا المتحفظين والمحترسين من توجهاتها وأميالها ، وقد استعانتْ بأحد الأدباء المرموقين وصيرته رئيسا ً لتحرير جريدة ( الاتحاد  الدستوري ) الناطقة بلسان الحزب الحاكم وعلى رأسه نوري السَّعيد ، فأدار الرَّجل شؤونها بهمة وكفاءةٍ عاليتين ِ ، مع الانفتاح بعض الشَّيء على ثقافات المعمورة بلا أدنى تهيب أو خشية من التعريف بالآداب الإنسانية في صفحتها الأدبية ، فجوَّز نشر قصة لمكسيم غوركي وهو عارف بما تعكسه وتصوره من فواجع وفوادح تنزل بساح ِ الفقراء والتعساء غير مكترث باحتمال اعتراض مَن رشحوه لهذه المهمة على هذه الفعلة لأنهم خصوم للمعسكر الذي يعد مكسيم غوركي من رموزه وإنْ نصل منه يوما ً ووهنتْ صلته به ومني بالكمد والحسرة وخيبة الآمال إثر انتقاده التطبيقات الجارية في بلده للاشتراكية وسوء التعامل والنظرة للأدباء هناك ، وساستنا درجوا يومها على الاحتراب والتقاطع معه بحيث فاقوا ساسة الغرب المعتركين حول المصالح والسَّيطرة على العالم في انكماشهم وجفوتهم وشراستهم وسوء علاقتهم بدهاقنة هذا المعسكر البعيد المجنب عن مرابعنا بمسافة أميال ، فأساءوا الظنَّ بسرائر أبناء جلدتهم وشككوا بنوازعهم ورغابهم وبالتالي قمعوا نزوعهم للحرية والانعتاق ، وغدا كلُّ من يختلف معهم في الرَّأي ولا يوافقهم على وجهتهم ومنحاهم في التفكير ، تكال له التهمة المفبركة الجاهزة ألا وهي ممالأة السُّوفيت .

       كان من رواد جمعية ( النداء الاجتماعي ) الفنان يوسف العاني ، والأديب المجلسي فؤاد عباس ، والمحاميان :ـ حسين جميل ، وعامر عبد الله ! ؛ ورغم أنـِّي كنت طالبا ً بدار المعلمين القريبة منها لم أغشَ تجمُّعاتها ، إنـَّما كنتُ على صلة بنشاطاتها ومحاضراتها من طريق قراءتي للصُّحف خصوصا ً ( صوت المبدأ ) التي يحرِّرها عبد القادر البرَّاك ، وذات مرَّة ألقى فيها المحامي حسين جميل محاضرة عن المرأة بعيدا ً عن المماحكات السِّياسية مما لا يستدعي مؤاخذة ولا يشي بمنابذة للفئة الحاكمة وبالتالي يجرُّ إلى ألوان ٍ من القهر والحيف بعد تفسير الكلم وتحريف   مدلوله ، وبعد يوم ٍ أو ثان ٍ إنبرى المحامي عامر عبد الله لمحاججته على ما ورد في المحاضرة المذكورة من طروحاتٍ وآراءٍ في سلسلة مقالات نشرتها جريدة ( صوت المبدأ ) لم أع ِ وقتها مضمونها ولم أفقه غايته ومراده من ذينك الاسترسال والاستطراد إلى بذرة الباقلاء ذات الفلقتين ِ على شاكلة ما كان يقع فيه المربي المرحوم محمد أحمد المهنى مِن استهلال دروسه وهو يلقننا شتائت من معلومات عن أحوال العراق ومناخه وتضاريسه وأهمية موقعه لدول العالم حتى ينتهي الدَّرس ويقرع الجرس عند خاتمة تفصيله في زواج السَّيدة خديجة من النبي الأكرم (ص) ! ، وربَّما عوَّل عامر عبد الله على التفسير المادي أو الدايلكتيكي لظواهر الأشياء ممَّا يشقُّ على قارئ الجريدة اليومية سوغه وفهمه ، ودخل على الخط كما يقولون حسين . ع ، وهو زميل لي في الدراسة لعله من بهرز في منطقة بعقوبة ، وجه شاحب وعينان ِ ذابلتان ِ ونفس متعبة وهيام بالعزلة والانفراد عن الجميع ، وكلف بالنوم إلا أنْ أوقظه ليتناول طعامه ويحزم أغراضه ويلتحق بالدَّوام المدرسي إلا في ليلة الجمعة حيث يتعطل الشُّغل في نهارها ، فما يفيق إلا لوحده ظهرا ً ليقتات ما قسم   الله .

       قلتُ فاجأني حسين .ع ، ذات يوم بمقالة مستفيضة عن رسالة الأديب ودوره في تنبيه النيام والغافلين والمستعبدين إلى ما يراد بهم من الخسف والذل والإرهاق ملما ً ومحيطا ً بصلب المناقشة الدَّائرة بين المحاميين ِ المعروفين ِ ، غير أنـَّه ينحرف بها نحو وجهة أخرى ، أشهد أنَّ تلك المقالة المنشورة في صحافة أيَّام زمان لا أحفل منها بروعة الأسلوب وطلاوة البيان ورشاقة اللغة وسلاستها وبمنتهى الابتعاد عن الإنشائية والخواء من المعنى الدَّسم وذي الدلالة ، ممَّا أظنُّ أنْ لا أحد من أولاء الطارئين على الحياة الأدبية ومن الذين يحيون حياة السِّعاية والنفاق ويخالون أنَّ الذم والقدح والنيل من الأدباء الواصلين كفيل بأنْ يشهرهم ويذيع صيتهم بين الناس على أنـَّهم من زمرة الأدباء ، بقادر أنْ يبلغ مبلغه من الإبداع ويباهيه في سعة التفكير وعمق التناول .

       لكن بعد سنين وإثر تخرجنا صرْتُ ألتقيه مصادفة في شارع ٍ أو منعطف في بغداد إذ ألمُّ بها من آن ٍ لآن ، فنقل إلى أسماعي خبرا ً مفجعا ً عن مقتل شقيقه الذي يشتغل قبله معلما ً بسبب مشاجرات عائلية أو منازعات ثأرية ، لم يجد بدا ً من النجاء والبعاد عمَّا تجرُّ وراءها من مضاعفات فنقل وظيفته إلى بغداد ، وجلسْتُ بمقهى البرلمان صيف عام 1959م ، يوم كان الجو مشحونا ً بالمراجعات والمساجلات حول ما آلتْ أمور البلد وشؤونه بعد يوم تموز وعلى مَنْ تقع التبعة والمسؤولية عمَّا رافق الثورة في سنتها الأولى من أخطاء وما تردَّتْ إليه من مهاو ٍ وسقطات ، فشاعَتْ على الألسنة تعابير لا يفقه معناها ويحيط بمرماها غالبية مَنْ ينبسون بها من قبيل تعبير ( النقد والنقد الذاتي ) ، وإذا بأبي علي ينبئني بأنَّ الزُّمر الإقطاعية التي فقدَتْ امتيازاتها وتحدَّدَتْ ملكيتها للأراضي الزِّراعية واستطال عليها الفلاح المستعبد قبلا ً هي التي تقف خلف هذه القلاقل التي يتبرَّم بها ومنها الناس ويتسجَّرون ، والحلُّ المؤدي إلى حال ٍ من الحسم والاستقرار يكمن في اتباع التؤدة وتحاشي استفزازهم والمس بعواطفهم قدر الإمكان ليقفوا بصف الثورة ويساندوها وقد لجأ هو من جانبه إلى هذه الوسيلة واتبعها وأوفى على نتائج طيبة وكسبهم لصالح الثورة ، حينها أدركتُ أنَّ ما يفوه به من أقوال ومدَّعيات هو فوق طاقته وأعجز من أنْ يقدر عليه ويباشر فيه ، فلا بُدَّ من أنْ يكون صاحبي ملتاثا ً أو في طريقه إلى الإصابة بلوثة ما .

       وفي صيف عام 1965م ، لمحته داخلا ً لمقهى حسن عجمي مرَّات وناطقا ً كلَّ مرَّةٍ بكلماتٍ غامضة لا أحد يفهمها وبصوتٍ عال ٍ بعض الشَّيء ويمرُّ بي وكأنْ لا يُمَيِّزني ولا يعرفني فسردْتُ حكايته لمجالسِيَّ من أدباء تلك الأيام ورجوني أنْ أدنو منه وأجالسه وأعرِّفه بنفسي وهل يتذكرني ؟ ، فامتثلتُ لطلبهم والعجيب أنـَّه استردَّ وعيه وزايله إلى حين بعض ما كان عليه من اضطراب فاسترسلتُ بتمهُّل ٍ واستئناءٍ وتدرُّج ٍ إلى تذكيره بالمقالة المأثورة والوحيدة التي كتبها قبل خمسة عشر عاما ً وادعيْتُ أنـِّي نسيْتُ عنوانها وإذا به يستذكرها جيدا ً ، فتأسيْتُ لضغطِ الظروف وعلى شدَّة وقعها وقساوتها على أفاضل الناس بينا تتجاوز عمَّنْ هم محتاجون إلى كبح جماحهم وتهذيب سلائقهم .

شاهد أيضاً

شكيب كاظم: هل كان للهجة تميم أن تسود وتمسي لغة العرب؟

منذ أيام الدرس الجامعي في الجامعة المستنصرية، استرعى انتباهي، ونحن في درس النحو العربي، وتحديداً …

فكر الاختلاف باعتباره فلسفة أخرى: جيل دولوز نموذجا
الحسين أخدوش

تقديم عام حول الموضوع صرّح ريمون بيلور في مقال له حول “دولوز فيلسوف رحّال”: “سوف …

فاسكو غارغالو أجرمَ إذ رسمَ العدلَ وصَوَّرَ الظلمَ
بقلم د. مصطفى يوسف اللداوي

اعتادت الحركة الصهيونية ومن والاها، ومن خافها وخشي منها، وارتبط بها وارتهن لها، والمسيحيون الانجيليون …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *