هشام القيسي: يفرح ولايريد البكاء:الراهب الشاعرالاب يوسف سعيد في شعره وشاعريته

(1)
وهو ينهل من معين اللاهوت،يدرك ماهية أن تتسع به الرؤية،وبالتالي الأفكار،لأجل الحكمة والكلمة عبر نفس ترفرف بالمحبة،وبمسار متلائم متلازم،وببهجة ترنو لها كل مهجة.اذ يبحر في نفسه،يجعل كل شئ في مكانه،فهو يعرف ماذا يتأمل،ويعرف ماذا يريد،مثلما الشعر يعرف حين يدخل تحت مبايعة الاسرار.كل شئ عنده يفرح ولايريد البكاء.غير مكبل وهو يلوي الآلام،يصعد شجرة الشعر،ولايلقي بالاحلام فى بئر      النسيان. يتساءل ولايهدأ في الصبح مثلما في الحكمة والجذور،والزمن الذي يطوي بعض أقاويل العالم،وألسنة ضيوف نزلوا بعيداً في وليمة المحنة. انه من أمطار الصدق ،يبحث عن الاسئلة ويطلق السكينة.هذا الطهر،وهذه الشجرة تجود،وهي ميزة الشاعر في فواد البراءة. أشهر العبارة ،ورآى أياماً تملؤها كل الصرخات. الاب يوسف سعيد،راعي الكنيسة والشاعر،يلقي في باطن الشوق أزهار الرهبة،ويكتب في أمان الدار بعض هذا العذاب،وهذا الذي قيل في الماضي،وعن الحاضر .
هو يدري الى أين،وما الحيلة .يلتمس في خوف الصواب حمامة البريق،و زيتونة   الأمل،بالعقل وبالحس.وبأنهار الروح يرى كل الطفولة، ويرى الحياة،والبراءة وما تريد، وبها كذلك يرسم الانوار في انشغالات الافق.ولهذا فالحديث عن الراهب الشاعر هو فعل في كل هذه الابواب التي تحدق دون رتابة أو تفكك. هو استيقاظ معبأ بجذور الضوء تشهد له الدائرة المضيئة،وتتعانق كي تعلن بان العشب منذ الفجر يلوح بروح الحرية. لاتهدأ أشعاره في كل ذلك،منذ ان هبط الى العالم عام1936 في الموصل لينغمر في علوم وتعليم المدارس الكنسية بأديرتها،وليشب فيما بعد صواباً،وفي هذا المسعى،وعند هذا المشهد، ومنه،يبقى والشعر،يصدح ولاتستكين أشعاره وأنهاره.في حله وترحاله،بين أمكنة تعبد الله وتحترم الانسان عبر مسافات مكانية،أضحى الاب راعياً للأدب والادباء،وللشعر والشعراء، في ذات الوقت تتدفق الى المكتبة الشعرية
مجاميع بهية،حملت بعضها العناوين التالية:-                                             
أ-الموت واللغة.     1968                                          
ب-ويأتي صاحب الزمان.1968
ج-طبعة ثانية للتاريخ.1997
د-سفر الرؤية
ه-الشعر الاتي.1986
و-الشموع ذات الاشتعال المتأخر.1988
ز-مملكة القصيدة.1988
ح-حضور الابداع.1989
ط-فضاءات الاب يوسف سعيد.1999
ي-السفر داخل المنافي البعيدة.
وقبل كل هذا السيل البهي الشعري،أصدر (المجزرة الاولى)عام1958وهي مسرحي
يعيش في السويد،المنفى الاختياري الجميل . حضرالى وطنه عام1986ليشارك في  مهرجان المربد الشعري. اضافة الى الشعر،يكتب النقد والدراسات والنصوص  الفسيحة المعاني.                                                                          
 (2)
فيما يعيش الموت كحقيقة واقعة،يجابه بانسيابية وانفعالية،النفس،لانه يدرك ان الصمت هو فراق دنيوي.وهكذا يكون الرجل مساحة أرحب في اسقاطات الخروج عن وهمية الاشياء نحو يقين الفضاء وتوهجاته:    
((أكنت ذات يوم الهاً؟قذى ؟صخرة؟! بلى كنت تراباً
أدثرُ رأسي بالموت واللغة
ننشد في هيكل الكلس
تتمطى اللغة في مركبات القواميس
الشفرة الغامضة غامضة !)).
من قصيدة الموت واللغة.مجموعة الموت واللغة         
وبمقدار ما يصعد في عوالم اليقين،ويبتعد عن العبثيات،يكون الموقف ازاء القضية/الحقيقة التي لابد منها من المسلمات التي تغفو عليهاالنفس المؤمنة.وهذا
الانقياد ارادي ولا ارادي  :
((من يلمس الموت؟
حكمتي أن ارقد
أنام
أنسى القيامة الميلاد)).
من قصيدة استسلام/م.الموت واللغة
انه مدرك لأليات التفاعل الذي يأخذ جانباً كيميائياً،في اشارة الى عملية الفناء المادي،وتحليق الروح في ديمومة أبدية ترعاها حقيقة مطلقة،عبر تساؤل خالد:
((من يشتري العفونة من تابوت قيصر
من يشتري الحياة!!))
من قصيدة الخلاص/م.الموت واللغة
في فضاءات الاب يوسف سعيد تحليقات وتوهجات شعرية جامحة،متدفقة،متلألئة بعمق ديمومة السر الروحي والمبنى المادي،وانسيابية ذلك،وكل في  نسق،وتحول، واسرار،وتواصل وتفاعل تأملي عميق. انها منهل الروح في مسار التواصل تتشابك فيها عوالم غير محددة،توظيفات شعرية رحبة،تصورات نزيف اللاشعور في قصائد الديوان نلمس كيانية بمصداقيتها وحرارتها،بمعانيها وشحناتها،بمغادراتها ومقارباتها.
في كل الاحوال هناك نمطية نظامية تنساب فيها قصائده، تشع وتتفجرفيها اسئلة تتأتى من تناغمات متألفة وشبكية:
((الارض تحتضن في احشائها مهجة النور
تتلقى قطرات الندى والغيوث في صدر الجلد
ايتها الارض،
وجهك قطعة من شرائح مطر البركات
بذارك من برارة النجوم البعيدة
الارض تخبيء في أوداجها منازل الظلمة..))
هذا النص يقف على جدلية تودعك بالتفاتة الى دلالاتها، حيث مبدأ الوحدة العضوية طبقاً لتناغمية الارادة التي اليها المرد.
((الارض تحضن في احشائها مهجة النور او (الارض
تخبئ في أوداجها منازل الظلمة)
ولهذا فالاب يلم بهذا المسار،وبعفوية،وايمانية تعمق الصورة،وتجعله نواة لا مداراً.
في قصيدة التراب نجد القدرة البارعة على استيعاب الدفعات الشعورية المتعددة الدلالات والمعاني،وفق مرونة تشيع فيها الظاهرة الفنية التي تندرج في اتونها
كامل المخيلة،والهواجس،والتلهف. ان تنامي أدوات الحكمة في أبدية السر،هو عنصر التفريغ الذي يشيع طابع اشباع النفس،وتجلياتها بطريقة فنية تؤشر ترابطاً متجانساً متعمقاً في اطار وعي وباطن الشاعر،ولهذا نجد المنحى الفلسفي:
((تراب يعانق البحر
ويلوح لبيارق قوافل سفنه وبواخره
يحرر أعصابنا من شوكة الجسد))
وسياق الحكمة الازلية:
((تراب أنجب أباه ونظم تاريخ عشائره
تراب في قصور الملوك
يستريح منجل الحصاد على تراب القمح)).
ثم الوحدة الأساسية لكنه عملية الخلق والوعي واضاءاتها المرتبطة برؤية،وافق،وعمق الاختيار:
((تحسس حده التراب
وسادته من تراب
لحافة من تراب
عظامه من تراب)).
وتأتي رائعته المفتوحة في أسفار اللاهوت،ومحطاته الرسالية عبر خطابات وأمكنة،  وعبر تناغمات وامتدادات في مسارات روحية رحبة،بتجليات ومناشدات، لتشكل ديوانه الثاني في سلسلة إصداراته الشعرية. فمن صفاء اليقين،ويقين الصفاء،وعبر صوفية مسيحية وينابيع لاهوتية،تكون مقاربات الأمكنة والرموز أسفاراً متواصلة في مسالك المحبة،تبقي على الحقائق في تحليقات عميقة طليقة في سموها الروحي:                 
((سيأتي في ساعة بلا ظنون))
وكذلك
((سيأتي صاحب الزمان في اللحظة البكر
في هبوب النسيم على الرعشة الجفون)).
في هذه القصيدة- الديوان، تتكشف الصور، وتتداخل، وتتعدد الأبعاد، وقدوم الرمز (صاحب الزمان)معطى إيماني حوله الشاعر إلى عناصر وهاجة شعرية،أكسبت تجربته أبعادا اتسمت بالخصوصية،وكانت لها هوية:
((سيأتي صاحب الزمان في اللحظة البكر))
في هبوب النسيم على رعشة الجفون.
سيأتي بعد أن يستنزف من أصابعه الخمسة رعشة الأشواق
سيقول لهذه الجحافل المنتظرة،
عمموا هاماتكم بألوان من قوس قزح،
وادخلوا في سجف السنين ثانية
لينام الوقت محنطاً في أوداجكم الوردية)).

(3)
في قصائد الأب الشاعر انسيابية،وعفوية تشير إلى دفقات سوريالية الملامح،تسقطها احلامه،ورؤياه،  في خضم موجات الوجود والحكمة. إن الانفعالات،التراتيل،الطبيعة والغناء،الوجود والفضاءات الرحبة،تنبع من أحاسيسه لتنساب في شعره بأبهى رحلة تغرق في الأمكنة والأزمنة بمقارباتها وتواصلاتها . هذه النصوص من مجاميعه رحلة في أسفار اليقين.                                                                   
1-الموت واللغة/من ديوان (الموت واللغة)
في سطح لساني عرق أخطر
ينز على بوابة مخي
لغة الإشارة والضحك والنحيب والرموز
أكنت ذات يوم إلها؟قذى؟صخرة؟!
بلى كنت تراباً
أدثر رأسي بالموت واللغة
ننشد في هيكل الكلس
تتمطى اللغة في مركبات القواميس
الشفرة الغامضة غامضة!.. 
2-استسلام/من ديوان (الموت واللغة)
سيبح الموت ُ أصابعي
انفصلت الروح عن الصدأ
من يلمس الموت؟…
حكمتي أن أرقد، أنام، أنسى القيامة الميلاد
أبيع في سوق النخاسة ذاكري وصداي وقميصي.
عشيرتي تبكي
هل في أفريقيا فردوس؟!!..
3- من قصيدة(ويأتي صاحب الزمان)
سيأتي صاحب الزمان في اللحظة البكر
في هبوب النسيم على رعشة الجفون
سيأتي بعد أن يستنزف من أصابعه الخمسة رعشة الأشواق
سيقول لهذه الجحافل المنتظرة
عمموا هاماتكم بألوان من قوس قزح
وادخلوا في سجف السنين ثانية
لينام الوقت محنطاً في أوداجكم الوردية..
ويبقى البحر ثانية.وقد كُبلت أمواجه الدهرية لأيام وسنين،
وعندما يتحول الإنسان في كل مكان إلى رقيم مطلسم
يأتي صاحب الزمان على حافة الحفر البابلية..
عادة في الصباح الوليد يقرأ قصائده
وفي المساء يوقع على قيثارته
ذات الأوتار العشرة مزاميره الرقيقة..
ويأتي ثانية صاحب الزمان وتبقى الحياة مجففة
داخل محارة الأسرار.
4 – من قصيدة الارض/ديوان فضاءات الاب يوسف سعيد
الارض تحمل بين طياتها السفلية رعشة أبدية
زمهرير يمتص من أحشائها النمو
تفتح أبواب مصاريع الأبدية
تعبر مواكبها نحو ذخائر الظلمة
آخر ملحقات شرائح الحديد
وتراب الفضة والقصدير..
الارض تزين صدرها بأثداء ملونة من هضاب
تتفلى جدائلها رائحة شمس شرقية
ناطقة بلغات مسيرات الغيوم والسحب الصيفية
أسابيعها بيضاء من نصاعة شمس
تداعب اجفان يشوع بن نون
الارض تحتضن في أحشائها مهجة النور
تتلقى قطرات الندى والغيوث من صدر الجلد
أيتها الارض،
وجهك قطعة من شرائح مطر البركات
بذارك من برارة النجوم البعيدة…
البهلول الحديث
على يدي أقحوانة صغيرة
وفي رسغيّ
نماذج لأعصاب حديثة.
* * *
ذاكرة الأب…
وأنسى غابة الأرقام، وأنسى
حتى مواء القطط
صامتاً مثل سطر الكتابة
ولا أعرف: متى وُلِدَ أحفاد السلاطين الأُوَل.
* * *
جهاز جديد
هرولت كمجوسي يحمل النّار للهيكل
جائعاً مثل مدخنة قديمة
تتنفس وتشهق غيوماً جديدة.
* * *
طفل البراءة في قفة بلّلها الندى
الأبيضُ،
تأتي قوافل الله بعد السّاعة العاشرة.
بياض الأنثى
امرأة تحوم هناك،
على جبينها حروف لتعويذة،
رأيتها تهمس في أذنيّ: والموت شهوة رابحة.
* * *
وللصخور قولها
هل الحجارة تنطق ـ
لكنني أعرف، كيف تردم، تصوّتُ
بخشونة فوق عظام
الشهيد.
* * *
وانشطر الأصل
أطفر كخفش الأيائل في جزء من
وجهك السرمدي،
أتوقف، أراقب مواكب الآزال والآباد
أحتسي من خرير السواقي الخالدة.
* * *

منارة العشب
عندئذٍ، تتجمد ترتيلة رددها رجالُ
قافلةٍ مضطهدة،
وأبقى أنا كقطعةٍ من جسدٍ معلقة
على باب نحاسي.

شاهد أيضاً

دروب الليل تحاكي الأزمنة
قراءة في ديوان “تجليات عين الشمس” للشاعر عبد الزهرة لازم شباري
بقلم: توفيق الشيخ حسين

يمشي في دروب الشعر عبر محطات أبت أن لا تفيق , ويعيش الآهات التي تمضي …

قراءة تحليلية بقلم الشاعرة “مرشدة جاويش”
وحشةُ الدفاتر.. محطاتٌ بلا لافتة – كريم عبدالله

في وحشة الدفاتر رمزية تجاهر بما تيسر من محاورها وأركان تمددها على مدار العمر وهي …

قراءة في مجموعة “طربوش جدي” القصصية للقاص ماهر منزلجي
القصة القصيرة وأدواء المجتمع
عامر هشام الصفّار

عن دار الحوار في لاذقية سوريا وفي عام 2017 صدرت الطبعة الأولى للمجموعة القصصية “طربوش …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *