الرئيسية » نقد » سينما » جوكر، الشعار الراديكالي لمجتمعاتنا المريضة *
ترجمة : سعيد بوخليط

جوكر، الشعار الراديكالي لمجتمعاتنا المريضة *
ترجمة : سعيد بوخليط

جوكر، الشعار الراديكالي لمجتمعاتنا المريضة *
ترجمة : سعيد بوخليط

تقديم : تستحضر هذه المقالة المشتركة بين سيرج هيفيز طبيب الأمراض النفسية والعقلية وسيباستيان بوسوا الباحث المختص في العلوم السياسية،قضية التفكير في رمزية المهرِّج الشرير، مثلما عرضه الفيلم الأخير للمخرج تود فيليبس، ويتوخيان فهم دور هذه الشخصية ذات الدلالة بخصوص تطورات انحراف شباب يعيش على هامش مجتمع أضحى عنيفا بسخاء.
الفيلم الرمزي ”جوكر” لصاحبه تود فيليبس، المحتفى به حاليا بشكل واسع داخل القاعات السينمائية، مثيرا جملة انتقادات متحمسة،واصفة إياه تارة بكونه تحفة وتارة أخرى بالفيلم الخطير ذي الخلفيات الفاشية.
تطرقت مقالات عديدة إلى قيمة الفيلم، ثم مستوى الاقتباس السينمائي وكذا الدور المبهر للممثل خواكين فينيكس. لكن فقط الأقلية من حاولت استيعاب هذه الشخصية، وجل ما عاشته قبل الوصول إلى هنا، ثم حمولتها الدالة فيما يتعلق بسيرورة انزلاق شباب يعيش على هامش مجتمع صار عنيفا جدا.واقع يقدم دليلا واضحا على أن الدودة استوطنت سلفا الفاكهة وبأن أيديولوجية قوية وكذا نعرات تتغذى على التمييز يمكنها إفساح المجال للأسوأ بالنسبة لفرد معزول، يكابد التهميش، الاقصاء، السخرية، ويُصفع نتيجة اختلافه.لذلك يبقى رهان مجتمعاتنا حاسما وقد أضرت بقيم الرحمة والتعاطف،إذا أردنا عدم رؤية ولادة مآت النسخ الشبيهة بشخصية ”الجوكر”، مثلما قال الأب بيير :”تقاس حضارة بنوعية موضوعات الغضب التي تقترحها على شبابها”.
في الواقع، سيناريو الفيلم، المستلهمة تفاصيله من سنوات فتوة العدو الكبير باتمان، سيحاول من خلاله أرثر فليك (المهرِّج)،تعقب المسار الذي قاده صوب تبني التطرف والعنف الدموي.
أرثر طفل بالتبني لأمِّ مصابة بالذُّهان، كانت الحياة بالنسبة إليه تسكعا، عانى الخداع والعنف وسوء المعاملة والإهانة. افتقد كل شيء، ويبدو أن الجميع يذكره بكونه يختلس انشراحا ماكرا. مهرّج بالرغم منه ليكسب فقط قوت يومه، فلم يبادر أبدا نحو خلق البسمة بناء على مبررات وجيهة. ذات يوم، أرغمته أقصى درجة الإذلال على العنف المتطرف حينما قتل دخل قطار ميترو ثلاثة شبان يعملون في القطاع المالي. هل يعكس سلوك من هذا القبيل رفضا وكراهية للناجحين ؟ليس الأمر كذلك، بل الشباب الثلاثة، من كانوا في حالة سكر طافحة، فبادروا إلى مهاجمته حين محاولته نجدة فتاة شابة ضايقها هؤلاء الشباب.ثم انتهي الأمر باستقرار رصاصة بين ثنايا جمجمة كل واحد منهم. هكذا تسارعت الأحداث: المهرّج وقد تجاوزه سلوكه الخاص، أضحى موضوع تمجيد من طرف آلاف المتظاهرين الثائرين، يستعرضون بدورهم قناع المهرّج، فوضعوا مدينة غوثام على صفيح من النار والدم.هكذا شكلت حالة الذّهان التي يعانيها أرثر تلك الشرارة التي أشعلت جنونا جماعيا اجتاح المدينة بأكملها.

توخى أرثر، النموذج الأصلي لمكابدة احتقار الآخرين، الثأر من الجميع ضد الجميع وسط مجتمع جائر، مرتكبا فعلا تأسيسيا أدى إلى شَرْعنة تمرد مدينة بأكملها.هل أمكن لمساره ومعاناته توجيهه قَبْليا صوب هذا الجنون؟ يتدرج بنا الحكي ضمن هذا النطاق جهة الكشف عن إفقار الخدمات العمومية للطب النفسي والعقلي في المستشفيات.واقعنا اليوم يتجاوز الخيال: لاحظ أرثر بأن مركز علاجه مغلق، وبالتالي توقف استفادته من وصفات علاجية، فكم ينبغي لمجتمعنا أن ينفق على مرفق عمومي يخدم احتياجات طب الأمراض النفسية والعقلية الذي بوسعه تحمل أعباء متطلبات آلاف المصابين ب ”اختلالات عقلية” ثم يحرمون إلى أقصى حد من هذه الامكانيات؟
يلزم الاهتمام بعلاج المرضى المصابين بالذُّهان، والهذيان أو الشيزوفرنيا، وعدم تركهم منفردين إلى ذواتهم، هكذا يتضاءل كثيرا مستوى خطرهم.فبينما تمثل الشخصيات المنعزلة والمنزوية جماعة الضحايا الأوائل لمجتمع يعاملهم بقسوة،ثم يوشكون بأن يسقطوا على الآخرين ذات العنف الذي تعرضوا له سابقا. إنها شخصية الدرجة صفر، كما أوضح المحلل النفسي فتحي بن سلامة.
أصبح أرثر المهرِّج، شيئا فشيئا، بعد كل فظاعة يرتكبها، والإشادة بذلك، شخصية بطولية يتطلع بشدة كي يحظى ب : الاحترام والهيبة والاعتراف.استُضِيف إلى استوديو واحد من أكبر البرامج الأثيرية في مدينة غوثام، فسطع بريق نجمه.هكذا انزاح الاذلال وأضحى ماضيا، وها هو الآن أرثر شخصا مرعبا جراء ما يضمره من الثقة واللاتوقع.غاية قتله مقدم البرنامج اللامع لحظة البث المباشر متهما إياه مرة أخرى بأنه استهدف أساسا السخرية منه بين طيات دعوته حضور البرنامج.
إضافة إلى كون هذا النوع من الحكايات، يحيلنا على نموذج كوميدي صدر سنوات الأربعينات ولازال يحافظ بكيفية قوية على راهنيته، يلقي بنا الفيلم وسط مجتمعات مستقبلية قياسا لحقبة تعرف اندلاع العنف وتزايد ظواهر الحرب الأهلية كما يحدث حاليا.
بوسعنا أن نؤاخذ على الفيلم، نزوعه التحريضي. هكذا، أمكننا ملاحظة تجلي أشكال الابتهاج نحو هذا العنف عند جمهور الشباب. بل وجملة من التصفيقات الداعمة لحضور جوكير.ربما ارتبط هذا بوجهة النظر المتبناة انطلاقا من زاوية إخراج الفيلم: تلك المتعلقة بشرعية عنف البطل المدمر، مع أنه شخص يهذي ومهلوس، تعيس حطمته الحياة فصار شخصا شريرا انتهى منتصرا. سياق يعتبر بالأحرى نادرا في هوليود.
أبعد من بطل الحكاية الأسطورية، ارتقى أرثر إلى نموذج بالنسبة لساكنة مدينة غوثام المنخرطة في حرب. قَتْل الرأسماليين، وكذا شخصيات الاعلام المتهمة بكونها تقف ضدهم:صارت ظاهرة كونية، تلك المتعلقة بمناهضة قوى الجماهير، للنخبة، وأيضا الأغنياء والمالكين.
داخل مجتمع رأسمالي حتى النخاع، وفردي، وعنصري، وظالم، سينتقل جوكر الساذج البئيس، من مهرِّج حزين إلى آخر ملهم: وبقدر ما سيقتل، يتحقق انتقامه، وتختفي ضحكته المخيفة غير القابلة للضبط. ثم كلما زادت ثقته، يكون موحيا.
الجنون الذي تكشف عنه شخصية جوكر، يخاطب بإسهاب شبابنا الذي يفتقد داخل مجتمعاتنا العدوانية و الظالمة ، إلى الوسائل والأدوات التي توفر له إمكانية بلوغه التكامل الهوياتي والاعتراف الاجتماعي، سوى بالتطرف العنيف.هكذا نكتشف ذواتنا أبعد من تيمات الجهاديين، و اليمين واليسار المتطرفين وكذا” الذات الارهابية”. بل نعاين هنا انقلابا حضاريا، إذا تواصل معه تكرُّس لبنات اللامساواة، سيتضاعف أمثال جوكر بلا رحمة، على شاكلة فيروس يصعب التحكم في انتشاره.
*مرجع المقالة :
L’ obs :24 octobre 2019.
http://saidboukhlet.com

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *