فؤاد قنديل: نساء وألغام (2)

• الجزء الثاني من ثلاثية “المفتون”
سكنت فى استراحة فوق الشركة مع جامعة الدول العربية  .. شباب من جنسيات مختلفة. سوريان، تونسيان وثلاثة مصريين. جزائري وسوداني  وأردني ومغربي.
 بعد عدة أيام قال لي رئيس مجلس الإدارة.
ـ هل تود العمل فى بنغازي أم فى الصحراء ؟.
قلت: تستوي كل المواضع ما دمت بعيدا عن القاهرة.
نظر رئيس مجلس الإدارة إلى المدير المالي والمدير الإداري وعلت وجوههم ابتسامة. فهمت بعد ذلك أن كل الموظفين  رفضوا العمل بالصحراء، وكان المديرون يتوقعون رفضي قبل الآخرين.
قال لي المهندس خليفة:
ـ سنفتتح موقعاً لصيانة الطريق الساحلي فى منطقة “العجيلة” وأنت ستكون مسئولاً عن الشئون المالية والإدارية ومعك مهندس هو مدير الموقع وبالذات النواحي الفنية.. بعد غد ستخرج على رأس قافلة تضم المعدات والأجهزة ولوازم الإعاشة، وبعد يومين نبعث بالعمال والمهندسين وبقية الموظفين.
    ركبت سيارة جيب ، وتقدمت الآلات الثقيلة المحمولة مثل الجريدرات والبلدوزرات وأوناش صغيرة (فورك لفت) ومولد للكهرباء وسيارات نقل تحمل أسرة ومراتب وكراسي ودواليب ومكاتب وبوتاجاز وثلاجة وتليفزيون ولوازم المطبخ.. خامرتني السعادة بالمهمة وإمكانية تحصيل الخبرة ومشاهدة معالم جديدة والاحتكاك ببشر متنوع المشارب والأهواء.
تقع العجيلة (العقيلة) غرب بنغازي على بعد مائتي كيلو.. ليست مدينة ولا قرية، إنها بقاياً قرية مهجورة تماماً، اجتاحها الإيطاليون أيام المقاومة الليبية الباسلة  بقيدة المجاهد الكبير عمر المختار، ومطلوب تجديدها بإقامة مركز صيانة فيها لخدمة الطريق بترميمه أو حمايته من الرمال المتحركة التى تتسبب فى انقلاب السيارات.. لم أعلم بالحادث المروع إلا بعد شهر .
ـ فى العجيلة وفى المبني القديم الذى نقيم فيه بالذات قام الإيطاليون بشنق نحو ألفي ليبي
خرجت الكلمات من فمى دون أن أحس .
 ـ الله يطمنك
كانت أوامر المهندس خليفة ألا يكشف أحد هذه المعلومة، وقد أخبرني بها الخفير الذى كنت أسهر معه لأسمع أغاني “العلم”.. أغاني الحب التى أبدعها الشاعر الليبي المجهول، ومازال الشعراء البسطاء ينظموها لأن السهر لا يحلو إلا بها والليل ذاته غبي سقيم بدون أغاني العلم.
  فى ليال كثيرة كنت ألمح ما يشبه الأشباح، وفى الأحلام أري عشرات الليبيين فى أرديتهم البيضاء وعليها الصديريات الزرقاء يركضون أمام سيارات عسكرية شوهاء وعربات جامحة تلحق ببعضهم وتهرس لحمهم، وفى كل ليلة أستغرق فى القراءة .. تتراءى لى  وجوه ضبابية تحدق فى الغرفة من خلف الزجاج الملطخ بالأكف والغبار والحكايات القديمة.
كلما أخرجت صورة الراقصة التى يثيرني جسدها، تراجعت عن تعليقها على الحائط.. أتأمل جسدها الفارع الطري المتناسق ووجهها الجميل الذى يخلو من ملامح الراقصات، ويرتدي ملامح الهوانم ، وقد خلت البشرة والعيون من لمسات الفجور.. ترقص كأنها تحلم.. بل كأنها تسبح فى بحيرة وقد تحولت إلى بلطية شقية لا تكف عن اللعب والانفلات بدلال وثقة. أنهل المتعة الزائفة من وجهها .. أدخل الحمام  ويستعين خيالي بجسدها الفاتن كي يخلص جسدي من ثورة  الأشواق المستعرة التى لا تكف عفاريت الشباب عن إثارتها  داخل بوتقة الشهوة  المعذبة بالحرمان .
     بعد عدة أيام وصلت ثلاث سيارات نقل محملة بكل ما طلبت من لوازم الطلاء وعدد من النوافذ الخشبية والأبواب وألف طوبة ومواد بناء وبلاط أرضية.. كنت قد أرسلت خطاباً مع الصراف الذى حضر ليسلم لنا الرواتب إلى رئيس مجلس الإدارة ، أقول له:
ـ   لن أحتمل البقاء هنا شهرا آخر بدون تجهيزه ومطلوب خلال أيام أن يصلنا كذا وكذا وسوف نقوم نحن بالطلاء والنجارة وكل ما يلزم.
   كان المدير  المهذب قليل الكلام يستجيب  لكل ما أطلبه . حريصا على دخول الموقع كلما  اقتضت مسئولياته الذهاب إلى طرابلس ، كنا نتحاور حتى فى غير ما يخص عملى مستشعرا ميله لمعرفة رأيى ، ولم أكن أبخل ، فبقدر ما أعرف أفيض ،  و اكتشفت مدى علمه وخبرته ، ولمت نفسى لأنى بنيت  حكمى على مظهره عند أول لقاء .
     كلفت من يحسن أعمال  التشطيب بالبدء فوراً  حتى أخذت “العقيلة” شكلاً آخر، لفت الأنظار.. خلال ساعات النهار أنسي تماماً تلك الوجوه والأشباح والمطاردة والمصائر المجهولة وأنا مربوط بساقية العمل، كنت وحدي مسئولا عن الشئون المالية والإدارية. أنا المدير والموظفون. ولأن القرية مهجورة تماماً فمن المتعذر ترك العمال يطعمون أنفسهم، ومن ثم عينت الشركة طهاة، والطعام بحاجة إلى مستلزمات، من الملح إلى اللحم ومن الخضراوات إلى الفاكهة والبصل والثوم وغيرها، وكان على أن أتوجه إلى أقرب قرية على بعد نحو ستين كيلو كل يومين أو ثلاثة لشراء ما يلزم،كما كنت أقوم بالمسائل المالية . أقيد المنصرف وأحفظ الفواتير وأتابع العمال وأحسب أيام عملهم وغيابهم وحالات مرضهم، فضلا عن بعض السلفيات الصغيرة ـ بينى وبينهم ـ يسددونها إذا قبضوا أجورهم.
  بالليل أتخبط فى الوجوه والأحلام والهلاوس والأفكار الجهنمية.. أسرع إلى الخفير أو العمال لأشرب الشاي فى أنسهم وأسمع قصصهم الخاصة، وكم فيها من غرائب وكم صبت فى عقلي من خبرات وعجائب ، وكنت ألمح رهافة اليد الإلهية وهى تمضي بين المصائر ترتب وترمم وتهدم وتبني بما لا يخطر على قلب أو عقل بشر.
طلب الشباب منى كما سبق  أن يسمعوا قصيدة مما أحفظ . يعلمون أنى أحب جاهين .
حلمت الليلادى بإنى فى موقف رهيب
باقول والكلام منى طالع نحيب
سيادى القضاة
دفاعى بسيط
كلامى ماهواش غويط وماهواش عبيط
بسيط
بساطة هدوم الغلابة الفقارى الحفاة
بسيط زى اسم صديق على شفة صديق
بسيط زى دمعة برىء
بسيط زى وحش جعان فى الفلاة
بسيط زى حفنة دقيق
سيادى القضاة ياذمم ياهمم ياقمم يا عتاة
دفاعى قوى
قوى زى صرخة غريق
بينده لقارب نجاة بينده بآخر قواه للحياة
دفاعى قوى زى دقماق حديد
قوى زى نظرة وعيد
قوى زى تمثال إله
قوى زى بلطة رجال الحريق فوق بيبان الحريق
سيادى القضاة
سيادى الكرام العظام الفخام العلاة
دفاعى مؤيد
مؤيد بكل الكلام العظيم
بتوراة بإنجيل بمزامير داود
بقرآن كريم
دفاعى مؤيد بكل أنين الكمنجات فى كل الوجود
بكل حفيف النسيم
بتهنينة الأمهات للعيال فى المهود
بصوت القبل
وكل ابتسامة بحق وحقيق
تأيد دفاعى
وبارفع صباعى الضعيف واقول كلمتى
سيادى القضاة
سيادى الحدادى اللى حايمة على رمتى
ح اقول كلمتى
لكين قبل ما انطق واقول كلمتى
قولولى انتوا
ايه تهمتى ؟؟
                  كتبت الشعر فى مقتبل عمرى . شعر عامى وشعر فصيح. ولما رحت أعرضه على جاهين أظن ذلك كان عام 1963، مط شفته وتنهد  وبص لى وسكت لحظة . حسيت إنها طالت . سألته عن رأيه . قال : قل لى انت رأيك . فاجئنى . قلت : هذا ما فى إمكانى حتى الآن .. دور بيديه فى كومة ورق وأخرج ثلاث ورقات . مدها ناحيتى وقال :
     ــ    اقرأ       
     لما قرأت القصيدة وكانت لواحد لم أسمع به .عجبتنى . حسيت إن المسافة كبيرة . سألنى صلاح . قلت له:جميلة . قال : سمعنى قصيدة ثانية .  شكرته
أصر أن  أشرب الكركديه الذى طلبه . كنت قد عزمت على هجر الشعر بعد أن قرأت قصيدة عبد الرحمن الأبنودى التى أرسلها لصلاح لينشرها فى صباح الخير .، وظل صلاح ذلك الكائن الرائع . أقصد النادر.  
                                   ———
     استيقظ كل العاملين فى الموقع على همهمات مدوية  تصك الكون وتكاد تهزه..مر الخفير علينا لينبهنا الى أن مئات الثعابين تحاصر الموقع ويصدر عنها هدير مكتوم يخرج من بطونها ويرج أجسادها بفعل الضغط الغاضب .. كان المشهد مثيرا لأقصى درجات الرعب . الثعابين تركب السور الملتف حول الموقع . عشرات العمال فى خطر .هم لاشك يطلبوننى  .. لا مجال للفرار . قال الخفير الليبى :  يجب أن تخرج إليهم  وإلا هجموا وقضوا علينا جميعا .أدرك الكل بشاعة المأزق وانعدام الحلول إلا حل واحد . فكرت فى دخول غرفتى وإغلاقها علىٌ . تبينت سريعا  هشاشة الحل وعواقبه . تقدمت الثعابين  فتعالى الصراخ .
                                 
وضعت قدمى على طريق العودة .أندفع بالسيارة اللاندروفر . الجبل على يسارى يرافقنى كصديق  توثقت علاقتنا ، والبحر على يمينى  يبدو محتقنا من هدوء السماء ، تبلغنى تأوهات أمواجه وصخب العراك  بينها دون توقف.

ملأت السيارة  بكافة ما يحتاجه الموقع، واشتريت للموظفين والعمال ما يشتهون من سجائر وشاي وسكر وأظرف خطابات وأقلام وبطاريات للراديو والمسجل، بعضهم طلب شباشب وأمشاط ومرايات وإبر وبكر خياطة وطلب موسي مسئول الورشة نظارة سوداء تحمي عيونه من شرار ونور اللحام، ولما طلب مبارك زجاجات كولونيا وصابون مخصوص، طلب مثله الآخرون، وطلب العايق الجزائري ميلود حنيش مجلات بورنو، قلت له أنها لا تتوفر فى ليبيا جميعها ولا حتى طرابلس، قال:
ـ لقد رأيتها مع كل الناس.
ـ مهربة.
   لم أجدها فى القرية التى تبعد ستين كيلو عن الموقع ..اشتريت له بوسترات لفنانات أجنبيات شبه عاريات، يمكن أن يحقق بها أغراضه.
كانت الطلبات كثيرة، قضيت معظم النهار فى جمعها.. الجو جميل. الطريق مفتوحة والشمس تتأهب للوداع الناعم وقد بدت على السماء ملامح التأثر للفراق الوشيك.. تسليت بالغناء والنقر بأناملي على المقود..استعدت أغانى عبد الحليم التى صاحبتنى على مدى عشر سنوات ويزيد . لازمتنى فى أحوال كثيرة وأعانتنى  على احتمال عاصف الشوق الى  كل من أحببت .
توقفت  فجأة عن الغناء والقيادة ..  فوجئت بإطار كاوتشوك أسود ضخم وسط الطريق.  كان يمكن أن يقلب السيارة مع سرعة تجاوزت المائة.
 نزلت وأنا ألعن من فعل. يجب إزاحته فوراً، وما إن اقتربت وأصبح الفاصل خطوتين، طار الإطار فى وجهي. واندفعت طائرا على ظهري لأسقط إلى جوار باب السيارة، تتملكني حالة رعب وذهول أوقفت تفكيري تماماً. رأس الإطار. أقصد الثعبان بدا كأنه يطل علىّ قادماً من السماء. ارتجفت بشدة. تجمدت لحظات. أنا فى حلم أم فى علم ؟ وهم أم حقيقة ؟.. الرأس الضخم الذى يشبه رأس جمل يتحرك جهة اليمين وجهة اليسار باعتزاز. عضلاتي مفككة واختفت الأعصاب. مازال عقلي غائبا. لن يصبر علىَّ الوحش كثيراً.  لم يكن بد أولا من الرجوع للخلف قليلاً حتى لا أكون فى مدار لسانه وأسنانه. نصفه المنتصب على الأقل ثلاثة أمتار، ونصفه الثاني لازال على الأرض ملتوياً كإطار..
 تحرك.. لن ينتظرك. سكونك لن ينفعك. نصائح الأهل قديماً تتوالي.. كنت دائما أشك فيها. إذا التقيت الأسد ولزمت الأدب فلا ضرر.. نصائح العجزة أو الحكماء التى تأخذ بالحد الأدنى، لا تكن مستفزاً على الأقل. فربما يزدريك المفترس ويستضعفك، فيوفر غضبه أو هجومه الذى لا تستحقه.
قفزت فجأة إلى العربة وأغلقت الباب، مشلولا قبعت أنظر إليه لا أريد أن أبارح، فقد يستفزه المحرك ويثير أعصابه وغضبه. بدأت أفكر بدرجة أفضل. تذكرت الحمولة وما فيها من لحم وخضراوات وحلوي، إذن يجب التحرك بسرعة. الرجوع للخلف ثم تجنبه والانطلاق. لا. لا يجب تركه. لابد من المواجهة وتحديد مصيره.. إنه يهدد الطريق والسيارات العابرة. وبصرف النظر عن علاقتنا الشخصية وكم الرعب الذى بثه فى روعي حتى لأشك فى قدرتي على الإنجاب بعد ذلك، فإن عملي فى مركز صيانة الطريق الصحراوى  من الرمال والمياه والأخطار يقتضي إزاحته.
مع هذا العزم بقيت لحظات أقلب الأمر  من جديد. لا داعى للحماقة وفى الوقت ذاته  لاداعى للتخاذل وتجنب المواجهة . تركه معناه مشاكل كثيرة لاخرين ..من أين جاء ؟ وأين كان يختبىء ؟ وكيف أصبح له كل هذا الحجم دون أن يعرف به سكان القرى المجاورة … ليس الوقت مناسبا للأسئلة . الوقت يسمح فقط بتحديد مصيره ومصيرى .
رجعت إلى الخلف نحو خمسين متراً، ثم تقدمت منه مسرعاً وارتطمت به.. أحسست أني ارتطمت بشجرة .. كان الصوت عالياً ومكتوماً، ولم أتوقف إلا بعد خمسين مترا. رفعت نظراتي إلى المرآة الأمامية، فوجدته واقفاً دون تغيير. 
عدت إليه بقوة، واصطدمت به. كان الصوت أعلى. انقلبت بعض الكراتين والأكياس داخل السيارة. مرقت فجأة سيارة تكاد تطير وسبني من فيها. وقفت بعيداً أتأمل الثعبان الأسطوري الذى لا يتأثر بضربات اللاندروفر. مساحات النور تتراجع. أضأت أنوار السيارة. أسرعت مندفعاً أهجم عليه، فوجئت به وقد علا وعندما ارتطمت به ضرب برأسه الزجاج وسقف السيارة من أعلى.. ارتجفت رعباً، وبعد أن ابتعدت عنه ولمحته واقفاً كعمود أسود.. فكرت فى تركه.. المعركة ستطول.. لعل النتيجة لا تكون مرضية. لكني دون تفكير ضغطت على إكسراتير البنزين بقوة وعدت وضربته بظهر السيارة، ثم توقفت وحدقت فيه عبر الزجاج، فوجدته يتلوى ويعلو وينخفض فى بطء متداعياً.. اندفعت نحوه من جديد لأضربه بعنف، وأتجاوزه عابراً فوقه بينما كان منطرحاً على ظهره دون أن يضرب زجاج السيارة.. أرتد إليه ذهاباً وإياباً، حتى عاد كما كان إطاراً متراكباً من الكاوتشوك، ورأسه برقبته مرمية إلى جانبه.. دنوت منه ووجهت إليه كشافات السيارة. تأملته برعب. ثم تراجع رعبي تدريجياً كلماً أدركت أنه انتهي واستسلم.
مرقت سيارة بعد سيارة فى سرعات مجنونة وأمطروني بشتائمهم القاسية.. لابد من إزاحته عن الطريق.. لابد.
تسلل الى نفسى احساس  بالأشفاق عليه . هذا العملاق تحول الى خرقة .. استندت بظهرى الى مقدمة السيارة  وعقدت ساعدى ورحت أتأمله  وهو بلا حول ولا قوة ..هل كان يمكن ألا  أفعل ما فعلت ؟
أخرجت من السيارة حبلاً غليظاً، كان دائما معي لأي طارئ.. ربطته جيداً من رأسه وعلقت الحبل فى مقبض الجر الحديدي الخلفي، وقدت السيارة عدة أمتار، ثم نزلت منها لأشاهده وهو مفرود تماماً خلف السيارة على الطريق كنخلة، يتجاوز طوله السبعة أمتار.. غليظ البدن، ثمة انبعاج واضح على بعد مترين من رأسه. ربما ابتلع عنزة، وكان لا يزال يحاول هضمها.
قبل أن أنحرف فى اتجاه الجبل لإطلاق سراحه، قررت السير نحو الموقع، فلابد أن يشاهد العمال الصيد الكبير والمغامرة الصعبة .. لن أقول لهم حرفاً، فالجثة أمامهم.. انطلقت بقوة وبإحساس مختلف كأني أركب فرساً وأحمل سيفاً وأخوض فى لحوم الأعداء.
قبل البوابة بمائتي متر أطلقت آلة التنبيه ولعبت بالأضواء.. رأيت الخفير يفتح وإلى جواره كل العمال والموظفين وقد أصابهم القلق علىَّ، فلم يحدث مرة أن تجاوزت العصر.. تقدموا منى فوقفت خارج البوابة.
اكتشف بعضهم الثعبان قبل أن يتقدم منى ويحمد الله على سلامتي.. أسرعوا إليه جميعاً، بينما أهبط من السيارة، ومضوا يعبرون عن دهشتهم ويسألون، وأنا أتأملهم ولا أجيب إلى أن زعق الخفير الليبي فىّ بطريقة حادة وهو يغلق البوابة دوننا:
ـ من وين جبته. عيده.
انشغلت مع الشباب، فعاد يزعق.
ـ تسمع فىّ ولاَّ ما تسمع.
قلت له لأخفف حدته:
ـ عمرك رأيت مثله.
اندفع بحدة أكبر ـ عيده فى التو يا مصري.
صبرت عليه كثيراً لكنه تجاوز حدوده، قلت له:
ـ اسكت خالص.
قال بحدة زائدة وهو يفتح كل ملامح وجهه بغضب:
ـ أنت اللي تسكت خالص وترجع بيه الحين.. أنت ما تدري إيه يحصل يا فرحان بالغنيمة.
توجست فسألته:
ـ إيه يحصل؟
قال:
ـ كل أهله يكونوا هنا بعد ساعة أو ساعتين.
ارتعد الجميع وأنا قبلهم.
سألته: حق ولاَّ تمزح.
قال بهدوء: تعرفني أمزح.. هذا الأخ له عزوة كبيرة، وأنت  دلتهم على  طريقنا.
تغيرت الوجوه . اختفت الدهشة وحل الفزع .. من المؤكد انهم يتخيلون الثعابين  الان تحيط بنا من كل جانب .
بدأ الشباب يحرضونني بالفعل على إعادته  ..قال بعضهم: سنذهب معك.
رضخت وقلت : أنزلوا التموين، وضعوا اللحوم فى الثلاجات.
عدت بسرعة لا تزيد على ثلاثين كيلو متر أحدق فى الطريق وجوانبه.. أتصور أن بعض الثعابين تسعي فى طلبى.. دخلت فى وادي بين جبلين وطلبت ممن معي إن يحلوا وثاقه فرفضوا..  نزلت وحللت الحبل،..ألقيت عليه نظرة حانية..  عدت أشفق  على مآل عميد عائلة اغتيل من حيث لا يدري ..  الخطأ على كل حال خطؤه، فما كان يجب أن يتوقف فى وسط طريق تمر عليها سيارات مجنونة.. عدت شارداً، أجيب بغير اهتمام، وكنت من قبل مزهواً بالانتصار..عدت نادما كأنى اقترفت جرما .. تخيلته فجأة رجلا فقيرا  وضعيفا وقد قتلته بسيفى  دون رحمة ، وألحقت به العار وسط عائلته.
 ظل يخالجني حتى الصباح قلق غامض، خشية أن تكون هناك عواقب وخيمة وتوابع ضارة بسبب مصرع هذه الشخصية المهمة. لكن كل شىء مر بسلام ..كانت الأيام تشبه الأيام ، لكنه ظل بين الحين والحين يزورنى فى أحلامى مع عائلته كثيرة العدد ويلتفون حول المركز  ويلقون الرعب فى قلبى ويتكرر ذلك كلما هددتنى مشكلة من النوع المزعج الذى يحرم غيرى النوم .

                                     ***********
 كان حتما أن أمضي إلى منقذتي.. القراءة.. أنسي الحقيقي، وأول ما تمتد  يدي على طول، تروح لصلاح.. ها هى عيناه من وسط الكتابة تبص لي. ..”أنغام سبتمبرية” قرأتها عدة مرات ، وكثيرا ما طلب الزملاء الاستماع إاليها .
وقف الشريط فى وضع ثابت
دلوقت نقدر نفحص المنظر
مفيش ولا تفصيلة غابت
وكل شىء بيقول وبيعبر
من غير كلام ولا صوت
وأول ما ضغط الموت
بخفة وبجبروت فى يوم أغبر
على زر فى الملكوت
وقف الشريط فى وضع ثابت
          ——-
دلوقت نقدر نفحص الصورة
انظر تلاقى الراية منشورة
متمزعة لكن ما زالت فوق
بتصارع الريح اللى مسعورة
وانظر تلاقى جمال
رافعها باستبسال
ونزيف عرق سيال على القورة
وف عنفوان النضال
وقف الشريط فى وضع ثابت
 بعض الكتب حملتها من مصر والبعض اشتريته من مكتبات بنغازى ، وأقل القليل التقطته من الأصدقاء
أمد يدي لصلاح عبد الصبور، ونيرودا، وشوقي، والقرآن، والكتاب المقدس، ونيتشه وكامي.. بريخت.. وشكسبير.. شكسبير كائن عجيب وعبقري، كيف استطاع إبداع مسرحيات تحملها أجنحة الشعر وتخوض بها فى كل المسارات الإنسانية والتاريخ والنفوس والأحداث والمشاعر وكتل اللهب المنطلقة فى أفلاك تدور بين حنان الله وغضبه.
ماذا كان يمكن أن يحدث لي، لو لم تكن هناك كتب؟! ماذا سيحدث للعالم، لو لم تكن هناك كتب؟!. كلما أوغلت فى القراءة تأكد لي فداحة الجهل وعمق الخواء واشتداد العماء .المشكلة التى تؤرق حقا تتمثل فى موقف الحكام العرب فمعظمهم لا علاقة له بالكتب ولا بالمعرفة .. لا يعرفون شيئا عن العالم والبشر وظروف بلادهم وشعوبهم إلا عن طريق التقارير.. أنا إذا لم أقرأ عدة أيام أشعر أنى ضائع ، ولا أستطيع تدبير شئونى ، فكيف يتصور أى حاكم أنه يستطيع إدارة شئون عشرات الملايين ؟!
       لم تشغلني القراءة عن ممارسة الرياضة بقوة ومحاولة استنفار عضلاتي، فقد أيقنت أن كل الظروف تفضي إلى قيام معركة مع أحد العمال.. عامل شرس ومعارض دائما وسريع الاقتحام للآخرين.. ويجد متعة فى أن يسب المصريين، ولن يكفي أن أتصل بالإدارة لسحبه ونقله إلى مكان آخر.. يجب أن يضرب أولا ويتعلم الأدب.. المسألة ليست سهلة.  أعرف أن القوة ليست بالعضلات . القوة تبدأ من الجرأة والإ قدام.. القوى الطيب يمكن للضعيف الشرير  النيل منه ..الاحتشاد النفسى مطلوب ، والكراهية  تفعل أحيانا فعلها . 
الولد متين البنيان، قوى الأعصاب. جسور وقلبه ميت، ولا يتحرك دون مطواة، ولا يخفيها رغم التحذيرات التى وجهتها له. بل إنه يشحذها  فى المساء أمام كل العاملين الذين يتجنبونه ويتجاوزون عن حماقاته وسقطات لسانه، خاصة عندما يكثر من الشراب  .. تعود أن ينزل كل أسبوعين فى يوم جمعة إلى بنغازي ليلتقي بأصدقائه من أهل بلده ويحصل على تموين يكفيه  حتى الزيارة التالية.  
   للصحراء جمال  لا يدركه الكثيرون .. تدعوك أن تتأمل الوجود وأن تتحدث إلى الله،  وتنصت لوشوشات  الريح وعبث الموج  القريب منا وطقطقة  أعصاب الجبل .. يبلغك فى حضرتها فحيح الثعابين  واحتكاك بطونها بالرمال ،  وإذا أحسنت الإنصات يمكنك أن تستمع إلى  شجر الصبار والطلح والدفلى  وهو يبحث بجذوره عن قطرات الماء فى الأرض القاسية ويمتص منها ما يعثر عليه  من ذرات قليلة ، تأخذ طريقها  فى نسغ الجذوع وتتوزع على الأفرع والأوراق  المحرومة التى اعتادت  الصبر وتكيفت معه .

أرسل لي أبي خطاباً يخبرني فيه أن أخي نازك استقبل أول أولاده اليوم وسماه أشرف.
فرحت ثم شردت وضحكت.. كان يمكن أن يكون أشرف ولدي أنا.. تذكرت يوم زفاف أخى على زوجته زينب ، وكان مقرراً أن يعود من قاعدة الصواريخ التى يخدم فيها عصر اليوم ذاته، ثم تأخر.. الزغاريد تتري واللمبات معلقة فى الشارع كله والحفل منصوب، والمأذون حضر والمعازيم والكل استعد.. أصبحت الساعة الثامنة ولم يحضر نازك.. كان أبي قد أيقن بسبب انفلات أخي أن الزواج هو الحل، كما كان أبوها  صديقه الأعز وليس مستعدا لإغضابه.
فجأة بحث عني أبي ولما وجدني قال بحدة:
ـ جهز نفسك، إذا لم يحضر أخوك ستجلس مكانه.
حدقت فيه منزعجاً.
ـ ماذا ؟
ـ ما سمعته.
كنت قد طلقت هندا منذ أيام وأشعر بجرح عميق واختلال فى رؤيتي للعالم والزواج.ليزال الألم قابضاعلى صدرى ، وتأهبت بينى وبين نفسى ألا أشغل البال بمسألة الزوا< ، والأحق بالانشغال هو الكتابة وتقوية وجودى فى الساحة الثقافية . تماسكت وقلت:
ـ يا والدي.. أرجوك لا داعي لهذه القرارات.
ـ على الطلاق بالثلاثة إذا لم يحضر أخوك لأزوجك زينب.
أشحت بيدي واستدرت لأنصرف وأنا أقول.
ـ مستحيل ما يحدث.
ارتطمت بعم فوده الذى سألني عن سر غضبي، قلت له عن القرار العجيب، وحلفان أبي.. كان أبي فعلا فى معظم قراراته عاطفياً وغير معنى بالنتائج.
هدأني عم فودة و مضي إلى والدي، فأعلن أبي ذلك من جديد وبصوت أعلى.. لا يحتمل عمي من فرط رقته هذا الجو.. ترك الفرح جميعه.. وعزم ألاَّ يبقي دقيقة واحدة، لكنه سمع صوت أخى نازك القادم بسرعة يسأله:
ـ إلى أين يا عم فودة؟.. أنت الذى ستشهد على العقد.
فرحت بوصول أشرف، ورحت من جديد أضحك.
                                    ———-
أصر عمر الشاب الليبي الجميل على أن يركب معي السيارة لاختيار العطور وأشرطة الكاسيت التى يريدها، كان غير راض عن ذوقي ولا ما أشتريه، فى الطريق اعترف لي بأنه يريد أن يغير جو لأنه مختنق وكان رئيس مجلس الإدارة قد أمر بألا يغادر الموقع لأنه قريبه من بعيد ويريد أن يخلق منه رجلاً. ولذلك وضعته نصب عينى دون أن أشعره بالمراقبة .
عمر كان يقود (الفور كلفت) الناقل الصغير ذا النابين على شكل أسنان الشوكة يدخل بهما تحت أي شئ لنقله، وهو فى حجم سيارة صغيرة، وكان تنزهه به فى ساحات المركز أكثر من قيامه بعمل حقيقي.
الولد طويل ونحيل وأحمر الوجه والجسد ..فى العشرين من عمره، وكان دائما يتحرك بشورت فقط.. لطالماً ناديته كي أشاهد عينيه الخضراوين وشعره الأصفر وحلاوة ملامحه وبسمته الجميلة.
عبأنا السيارة بكل المطلوب  للموقع وللعمال . وعند العودة، طلب أن يقود، فترددت ثم وافقت.. استحسنت فكرة أن أصحبه كل مرة.. فقد عاونني كثيراً، وحمل عني كل ما اشتريت إلى السيارة، بل لقد ضغط على الباعة واقتحمهم فباعونا ما نريد بسعر أٌقل.
كنت كلماً حمل اللحم أو الخضراوات إلى السيارة أربت على ظهره مشجعاً، فأحس طراوة جسده ونعومة لحمه الخالى تماما من أى شعر . يخامرني خاطرغير خبيث أنه فتاة، خاصة أني لاحظت كبر ثدييه وطراوتهما، فهما متهدلان يرتجان مع الحركة.
عاودت التفكير فى ضرورة مرافقته لي، لأنه كان نافعاً ومطيعا وأنيسا، يغني فى السيارة أغاني العلم، وكنت أعبر عن سعادتي بالمرور بيدى على ظهره وثدييه، وهو مشغول فى القيادة والغناء.
شغلني الولد . أنا لست ممن يأتون الأولاد، لكني أستشعر لذة فى لمسه.. تكررت تلك الحالات فى هذا اليوم وما تلاه، إلى أن استيقظت من عز النوم فى ليلة من الليالي فإذا هو جاثم بركبتيه فوق ضلوعي. تنبهت فلمحت بيده سكيناً كبيرة يغرسها فى رقبتي ولا أستطيع التقاط أنفاسي فضلوعي يوشك الأحمق على تحطيمها.
ـ ماذا جري يا عمر ؟.. سأموت يا مجنون.
غز السكين فى رقبتي و برزت عروقه وامتلأت عيناه بالغضب، وتجمع فمه وانبسط بشراسة وهو يقول:
ـ عارف يا مصري لو حطيت يدك علىَّ ثانية سأذبحك.
بصعوبة قلت: بهزر يا عمر
ـ ما أريدك تهزر.. هادا حداكم هناك بمصر.
ـ طيب خلاص.. ما دمت لا تحب الهزار. 
غز من جديد بقوة
ـ هادا آخر تحذير لك، المرة الجادمة ما فى تحذير.   فيه ذبح. واعي ولا ما أنت واعي.
ـ واعي يا عمر واعى .
     ظل راكباً فوق ضلوعي الله يسمه، يحدق فىَّ دون كلمة، ربما ليتأكد أنني استوعبت الدرس.. وقد استوعبته.. وحدث أني نسيت عدة مرات،  فيفاجئني بالنظر الحاد والمحذر حتى لا تمتد يدي إلى لحمه الطري الناعم.
أغلب الليبيين الذين التقيت بهم فى المركز وفى السوق مهذبون وكرماء، إلا مفتاح البواب وعمر، وهما ليسا سيئين، لكن فجأة لا يعتدون بمنصبي كمسئول، ينسون كل احترام لوضعي ويعاملونني بتهديد، وأشعر وهما ينادياني: يا مصري
كأنما يوجهان لي السباب، فلم أعد بالنسبة لهما المدير والأستاذ. مع أن رئيس مجلس الإدارة جاء فى زيارة مفاجئة وتحدث إليهم عنى فى غيابي، وطلب منهم طاعة كل أوامري وتنفيذها بالحرف.. أما عدنان السوري فهو المشرف الفني ومعظم طلباته تخص الطرق والقطران والآلات والورشة.
مع الوقت نسيت عمر ونصحته بارتداء قميص أو فانلة، فرفض . تدربت على إزاحة جسده من رأسي، ما دامت المسألة يمكن أن تصل إلى القتل.
فوجئت بعد أيام بعمر يدعوني للعشاء فى غرفتي.. حمل حلة مكرونة (مبكبكة) ساخنة غارقة فى الشطة، وبها قطع كثيرة من اللحم ودعا عدنان المدير الفني ومبارك سائق اللودر.. قال عمر: الأستاذ فؤاد  طلب منى أجهز هادي العشوة ليكم.
دهشت.. شغلتني الشطة  عن التفكير أو التعليق.. كانت لذيذة.
 قال عدنان: عازمنا على شطة فيها مكرونة..
 الحلة كبيرة، لكننا لم نتركها إلا خاوية وسقطنا بعدها فاغري الأفواه حتى تدخل النسائم فترطب حلوقنا.. المهم أصبحت أنا وعمر سمناً على عسل، وقد كان دائماً رجلاً.
فى أحد الأيام وجدت مع زميل جديد جريدة الأهرام التى صدرت يوم وصوله قبل شهر. أخذتها إلى غرفتي وغرقت فى قراءتها كلمة كلمة، حتى الإعلانات والوفيات   ومررت على أسماء جميع أهل المتوفين وأقربائهم فى كل أنحاء مصر ، وبعضهم له أقرباء فى أمريكا وكندا واستراليا، وقرأ ت أيضاً العنوان التلغرافي، وعرفت مقر العزاء وقرأ ت  غرائب الطبيعة وصدق ولا تصدق وحظك اليوم.
قرأت الجريدة عدة مرات، وفوجئت فى المرة الثالثة أن هناك خبراً عن فوزي بالجائزة الأولي فى القصة القصيرة من الثقافة الجماهيرية، ولم أكن واعيا ـ فيما يبدو ـ عندما قرأته للمرة الأولي والثانية، وأحسست عندما قرأته وتنبهت إليه، إنني فى قراءتي السابقة، سألت نفسي عن اسم الفائز: فؤاد قنديل، مر على شرودي المبهم كشخص عرفته يوما، وقلت لنفسي:
ـ يخيل إلىَّ أني أعرف هذا الاسم.
  ثم تحولت إلى خبر آخر.
فرحت جدا وأرسلت خطاباً إلى أبي كي يرسل أحد أخوتي لاستلام الجائزة، وكنت قد تلقيت رسالة من أبي يفيدني بأنه صرف أخيراً المبلغ الأول الذى أرسلته، وفرحت الأسرة جدا.. وقال أبي: إن أمي قالت:
ـ سأدخره له فى حساب باسمه فى البنك.
أرسلت إلى أبي مشددا على ضرورة إنفاق المبلغ جميعه فور وصول الرسالة وفى يوم واحد، ويحصل كل أخ على ما يريد ولا أحب أن أسمع كلمة ادخار مرة أخري.
رد أبى قائلا:
 ـ  مبروك.. أنت الأول فى مسابقة نادي القصة. 
رغم حبى للصحراء وللوحدة والعمل والخبرات الجديدة، ورضا الرؤساء وثقتهم في لم أكن راضياً تماماً بالعمل، لأنى بعيد عن القاهرة وعن أهلى وعن الكتَّاب والندوات. ذلك المناخ الذى أتنفس فيه، ولا أستطيع وأنا فى قلب الصحراء كتابة قصة أو مقالة.. مشغول جداً بالعمل الذى يحفل  بمواقف صعبة تستدعي التوتر، وتستهلك الوقت كله.. أنا غير عدنان . أنا مطالب ليلا ونهارا  بحل مشاكل العاملين.. لكني وإن كنت أميل للعزلة والوحدة، فلا أستطيع الاستغناء عن الصحف، الصحف تسبق الكتب أحياناً، لأنها الحبل السري الذى يربطني بالعالم. بالأحداث الكبرى والصغرى التى تعبث بمصائر البشر. الحروب التى تدور رحاها فى أماكن متفرقة من العالم. الطغيان المتغلغل على مستويات عدة. حوادث القتل. علاقات الرجال والنساء. طوابير العاطلين. حوادث الطرق. ملايين الجائعين والمشردين، الكتب الجديدة اللافتة، نوافذ الأمل، أخبار الأعمال العظيمة.
 اشتقت لك يامصر واشتقت لكل ما فيك . الناس . البنات . الأفلام . الأدباء . كل الأدباء حتى الخبثاء منهم والمرضى والمندفعين بالغلط . اشتقت للصحف ، والذرة المشوية وفلوكة فى النيل ، وحبال الغسيل المتعلقة بها  الملابس الداخلية المبلولة . اشتقت للفوانيس والقلل وللبقر والحمير والمآذن والدعاء وصلاة الفجر والوالدين والشعر .. هات ما عندك يا صلاح .
انظر إليه شوف قبضته السمرة
وعيونه ثورة مكحلة بثورة
وصدره عرض الأرض حاضن مصر
والشام وليبيا وتونس الخضرة
والقصبة وفلسطين والأردن المسكين
والبحر والبساتين والصحرا
وف عز طحن السنين
وقف الشريط على وضع ثابت
  عندما طلبت من مدير الشركة  أن يرسل الصحف ولو مرة كل أسبوع ، ضحك ،  وقال :
ـ منذ عدت من بريطانيا  قبل خمس سنوات  لم أقرأ جريدة
قلت مداعبا  :
ـ  وفى بريطانيا هل كنت تقرأ الصحف ؟
هرش فى رأسه  وأحس بالحرج  فتركنى  ، وقد وصلتنى الإجابة .

تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

عبد اللطيف رعري: درجة الغضب تحت الصفر

ما بوسعي الكلام منذ بداية التكميم …فلا على ألاكم حرجٌ كانت أسْناني بيضاءَ وَكان جبلُ …

من ادب المهجر: اغنية غربة على نهر مور
بدل رفو
غراتس \ النمسا

من حُمَمِ الشوق والسهر .. من فضاءات الشجن .. انبثقت اغنية بنثر العشق لحنها .. …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *