الرئيسية » نقد » ادب » – مؤيد داود البصام: رؤية في كتاب الإحزان.. ( أحببت إرهابيا ً ) لريتا خان. (2/1)

– مؤيد داود البصام: رؤية في كتاب الإحزان.. ( أحببت إرهابيا ً ) لريتا خان. (2/1)

رؤية في كتاب الإحزان..
( أحببت إرهابيا ً ).. لريتا خان.
– مؤيد داود البصام
لم تجنس الكاتبة ريتا خان كتابها. ولكن مثل هذا النوع من القص يصنف، قصة طويلة أكثر منه رواية، أنها تسرد قصة تتحدث عما حدث في مدينة الموصل بعد أن سيطر تنظيم داعش ما يسمى (الدولة الإسلامية)، على المدينة وإطرافها، ونسمع القصة من قبل صوتين البطلة مريم ويشاركها قيس الذي ترتبط معه بعلاقة حب، وكلاهما يسكن في احد إطراف مدينة الموصل، في قصبة تصفها ” تقع بلدتنا على الجبهة الشرقية من مدينة الموصل شمال العراق، هي مركز قضاء الحمدانية، احد الأقضية الخمس لمحافظة نينوى.” وتسمى قره قوش، (الطائر الأسود) كما سماها العثمانيون، وعادة ما تكون هذه المدن أكثر تحررا في العلاقات، وأكثر حميمية بين بعضهم البعض، وحتى في العلاقات العائلية، وقيس مشروع فنان تشكيلي، طالب في كلية الفنون الجميلة في جامعة الموصل، وهي طالبة حقوق، يقتل أخاها من قبل المتشددين الذين يدعون ممثلين للإسلام، ويقتل أخو قيس على أيدي المتطرفين الطائفيين ممن يدعون الإسلام أيضا ً، الذين يريدون فرض رأيهم وعقائدهم بالقوة، وكلا القتيلان برئ وليس له أي نشاط سياسي، أو حراك عرقي أو طائفي. وتترسخ علاقة الحب بين الطرفين لحين احتلال الموصل وقصباتها من قبل ( داعش ) لتكتشف مريم إن حبيبها، مسئول مجموعة في هذه الجماعة، وهو يقود المجموعة التي تعتقل المسيحيين في البلدة، ومن خلال هذه الأثيمة البسيطة والمتكررة في علاقة الحب بين طرفين يعتنقان دينين مختلفين، استطاعت الكاتبة ريتا من تقديم قصة ببناء متماسك، ورؤية واقعية تجوس قلب الحدث، دون إن تتخلى عن جمالية السرد، استخدمت التضمين، والعودة للماضي لربطه بالحاضر، وتعدد الأصوات للسارد بتناوب السرد بينها وبين قيس، والحكاية تبدأ من لحظة دخول داعش مدينتهم واحتلالها حتى خروجهم ألقسري من المدينة خلال 24 ساعة، استخدمت فيها الاسترجاع للحوادث والتذكر، والتضمين، وبهذا استطاعت إن تضعنا في قلب الحدث مع التشويق وملاحقة الحدث، فقد كانت متمكنة من قدرتها السردية للسيطرة على المتن الحكائي، وبناء حبكة، لا تتخلخل بفعل الأفعال المباشرة للمتن، فمثل هذه القصص، كثيرا ما تقع بالمباشرة والخضوع للادلجة، لكنها هنا لم تتحول عن موضوعيتها، وقد ساعدها أنها اختارت الشخصية الرئيسية المقابلة ( قيس )، شخصية تتوفر فيه عدة محمولات مناقضة لما اختار إن يكون، وبهذا وضحت حقيقة نجاح داعش في كسب الكثير ممن لا يؤمنون بها، ولكنهم أنظموا لها لأسباب شخصية، بعد أن يأسوا من الحل الاجتماعي وحل السلطة، وهذه المفارقة الغريبة قلما حدثت في شعوب أخرى إلا نادرا ً، إن ينتمي أشخاص لتنفيذ مهام تتعارض مع أفكارهم، من اجل الانتقام، أو تحصيل حقوقهم، فقيس يتخلى عن عالمه الرسم والبحث عن الجمال، ليأخذ بثأر أخيه الذي قتلته الهمجية الطائفية، ويمتهن القتل والإرهاب للحصول على ما لم يستطع الحصول عليه من مجتمع تشقق وفتت لحمته الاجتماعية، ومريم التي أحبت شخص مسلم تتخلى عنه في فترة مقتل أخاها، لان القتلة من دين حبيبها، وبهذا وضعتنا ريتا في مفارقة لتكشف عمق المأساة التي يعيشها العراقيون بعد احتلال بلدهم، على أيدي أمريكا التي قالت لهم سابني لكم دولة تكون محطة أنظار دول المنطقة، تجربة سيحتذي بها الجميع،( فيها تسود الديمقراطية، والمساواة، والحرية ) ولكن الذي حدث أنها فعلا تجربة أصبحت محط أنظار الجميع في عمق مأساة ما حل بالشعب العراقي، ولكن ريتا تنحاز في النهاية لتجعل الحب هو الذي ينتصر على الرغم من البعد المأساوي الذي حملته المفارقة في علاقة الحبيبين، والتي تمثل مجمل معاناة العراقيين الذين يرفضون الطائفية والعرقية، ولكن القوى التي تريد تهديم العراق تفرض هذا الواقع بقوة السلاح من خلال داعش وتجار الطوائف، كانت كثيفة في جملها عميقة في طرحها، سهلة في لغتها، تتحرك بحرية بين الإحداث، وتشخص بموضوعية الإحداث، متمكنة من كشف دوافع ابطالها، وجاست في نفسياتهم، وأبعادهم الشخصية، وتركت لنا بصمة أن نفهم ما يدور في العراق، بعيدا عن الاعلام الذي هو مع مأساة الشعب العراقي او الذي ضده.. في محاولة لإنتاج رؤية حقيقية لما حدث في مدينة عرفت بتحضر أهلها وسيادة اللحمة والتعاطف بينهم، وحب السكينة والهدوء وتنمية التطور في داخل المدينة او على الصعيد العام، تعيد لنا ريتا في قصتها حكاية مدينة أكثر من حكاية عاشقين. في خضم الاحداث المهلكة..

الإهداء
أُهدي هذا الكتاب إلى نفسٍ تائهةٍ في الفضاء، تعبت من جولاتها المتكررة دون الوصول يوماً إلى وجهتها.
مرافئ كثيرة استضافتها ومحطات سفر عديدة شهدت على كآبتها.
هذه القصّة بعهدتها علّ ما تبقى من هذه النفس يعيش بسلام.

الفصل الأول

التاريخ: ليلة الخميس الواقع في السابع من أغسطس عام ألفين وأربعة عشر(7/8/2014)
إنّها الساعة الثانية فجراً، دقات عقارب الساعة الخشبيّة الكبيرة المعلّقة على الحائط لا تترككَ تائهاً عن الوقت، تجبركَ على عدّ الثواني المتبقيّة، متمنيّاً إن تتوقّف عقاربها عن الدوران لتلتقط بعض الأنفاس المكبوتة.
على المنضدة الكبيرة، مذياعٌ صغيرٌ أرجوانيُّ اللون، نصف معطّلٍ يُصدر حشة يزيد من التوتر أضعافاً، نحاول بيأسٍ استقاء بعض الكلمات إلغير مفهومة.
وما الحاجة للمذياع أساساً، ما دام المجهول معلوماً؟
هناك في تلك الزاوية، يسترعي انتباهك أنينُ كرسيّ بنيّ تفتّت حافر إحدى رجليه الخشبيّتين، فبان عرجه رغم ضخامته.
الطقس في الأوقات الصيفية يكون بالعادة دافئاً، لكنّ نسماتٍ باردة تتخلل هذه الليالي، يبدو أن رياحاً غير مألوفة ستصل قريباً، فحفيف الستائر الورديّة المتناسقة مع الأثاث البنّي الداكن ليس وهميّاً، وصرير الباب الذي يعلو ويخفت يُنذر بالكثير.
أما عن ذلك الصنبور الذي لا يكلّ عن إسماعنا سيمفونيته المائية، فحدّث ولا حرج، وكأنه يحتفل بتأبين آخر قطراته.
وسط هذا الظلام الدامس، تجتمع كل تلك الأصوات لتشكّل عالما محسوساً عارماً بالأحاسيس، تخرج فيه أنفاسنا تارةً متسارعة على عجلةٍ من أمرها وطوراً متثاقلةً متباطئةً، حتى صمتنا المؤقت أصبح مسموعاً دون أن نتلفّظ بكلمة، عموماً نحن أمّةً اعتادت السكوت.
نحن؟
آه نعم، نحن نقبع في هذه الغرفة منذ ثلاثة أيام. هذه الغرفة المتصدّعة الأركان، سقفها تشقّق من كثرة الدعوات، وأرضيّتها اهترأت جرّاء سير الخائفين ذهاباً وإياباً.
“خائفون”؟
عذراً، “لا مكان للخوف في قلوبنا”، كما يقول ذلك الرجل الستيني الواقف أمامي، رغم حركة رجله الظاهرة وقطرات العرق التي تغطّي جبينه مع طرفة عين فجائية كل حين، تُظهر عكس ذلك.
المرأة الجالسة بجانبي، لا تقوى على إنكار قلقها أو حتى إخفاءه خلف ملامح باردة أو صمت كاذب، تحمل بين يديها مسبحةً فضيّةً، تقرأ الأدعية بهمسٍ وترجّي، مردّدةً: “ارحمنا يا الله”.

على الجانب الآخر، تجلس الفتاة الصغيرة وقد تقوقعت على نفسها مغمّضة العينين مخبّئةً رأسها بين أضلعي، تاركةً العنان لدموعٍ حارّة تنساب على أكمام قميصي.
أحاول بدوري تخفيف اضطرابها الذي لا يقلّ عن اضطرابي، بتربيته على كتفها فربّما تهدئها مع قبلةٍ على الرأس بين الحين والآخر تبعث الحرارة في جسدها المرتعش.
الليلة الماضية، كانت الاشتباكات على أشدّها، سقطت حوالي ثلاث قذائف هاو قرب بلدتنا، سقط ضحيّتها – كما سمعنا – قتيلان وأصيب عددٌ من الجرحى مما اضطر الكثيرون للهروب.
لمَ لا نحذو حذوهم؟ هذا كان اختيار والدي، رفض أن يتماها مع مَن رحلوا، وقرّر التمسّك بأرضه حتى النهاية، ولكن هل تنفع المُكابرة في مثل هذه المواقف؟
طبعاً، إنها رجولةً كبيرة ولكن كم تحمل في طيّاتها كذلك من الأنانية؟ أوليس الذين سارعوا في الفرار والنجاة بأطفالهم يُعدّون أبطالاً أيضاً؟
كل هذا يبقى افتراضيات وتساؤلاتٍ عبثيّة حتى تحين اللحظة الحاسمة، حين ينتهي انتظارنا للموت البطيء ونسمع الخطوات الضخمة التي تهزّ الأرض آتية، ونشتمّ رائحة الوحشيّة المقنّعة بالفضيلة تقترب، متنشّقة الأوكسجين القليل المتبقي في هذه الغرفة.
كل ركن في هذا المنزل يرجوني عدم الرحيل.
بعيداً عن البطولات المزعومة، أسبابي للبقاء عاطفيّة بحتة، فهنا اختبرتُ المشاعر والانفعالات، لعبت، كبرت، ضُرِبت وأحببت!
أسرار كثيرة أخفيتها بين ثغرات هذه الجدران التي تفيّأتُ بظلّها حين بكيت.
أتعلّق بهذا المكان خوفاً من فقدان ذكرياتي، الذكريات التي تصنع هويّتنا وتبني شخصيّتنا، والمُحزنة منها خاصةً، أصرّ على عدم تجاهلها ليبقى ألمها مطبوعاً في شخصي.
فأوجاعنا كثيراً ما تميّزنا.
عدتُ إلى الواقع بعد هذا الجدل الفلسفي الذي دار في رأسي، أبي عاد ليتنفّس بصعوبةٍ بالغة نظراً لمعاناته مع مرض الربو، صمت مطبق على الصالة، أمّي تعبت وفضّلت الاعتكاف عن الدعاء حتى إشعارٍ آخر.
كانت حالتنا الجماعية عبارة عن تحديقٍ في الفراغ، تركيزٍ حاد في نقاطٍ غير مرئيّة، كلّ منّا كان يرى أشياءً وأحداثاً مختلفة.
مَن يستشرف المستقبل متنبّئاً بما سيجري، ومَن يستذكر الماضي الجميل ليشعر بالأمان ولو لهنينة، هرباً من إحساسه الحالي المخيف.
الخطر قادم لا محالة خاصة بعد الانسحاب المفاجئ الذي حصل الليلة للقوات الحكومية والبيشمركة (جيش إقليم شمال العراق كردستان) من مناطقنا، فور اقتراب العدوّ.
دخلت هذه القوى الإجراميّة الموصل العراقية في العاشر من شهر يونيو عام 2014، وهجّرت غالبية السكّان، فاتحةً سجن “بادوش” على أطراف المدينة، مُطلقة سراح آلاف السجناء بينهم محكومون بالإعدام بتهم خطيرة، لتصل هذه المجموعات إلى بلداتنا وتجرّدنا من وطنيّتنا وتنزع عنّا عباءتنا العراقية، فالأقليّات في كل مكان تكون الضحية مع كل تقسيمٍ يحصل.
الصفقة كانت إمّا المغادرة، دفع مبالغ مالية تسمّى الجزية أو الالتحاق بمذهبهم كشرطٍ للبقاء، أو الخضوع لحدّ السيف.
فرّ الكثيرون مذعورين سيراً على الأقدام، ويلغ عددهم في سهل نينوى الواقع بين الموصل وإقليم كردستان حوالي مائة وخمسين ألف مسيحيّ، متوجّهين إلى عنكاوا في أربيل الكرديّة.
عددٌ كبير من المناطق المحيطة بنا سقط: كرملين – برطلة – تلكيف، لتبدأ رحلة التيه التاريخيّة، وسط شجب واستنكار دوليّين لهذه الكارثة الحقيقية.
اقترب أبي وقد تكاثرت حبيبات العرق على وجهه، وازداد لمعانها، أحاط كتفَي أمي بيده اليسرى وهي ألقت برأسها على صدره حيث تتسارع دقّات قلبه بجنون.
يبدو أن العدوّ قد دنا، فعلاً، ها هي التكبيرات تعلو من بعض المساجد الموجودة هنا، “الله اكبر، الله اكبر”.
كيف ينادون بإسم الله وهم أول مَن شرّع تفجير الجوامع وعلى رأسهم مسجد النبيّ يونس(ع) في الموصل؟
منذ أيامٍ فقط تمّت السيطرة على دير ماربهنام وسارة من قبل المسلّحين، هذا المركز الدّيني الذي يؤمه المسيحيّون والمسلمون على حدٍّ سواء في البلدة.
إلى أي إلهٍ ينتمي هؤلاء؟
من المؤكد أنهم من أتباع الشيطان ولا يمتّون لأيّ دين بصلة، فمَن خلت قلوبهم من الرحمة، ليسوا بوَرعين ولا مؤمنين.
إنّ مدينة أجدادي تُحتلُّ حالياً.
صراخٌ في بيتٍ ما بجوارنا، أعلن عن نقطة انطلاق العدّ العكسي، عن نفاذ الزيت في القنديل.
تململتُ وأردتُ اكتشاف ما يحدث، غير أنّ يديّ أختي تعلّقتا بعنقي وأجلستاني.
حضنتها بقوّة وهمستُ لها بآيةٍ من إنجيل يوحنا:”أنا هو القيامة، والحياة، مَن آمن بي ولو ماتَ فسيحيى”، ردّت بصوتٍ خافت وأسنانها تصطك “آمين”.
بدأنا نشعر بأقدامهم تنهب الأرض، خطواتهم الثقيلة تدوّي وأصوات حناجرهم الغاضبة تصدح عالياً.
سرَت في جسمي قشعريرة أربكتني، تطلّعتُ إلى والدي وتمكّنتُ من رؤية شفته العليا ترتجف قليلاً بشكلٍ لا إرادي، وعينيه مثبتتين على أرضية الغرفة.
أغمضت عينيّ، وإذ بالباب يُدفع بركلةٍ قويّة ويُفتح على مصراعيه، علا صوت أختي مرتعداً. كل شيء جرى بسرعةٍ، خلال لحظات، تم اجتثاثي من بين أحضان عائلتي، لم أستطع أن أميّز كم رجل اقتحم منزلنا بسبب الظلام المدلهمّ، ولكن حسب تقديري كانوا أربعة، سحبني أحدهم من يدي بقسوةٍ إلى الخارج متعثرةً في خطواتي، إطباقه الشديد على يدي أثار الغثيان في نفسي، عجزتُ عن اكتشاف ملامح وجهه، فأشحتُ بنظري مستسلمةً لتتراءى لي في الباحة خيالاتٍ متحرّكة مشغولة بتعليق راياتٍ كبيرة.
دفعي بهذا الشكل غير الإنساني، أعادني إلى عصورٍ غابرة كانت تُهان فيها المرأة وتُعامَل كالجارية، وها هو التاريخ يُعيد نفسه، اقتدنا كالأغنام حتى وصلنا إلى منزل جارنا العمّ نوح بن يعقوب، الذي غادر مع عائلته منذ يومين.
دخلنا مدفوعين بأعقاب البنادق، وقعتُ على الأرض فدبدبت متحسّسةً طريقي، حتى تكوّمتُ في زاويةٍ ملصقةً ظهري بالحائط خلفي.
كانت قد أضيئت شمعة يتيمة هزيلة تبعث في المكان بعض النور، كانوا حوالي عشرة أشخاص بلحًى كثة، ملابس واسعة لم أستطع التمييز أن كانت سوداء أم ذات ألوانٍ داكنة.
منهم مَن هو فارع الطول وقصير القامة. جميع تحرّكات أجسادهم تحمل غضباً، حقداً، وإرهاباً.
ههه، على الأقل، ليسوا برؤوس ديناصوراتٍ كما تخيّلتهم.
لقد جمعوا القلائل الذين بقوا في البلدة في هذا البيت، جلست أختي بجانب العمّة أنطوانيت التي فضّلت البقاء في الدار نظراً لمرضها بالضعف الشديد في عضلات مفاصل الرجلين.
بجانبها جارتنا غادة، الأربعينية وزوجها إسحاق وقد التصقا ببعضهما بشدّة.
أمي جلست بجانب أبي الذي لم ينطق بحرفٍ واحد، وفي الجهة المقابلة لي، كان هناك رجل في أواخر الخمسينيّات محتضناً أمه _ حسب ما يُظهر كبر سنّها.
كان صوت اصطكاك الأسنان وارتعاش الأبدان مخيّماً على الأجواء، وجلّ ما نسمعه من هؤلاء المتّشحين بالسواد هو همهمة غير مفهومة.
تقدّم رجلان إلى منتصف الغرفة، انتزع الرجل الأوّل إسحاق بشراسةٍ من بين يديّ زوجته الخائفة، أما الثاني فنهر أبي بصوتٍ حيوانيّ، ضارباً كتفه بقبضة يده: “انهض”. وقف منتصباً، تطلّع في عينيّ الرجل الطويل، وسار معه إلى غرفةٍ داخليّة، ثمّ جاء نفس الرجل وأخذ ذاك الذي يقبع بجوار والدته، وسط رجاءٍ منها وتوسّلاتٍ قوبلت بـ”اخرسي” عنيفة.
عزلوا الرجال ووضعوهم في حجرةٍ جانبية سوياً. آمل ألا يحصل لوالدي مكروه.
من المؤكّد أنّ أمي تبكي، رغم عدم تمكّني من رؤيتها بوضوح لكني أسمع تلك الغصّة المخنوقة.
خطر لي تغيير مكاني لاحتوائها، رحتُ أزحف على ركبتيّ بخفةٍ كي لا أثير انتباه أحد، ولكن ما إن دنوتُ حتى أدارني أحدهم مُجبراً إيّاي على الوقوف، حاملاً شمعة كبيرة مضاءة، انعكست نارها بادئ الأمر على وجهي بزخمٍ، فأغضضت بصري بسرعة، كنت بانتظار لكمةٍ ما، توبيخٍ، شتم…
ما من شيءٍ من هذا القبيل، وما زالت تلك اليد ممسكةً بي، نظرتُ للأعلى مدقّقةً بملامح هذا المارد، وقد غزا وجهه نور القبس.
إنه متجمّدٌ ويطالعني بتلك العينتين الفاحمتي السواد، عينان لوزيّتان مع رموشٍ كثيفة ونظرةٍ قاتلة ترسل خليطاً من السهام العاطفية .
لا، لا يمكن، هذه السهام أصابتني وأعرفها حق المعرفة، مستحيل أن يكون هو!!!

الفصل الثاني

أنا مريم جرجوسي، أنتمي إلى عائلةٍ بسيطة ودافئة جداً، لطالما كنّا نقطن في مدينة قره قوش. هنا نشأتُ، هنا ترعرعتُ وهنا حلمتُ لسنين.
هذه “القرية الكبيرة كالمدينة”، حسبما وصفها الأديب من الأصل الرومي ياقوت الحموي، تعود جذورها إلى العصور القديمة في بلاد ما بين النهرين، فكانت مدعاة فخرٍ لنا أن نُعدّ من سكّانها الأصليّين.
كثرت التسميات التي أُطلقت عليها على مرّ التاريخ. “بغديدو” كان اسمها الآشوري الذي يعود إلى “بيت خُدَيدا” كما لقّبها الفرس ويعني بيت الآلهة، حتى جاء العثمانيون وأسموها “قره قوش” أي الطائر الأسود، وحالياً تُعرف كذلك بـ”بغديدا”.
تقع بلدتنا على الجبهة الشرقية من مدينة الموصل شمال العراق، وهي مركز قضاء الحمدانية، أحد الأقضية الخمس لمحافظة نينوى.
نحن كـ”بغديديين”، ينحدر أغلبنا من العنصر الآرامي ويعتنق السريانية الكاثوليكية، فقره قوش هي العاصمة المسيحيّة لسهل نينوى.
هذا لا ينفي جماليّة وجود بعض العائلات المسلمة، والتي كثيراً ما تبادلنا وإيّاها الأخوّة والصداقة والحب أيضاً.
هذا هو مجتمع فتاة جُبلت بالعاطفة، تربّت على الطاعة التي تفرضها الديانة المسيحية المقدّسة، والتضحية التي تشكّل أساساً قاطعاً في حياتها.
أبي، سيمون جرجوسي، يملك دكّاناً صغيراً نعتاش منه، على عكس معظم الأهالي الذين يلجئون للزراعة، كون قره قوش مركزاً زراعياً قوياً.
دكان “سيمون جرجوسي وولده متى”، كما كتب على اللافتة المعدنية المعلقة فوق باب المحلّ، يحتضن طفولة شقيّة وساعاتٍ طوال من إجازاتي المدرسيّة، لقاء دريهماتٍ زهيدة.
أمي، مريانا الأسود، امرأة نشطة اعتادت التطريز والخياطة لكلّ البيوت التي تحيطنا، كانت تستمتع بهذا العمل من جهة، وتساعد أبي بتحصيل المدخول من جهةٍ أخرى ولو بشكلٍ ضئيل.
بسيطة هي، تجمع سعة الصدر وصدق المشاعر الخالصة.
أما أختي، سارة، فتصغرني بثلاث سنوات، عيناها واسعتان سوداوان مع ملامح بارزة، وشعر ليليٍّ طويل يصل حدّ خصرها النحيل.
كانت مثالاً للشخصية المتفائلة دائماً، تريد إسعاد نفسها مهما كانت الظروف من حولها.
ما يزال عودها طريّ، وما يحصل اليوم هو أوّل مواجهةٍ لها مع ما تخبّئه الحياة.
تلك الفتاة الصغيرة التي تأسرنا بدلالها وتجعلنا نرضخ لمشيئتها، أيقنت الآن أنّ حيلها البريئة لن تنفع.
طالبة حقوق في السنة الأولى، جلّ همّها أن تنهي سنين علمها المتبقيّة لتتزوّج وتكوّن أسرةً رائعة مؤلفة من أربعة أطفال سبق أن اختارت أسماءهم أيضاً.
أحلام كثيرة تبخّرت وكأنها لم تكن، سنوات من التأمّل والتخطيط ذهبت أدراج الرياح لتتركنا مرهقي التفكير، معتزلي التمنّي.
متّى، أخي الوحيد، درس في جامعة الموصل، كليّة العلوم – قسم علوم الحياة، شابٌ امتلكَ قلباً حنوناً وتسلّح بالإرادة الصلبة، أحاطني برعايةٍ دائماً أشعرتني بالأمان.
طيبته واحتواؤه لنا أجبرانا على مصادقته واللجوء إليه كلّما صادفتنا مشكلةٌ ما، هدوؤه كان محبّباً وباعثاً للسكينة في المنزل.
كانت علاقتي به تعتمد على الاحترام المتبادل والصراحة الكاملة، عدا سرّاً واحداً كان دوماً طيّ الكتمان، حرصتُ على دفنه في ثنايا مهجتي مخافة تأنيب متّى لي فيما ليس لي حكم عليه ولا أمر.
فشلتُ في محاولاتي المتكرّرة للبوح له عن أحاسيسٍ اقتحمت جسدي دون استئذان، ذبذباتٍ سرت في كياني، نشّطت الفؤاد وأحيت النبض السريع. فشلتُ في إخباره عن حبي الأول غير المُعلن.
يوم السبت الواقع في الثاني عشر من أبريل عام 2008، كان اللقاء الأول مع قيس، ليختصر كل إعجابٍ سبقه وكل فتنةٍ أتت بعده.
في ذلك اليوم، كانت قره قوش تقيم المهرجان الرياضي السنوي، الذي نظّمته مديرية قضاء الحمدانيّة للمشاركة بفعالياتٍ رياضية، تراثية وشعبيّة، تعكس حضارة العراق الحبيب وتبرز ألق ماضيه المجيد.
كنتُ وزميلتي في إعداديّة سارة للبنات في بغديدا سلفانا الخوري متحمّستان لاشتراكنا البسيط في رقصةٍ فلكلوريّة ستفتتح المهرجان، كما وأن أختي سارة تلميذة متوسطة الحمدانيّة للبنات حيث تعلّمتُ أيضاً، سجّلت أسمها لتنافس في بعض الأنشطة المُقامة.
سلفانا هي أول الفتيات التي تعرّفت عليها حال انتقالي إلى الإعدادية، فنظراً لتنقّلي بين عدد من المدارس طوال فترة تحصيلي العلمي، كانت صداقاتي قليلة ومحدودة بفترةٍ زمنيّةٍ معيّنة.
درست في البدء في روضة قره قوش الثانية، لأتنقّل في المرحلة الابتدائية بين مدرستَي الطاهرة والمعلّم للبنات. وها أنا الآن في السنة الإعدادية الأولى (seconde).
كانت الساحة بدأت تعجّ بالوافدين من شبابٍ رياضيين أتوا للمشاركة أو لتشجيع ذويهم، وكذلك أطفال اتّخذوا من هذا المهرجان فرصةً لمقابلة أقرانهم واللعب بحريّة، إضافة إلى عددٍ معروف من سكّان المنطقة يتواجدون في أنشطة البلدة المختلفة.
وفيما كنتُ وسلفانا واقفتين بانتظار الموجّهة حتى تدعونا للاستعداد، لمحتُ رفيقتي ليندا حنّا واقفة دون ونيسٍ، فدنوت لألقي عليها التحيّة وأعرّفها إلى سلفانا.
تبادلنا أطراف الحديث سويّة لخمس دقائق، حتّى حان وقت تجهيز أنفسنا، فوَعَدَت ليندا بمشاهدتنا لاحقاً.
استُهلَّ الاستعراض بالمسير وأداء القسم الرياضي، ثمّ اجتمعت اثنتا عشرة فتاة لأداء الرقصة، كل منّا ترتدي عباءةً مزركشةً بالألوان وتضع على كتفها جرّةً صغيرة.
رغم سهولة الحركات، إلاّ أنّ مواجهة الجمهور لم تكن بالأمر السهل، لكنه كان مروراً موفّقاً والحمد لله.
انتهينا من تغيير ثيابنا وعُدنا حيث كانت تقف ليندا، لنراها تثرثر مع شابّين طويلي القامة.
فور اقترابنا، تعرّفتُ على الشاب الحنطي اللون ذي الشعر الأشقر والعينين الغائرتين. إنه سمير شقيق ليندا، أما الآخر، فعشرينيّ عريض المنكبين، يرتدي بنطالاً أسوداً وقميصاً رمادياً، شعره كثيف وعينين ليليّتين مع فمٍ صغير يعلوه شاربان عريضان وتغطّي الذقن لحيةٌ خفيفة.
مدّ يده لمصافحتي قائلاً: “قيس الآغا، آنستي”، مبتسماً بسخريةٍ ممزوجة بالخجل. خشيتُ في تلك اللحظة أن تدفعني وسامته لارتكاب حماقةٍ لا تُحمد عقباها، فسلّمتُ سريعاً معرّفة بنفسي.
تحسّستُ يدي بعد ملامسته، فكانت ترتجف مترافقة مع ألمٍ حاد في المعدة.
غريب ذاك الشعور الذي خالجني، تركني أظهر كالبلهاء فاغرة الفم غير قادرة على النطق بجملةٍ مفيدة.
تبيّن أن سمير وقيس يدرسان الفنون التشكيلية (الرسم) معاً في جامعة الموصل – كليّة الفنون الجميلة، في السنة الثانية.
وبما أنّ المهرجان الرياضي سيُختتم بمعرضٍ للوحاتٍ عمل على رسمها طلاّب متخرّجون، تشجّع قيس للمجيء برفقة سمير خاصة أنّ المحاضرات لم تكن مهمة للغاية، مما مكنّهم من التغيّب.
قمنا بتتّبع غالبية الفعاليات وشجّعنا سارة التي لم تفز بأيّ لعبة.
اقتصر الحديث على الشابّين بين بعضهما البعض، عدا بضعة أسئلة طرحها عليّ قيس في فتراتٍ متباعدة.
-“مريم، كم عمرك؟”
فاجأني بسؤاله الذي وُلد من العدم دون تمهيد.
-“ست عشرة سنة، وأنت؟”
لمحتُ في عينيه ضحكة خفيّة.
-“واحد وعشرون سنة”.
استفسر بعدها عن مدرستي وحين أجبته، سألني عن فتاةٍ اسمها علياء الدليمي، ظننتُ في البداية أنها حبيبته لأدرك بعدها أنّها ابنة خالته فقط.
كانت نظراته آسرةً بكلّ ما للكلمة من معنى، من الجيّد أن متّى لم يستطع المجيء اليوم.
قرّرنا العودة إلى المنزل، فودّعنا الجميع. أمّا قيس فهمَّ بمصافحتي من جديد، فغرق كفّي الصغير في باطن يده، سحبتها بسرعة وتعلّقت بزند سارة متجّهتين نحو الدار.
أمضيتُ ليلتي وشخصه ماثل أمامي، ورائحة عطره تسرّبت إلى خلايا جلدي.
“لا أجمعي قواكِ يا فتاة، من الغباء إعطاء لقاءٍ عابر تلك الأهميّة الكبيرة، إنّه مجرّد انبهار بفتىً جذّاب وسيمضي”، ليمضي هو فيما بعد ويبقى هواه متربّعاً في أعماق روحي، آخذاً مكاناً أبدياً طامعاً باحتلال كياني كله.
انتشلتني من ذكرياتي قرصه خفيفة من غادة، هامسة:”ما بكِ كالصنم، لا تخافي، لقد خرج إلى الباحة، عودي إلى مكانكِ قبل أن يأتي”.
بالتأكيد لقد تعرّف إليّ، كيف لا وهو مَن لم يكلّ عن المحاولات الحثيثة لاستمالتي.
بعد لقائنا الأول، بدأت تتقرّب منّي ابنة خالته علياء، التي تسكن أيضاً في قره قوش، وتُعتبر عائلتها من ضمن العائلات المسلمة القليلة الموجودة في البلدة.
كانت في السنة الأخيرة، طبعاً رحّبتُ بصداقتها باعتبارها إنسانةٍ خلوقة وذات بادرةٍ حسنة.
ولكن بعد مرور بعض الوقت، تبيّن أن قيس طلب منها أن تكون وسيطاً بيننا ليتمكّن من الاقتراب منّي.
رفضت بشدّة حتى النقاش في الموضوع، وأعربتُ عن عدم اهتمامي بالأمر بتاتاً، لكنّ إصرار علياء جعلني أفكّر لا إرادياً بطلب قيس. وافقتُ على قراءة رسائله النصيّة المرسلة إلى هاتف علياء، ومن ثمّ بعد محايلةٍ استمرّت حوالي الشهر، قبلتُ أن أتلقّى اتصالاً منه.
كان صوته مزيجاً بين الرجولة المفرطة والعاطفة الرقيقة، مع بعض السخرية غير المقصودة، كلّمني بكلّ رزانةٍ وقال لي حرفياً: “منذ اللحظة الأولى شعرتُ تجاهك بشيءٍ سحريّ، لا أدري ما هو لكنّ تلك الرعشة التي اعترتني لم يسبق إن أحسست بها.
مريم، أعلم أنكِ فكّرت بي في تلك الليلة، عيناك صافيتان كمياهٍ نقيّة وسماءٍ دون غيوم، من السهل جداً معرفة ما تفكرين وتشعرين به.
أعلم ما تخشينه، ولكن في اللحظة التي نقف فيها أمام أنفسنا مستحضرين كل ما قمنا بفعله، سنستذكر كل الفرص التائهة التي ركلها قلقنا، طموحنا أو نرجسيتنا، ليأتي الندم محمّلاً بكل العَبرات”.
كنت خائفة جداً، حاولت التمسّك بقراراتي السابقة والحدود الوهميّة التي رسمتها أو خطّها لي مجتمعي من أهلٍ، أصدقاءٍ، ورجال دين.
لكنّ رغبتان كانتا تتصارعان داخلي، من ناحية، رغبة إعطاء هذه الكيمياء بيننا فرصة، ومن ناحيةٍ أخرى هلع من عواقب هذه المغامرة.
أصبحت اتصالاتنا يوميّة خلال الاستراحة بين الصفوف، إلى أن اقترح أن نلتقي.
تطلّبت منّي خطوةٌ كهذه شجاعة واندفاع كبيرَين.
بعد دوام المدرسة، قابلته بجانب منزل علياء، لم يطل اللقاء كثيراً – ربّما ربع ساعة فقط، كانت كفيلة بأن ترغمني على وضع كل التعاليم الدينية والقيم الاجتماعية جانباً، لأخسر آخر سبُلي الدفاعيّة وأتلذّذ بالرضوخ بعد طول عناءٍ واهن.
مقاومتي لم تكن متينة منذ اليوم الأول، جاذبية ذلك الأسمر نشّطت دقات قلبي وسارعت خفقاته.
تكرّرت هذه اللقاءات أسبوعياً تقريباً، قرب بيت علياء وبشكلٍ خاطف، لتغدو في مراحل متقدّمة في مكتبة الأوقاف التي تقع في مدينة الموصل قرب جامع النبي شيت، متذرّعة لأمي بضرورة الذهاب إلى مكتبة المدينة المركزية لأنّ دار الكتب في بلدتنا مكتظة بشكلٍ دائم ولا تتوفّر فيها جميع المراجع.
كان حبّاً جمّاً يتأجج في داخلي ليصبح كتلاً نارية لا تطفئها إلا التفاتة أو نظرةٍ من عينيه اللوزيّتين.
لم اتنكّر لمبادئي آنذاك، فمعرفتي بقيس لا تختصر بعرق، طائفة أو حتى بلد.
طبعاً، أعترف بأوقاتٍ متفاوتة داهمني فيها الندم وعاتبتُ نفسي لكنّي مسيحيّة مؤمنة بالمحبّة التي أوصانا بها يسوع، فحبّي ليس تهمةً يجب أن أعاتَب عليها، وإن كانت كذلك بنظر من حولي، فليتذكروا أنّ مشاعرنا مطلقة تتجوّل في الفضاء دون قيود، وتلتصق بمَن يشبهها.
لا قوانين في الحب، لا تعريفاتٍ مسبقة ولا مقدّماتٍ بالية، هي نظرة واحدة، ابتسامة خاصة وانحناءة رأس موافقة حتى تبدأ الرحلة دون عناء ربط الأحزمة، فاحتياطات الأمن في العشق تجعله عادياً فيما الجنون ينكّهه بطعمٍ فريد.

الفصل الثالث

ما زال الرجال في الغرفة الجانبية. الله وحده يعلم ما يتعرّضون له من إرهاب نفسي وربّما جسدي. لكن ما من صراخٍ يدلّ على ذلك ممّا يطمئننا قليلاً.
ألقيت برأسي على الحائط متعبة من زحمة الصور التي تبقى عالقة في أذهاننا، وكثيراً ما تنضج طفولتنا قبل الأوان وتعكّر صفو شبابنا، فتتحكّم في سير حياتنا وربّما تجعلنا نبتعد عمّا كنّا عليه في الماضي.
نظرت ُللأعلى وتوقّف الزمن لبرهةٍ، طبول تقرع بعنفٍ وآهات محبوسة ضاقت ذرعاً بصدري مع دموع ترقرقت في المآقي مانعة نفسها من الظهور جليّة خوفاً من نقمتي.
وقف أمامي قائلاً بصوتٍ آمر: “انهضي”.
تمالكتُ نفسي واستجمعتُ قواي:”ماذا تريد؟”
أمسكني من ذراعي بقسوة صارخاً: “انهضي”.
علا صوت أختي متوسّلة الرجل أن يتركني، فطمأنتها بنظرةٍ حنونة هامسةً:”لا تقلقي، لن يصيبني مكروه”.
كنا متجهين ناحية المطبخ، حيث كان هناك رجلان يبحثان عمّا يأكلانه في الثلاجة، أحدهما يلتقط بيده علبةً صغيرة لحبوب الذرة الكاملة، والآخر يشرب الماء من قارورةٍ زجاجية مثلّجة.
بنظرةٍ من الرجل الذي يقتادني، فهِما ضرورة إخلائهما المكان متمتمين:”أمرك”.
أفلتُّ من قبضته واستندت إلى طاولةٍ متوسطة الحجم وُضع عليها شمعةُ كبيرة تنير أرجاء غرفة الطعام.
أغلق الباب واقترب منّي متسائلاً:”لمَ أنتِ هنا؟”.
-“ههه، عجباً، هذا السؤال إنا التي من المفروض أن أطرحه عليك؟”.
تكلّم بنفاذ صبرٍ:”أجيبي، لمَ لم تنزحي وعائلتك مع البقية؟”.
رددتُ عليه مع رفعة رأسٍ متعالية فيها الكثير من الافتخار:
-“قيس، هذه أرضي، أرض أسلافي، موطن ديانتي، عزّتي وكرامتي، قره قوش هي بلدتي”.
-“حسناً، لكنها لم تعد كذلك، وأنت تعرفين أنّ ….”.
-“طبعاً، على ما يظهر أنني أخسر بيتي ومنشأي بمجهوداتك الجبارة”.
-“مريم، لو سمحتي، إنني أتكلّم معك كقيس المجرّد من مهمّاته وصفته الحالية.
على العموم، ألستِ جائعة؟”.
-“آكل؟، لا أريد شيئاً، أفضّل الموت جوعاً، إيّاك أن تطلب مني تجاهل ما غدوتَ عليه.كيف وأنا أراكَ تأمر وتنهي وتُطاع؟
مَن أنتَ؟ أنا لا أعرفكَ حقاً. دعني وشأني. إيّاك أن تلمسني. أبتعد، كم أنا نادمة على كل الأيام التي جمعتنا. كيف استطعت؟كيف؟”
دفعتهُ عنّي بيديّ الاثنتين وبكل قواي.
عاد ومشى نحوي والشرر يقدح من عينيه، تبدّلت ملامحه فجأة وأخرج الكلمات من بين أسنانه ببطءٍ وشراسة، بصوتٍ خشن وقاسٍ وهو يضرب على صدره بقبضة يده:”أخي، يا مريم، أخي، هل لا زلتِ تذكرين أم نسيتي؟ أنا لم ولن أنسى حرقتي.”
كان على وشك البكاء قبل أن يستدير ويغادر سريعاً تاركاً مريم وحيدة أسيرة هواجسها.
خرج إلى الباحة محاولاً الابتعاد عن باقي الرجال، اختار ركناً منفرداً ومظلماً، وتنفّس الصعداء بعمقٍ. زفر بقوّةٍ وكأنّه يريد التخلّص من أحداثٍ ضجّت في رأسه وأصابته بضيق تنفّسٍ.
ظلام دامس يلفّ المكان يبتلع سواده آخر التنهدات، تتزاحم الرؤى فتعصف بالوجدان وتحيي الحنين، لتترك الساهرين في هذه الليلة متعبين.
كل مَن لا ينام هذه الأمسية ميّت فكرياً، إما بآلام جراحٍ ماضية نزفت حتى شلّته عاطفياً، وإما بأعمالٍ اقتُرفت في عتمة الأروقة فعذّبته ضميرياً، أو بفقدٍ خلّف اشتياقاً وفراغاً فناجى من أراد غيابياً.
أنا قيس الآغا، شابٌ ذو مرارةٍ كبيرة أوصلته إلى ما هو عليه اليوم. خانته الأيام ليختبر معنى اليتم في سنٍّ مبكرة، ففي ليلةٍ من ليالي عام 2004، اختار الموت والديه طلال وعائشة الآغا ليقضيا إثر حادثٍ على طريق محمد القاسم السريع في بغداد، حيث انحرفت السيارة بطريقةٍ مرعبة بسبب مشاكل الطرق العديدة التي لا تستوفي شروط السلامة العامة.
كان والدي مهندساً، ووالدتي – التي تكون بنفس الوقت ابنة عمّه – معلّمة. عمِلا طوال حياتهما على إسعادنا وتأمين كل ما يلزمنا، حتّى بعد غيابهما، خلّفا لنا مبلغاً محترماً من المال، ساعد في إعالتنا.
جدّي مصطفى الآغا احتضنني، وأخي محمد رغم حزنه الكبير، أعطانا محبةً ورعاية عظيمة، وأصرّ أن نجتهد بدراستنا ونصل إلى ما نتمنّى.
محمد يصغرني بعامٍ واحد، قرّر دراسة الهندسة تيمّناً بمهنة أبي، لكنّه لم يدرك حينها أنه سيلاقي القدر نفسه.
كانت حياتنا هادئة، كتلة من الوفاء والصدق والاحترام.محمد لم يكن أخي بل أبني، أخاف عليه وأفتخر به، تقاطيع وجهه تحمل وسامةً كبيرة، عينان خضراوان مع أنف صغير وأسنان غير مثالية.
لم يكن قوي البنية، فجسده النحيل كان السبب في ضعفه. عشنا سوياً مواقف مضحكة واختبرنا وجعاً صرعنا حيناً وتغلبنا عليه أحياناً، كان الابتسامة النقيّة وسط عالم كشّر الناس فيه عن أنيابهم متوعّدين لكلّ طيّبٍ “أحمق” أو بريء “أخرق”.
الأربعاء الواقع في العشرين من شهر مايو عام 2009، شكّل نقطة التحوّل الجذرية في حياتي، خطّ ثلماً عميقاً في صدري، عاصراً فؤادي دون رحمة.
في تلك الليلة، كان محمد قد خلد إلى النوم باكراً، بعد عناء يومٍ طويل في الجامعة. أما جدّي، فكان بشكلٍ يومي يدخل غرفته ما إن تحين الساعة السابعة مساءً ليستيقظ في اليوم التالي عند الخامسة صباحاً.
كنتُ ما زلتُ أضع اللمسات الأخيرة للوحتي كي أقدّمها بعد يومين، رسم سريالي لفتىً صغير ضائعاً في المروج الخضراء، حاملاً قلبه بين يديه على شكل كرةٍ أرضيّة، باحثاً عمّن يحتويه بحنان.
في تمام الساعة الثالثة والربع، تقتحم المنزل جوقةٌ من القوى الحكومية، تقوم بتحطيم الأبواب، تعبث بالمحتويات، تفتّش الغرف مع إطلاق عباراتٍ بذيئة.
جدّي وقف مرتعداً أمام الباب وهو يتوسّلهم بتركنا وشأننا، هرعتُ مسرعاً لأراهم يدخلون لغرفة محمد وبيَد رجل منهم قائمة لوجوه مطلوبين طلبوا منه التعرّف عليهم، انتشلوه من الفراش وقيّدوا يديه وراء ظهره وهو منذهل غير قادر على الكلام.
أمسكوا بي أنا الآخر بعدما هممتُ بالدفاع عنه، صارخاً “اتركوه، محمد لا زال صغيراً، خذوني مكانه”، دفعني رجلٌ ضخم الجثة بعنفٍ، فوقعتُ على ظهري، ليأخذوا محمد ويختفوا – كما جاؤوا – بلمح البصر.
تمّ اعتقال أخي ضمن سلسلة الاعتقالات العشوائيّة التي كانت سائدة في تلك الفترة، ودائماً تحت خانة الاتهام بالإرهاب.
عمليات الدهم، التفتيش غير المبرر، الضرب الاعتباطي، أو كما يصفها البعض “العمليات المسعورة”، تقوم فيها الجهات الحكومية بحجّة أنّ “المتهم بالشبهة دون أدلّة هو مشروع إرهابيّ محتمل”.
لكنّ المفارقة أنّ هؤلاء يتحوّلون داخل السجون إلى مجرمين وإرهابيين حقيقيين، نتيجة ما يعانونه من تعذيبٍ لا يمتّ للإنسانية بصِلةٍ.
كثيرة هي الأساليب الهمجية التي تتّبع للضغط على المشتبه بهم للاعتراف قسراً: حرمان من النوم، صعق كهربائي، سحب في مجمّع السجن، ضغوطات مذلّة، والتي تؤدّي بمعظمها إلى وفاة المعتقلين مع انتشار أمراضٍ وأوبئة متعدّدة أشهرها السلّ والجرب.
هناك، يتغذّى الحقد وينضج على نار البراءة المحترقة، هناك حيث تهان الرجولة وتخنق الكرامة، فقدتُ أخي.
بعد اعتقاله، التجأتُ بادئ الأمر لشخصٍ يقطن في منطقتنا له علاقاتٍ نوعاً ما جيّدة مع السلطة، سألته الاستقصاء عن وضع أخي ومكانه، عاد بعد ثلاثة أيام ليخبرني أنّ محمد معتقل في أحد السجون السرية المنتشرة في بغداد.
“عليك الانتظار ريثما يتواصلون معك، فكثيراً ما يطلبون المال مقابل إطلاق سراح مَن لديهم”.
طوال أسبوعين كاملين، عشتُ على أمل تلقّي ذاك الاتصال، كدتُ أجنّ إلى أن تمّ التواصل معي من جهةٍ مجهولة، تطلب مبلغاً وقدره ألفين دولار أميركي مقابل أن يبقى أخي على قيد الحياة.
تمكّنتُ من تدبير المال، لكنني لم أحظَ بفرصة رؤية محمد.
استمرّ الحال على هذا المنوال، يهاتفونني شهرياً طالبين مبلغاً يزداد كل مرّة ثلاثمائة دولار، مقابل أن أحافظ على حياة أخي دون أن أراه.
مرّت تسعة أشهر، والشكّ يعتصر كياني والهواجس تدمّر كل نبض بداخلي ، حتى واجهتُ ما كنتُ أخشاه، حقيقة حوّلتني لوحشٍ ظمآنٍ للانتقام.
نهار الجمعة الواقع في الخامس من شهر يناير عام 2010، كان الاتصال عن محمد غائباً منذ مدّة، هستيريا من القلق تملّكتني طوال هذه الفترة.
عند الظهيرة، أعلن التلفزيون الرسمي عن وجود العديد من الجثث المجهولة الهويّة في معهد الطب العدلي.
توجّهتُ إلى المكان وأنا أحاول محاربة فكرة فقدان أخي، أنكرتها بشدّة ولكن لم يكن لديّ خيار آخر.
رائحة كريهة تفوح من المسشفى، ملاك الموت قابع هنا لا يتزحزح، تاركاً أمهات المفقودين ثكالى، تعتصرهنّ الحسرة.
الجثث جُمعت فوق بعضها البعض، كان على أي شخص يبحث عن جثة أن يشخّصها من خلال الصور التي عادة ما تلتقط للموتى فور وصولهم إلى المعهد.
فجأة ، وفي لحظةٍ خاطفة تجمّد فيها جسدي ومات قلبي، رأيتُ جسم محمد مليئاً بآثار التعذيب والضرب المبرح، انتشلوه من سريره الدافئ ليرموه في أحد شوارع بغداد هيكلاً خامداً، ليغيب أخي بتهمة”إرهابي محتمل”، هذه الشمّاعة التي تعلّق عليها كل الممارسات الوحشيّة.

الفصل الرابع

عاد قيس إلى حيث تركني، تلك النظرة الحزينة الممزوجة بالرغبة في الانتقام لم تفارق وجهه، أمسكني من ذراعي بعنفٍ مقصود دون أن ينطق بحرفٍ واحد، ورماني على الأرض إلى جانب أختي.
احتضنتني سارة وهي تجهش بالبكاء، وأنا بدوري مصعوقة من تصرفات رجلٍ لم أعهده بهذا الحقد.
وفاة أخيه سبَب هذه القسوة، عادة عندما نُخذَل تموت مشاعرنا ونقرّر أن نكون أصلب: منّا مَن يتطرّف في قراره ومنّا مَن تعود إنسانيّته لتطغى على ردّة فعله الشرسة.
لا زلتُ أذكر كم عانيت طوال اختفاء أخيه خلال التسعة أشهر، حاولت مكالمته كثيراً، ما من مجيب، مئات الرسائل النصية يقرأها ولا يردّ.
علمتُ أنه لم يقدّم امتحاناته الأخيرة، تغيّب عن الجامعة واعتزل الناس.رغم ذلك، خاطرتُ بسمعتي، أهلي وكل ما أملك، وتوجّهتُ إلى كلّيته علّني أستقي بعض المعلومات بعدما انقطعت أخباره حتى عن ابنة خالته علياء.
باحة جامعة الموصل كبيرة جداً يغطّي أجزاءً منها العشب الاصطناعي الأخضر وتوضع في بعض الأماكن طاولاتٍ مع مظلاّتٍ ملوّنة، تلك الجامعة التي أنشأت عام 1967، تعدّ من أكبر المراكز التعليمية والبحثية في الشرق الأوسط، وقد اختبر أيضاً كادرها الجامعي من معلّمين وطلاّب عمليّات اغتيالٍ واختطافٍ كثيرة خلال تلك السنوات.
وصلتُ إلى كلية الفنون، البوابة عريضة، المبنى مهندس بشكلٍ جيّد من الخارج، ليس مرتفعاً، عبارة عن طابقين فقط.
كان خوفي من أن يتعرّف عليّ أحد يضاهي فضولي واشتياقي لملاقاة قيس.
لحسن الحظّ، الكليّة لم تكن تزخر بالطلاّب ولكنّي استطعت توجيه السؤال لشخصين، إلا أنهما لم يتعرّفا على قيس.
واصلتُ السير تائهةً في أحد الممرّات الفارغة، صادفته هزيلاً، مفتقراً لحيويّته المعتادة، لحيته لم تشذبّ وثيابه تحتاج إلى الكي.
نظرت إلى عينيه الفارغتين، طفرتُ دموعي، ركضت لأضمّه وقد اشتقتُ لرائحته.
كان فظاً في تعامله، أدري أنه ضعف عند لقائي لكنّه فضّل المقاومة وأراد إظهار برودة مشاعره.
اعتذر مني قائلاً:”لستُ على ما يرام ولا أستطيع أن أكون معك الآن”.
أجبته بلهفةٍ:”إذاً دعني أكون أنا معك، لا أريد شيئاً سوى الاطمئنان عليك، عدني بالردّ على اتصالاتي”.
نظر إليّ بحرقةٍ ووعدني أن يطمئنني متى استطاع عن حاله وحال أخيه.
كانت المكالمات بيننا متباعدة نوعاً ما، اكتفيتُ بهذا القدر علّ الأوضاع تتحسّن.
كانت علاقتنا تخضع لمدٍّ وجزر حسب مزاج قيس، وتقبّلتُ ذلك رغم صعوبة ما مررنا به، إلى أن علمتُ من علياء بخبر مقتل محمد، فقد وصلني أنه معتكف في المنزل، هرعتُ لرؤيته غير آبهة بشيء، فهو يحتاجني بالفعل.
طرقتُ الباب وانتظرتُ برهةً، فتح لي رجل سبعينيّ غزا الشيب رأسه، يجرّ رجليه ببطء، وقد أكسبه التعب انحناءة ضئيلة في الظهر، وجهه مليء بالتجاعيد والحفر التي تخبر عن مدى الحزن الذي عايشه لكن ابتسامة أبوية لطيفة أشرقت ورحّبت بي.
دلّني مباشرة إلى غرفة قيس، دخلتُ بتمهّلٍ.
الغرفة كبيرة تغطي جدرانها أوراق بلونٍ بنّي، تحتوي على مكتبٍ صغير في الزاوية مع مكتبةٍ تضمّ عدداً كبيراً من الكتب.تفترش أرضيّتها سجادةٌ مخملية زرقاء داكنة، تتوزّع في أرجاء الغرفة رسومات وقّع عليها قيس.
فنّان يتقن ملامسة الفرشاة ويحترف خلط الألوان. لوحة واحدة سمّرتني في مكاني، تجانست خطوطها الملتوية لتكوّن وجهي، لوحة دون ألوان عكست مشاعري المجرّدة والخالصة دون تزييفٍ أو إضافاتٍ.
كم بدوتُ جميلة في تلك القطعة الفنيّة، كم أجاد تجميل بعض العيوب المحبّبة.
كان جالساً على طرف سريره العريض واضعاً رأسه بين يديه، هادئاً.اقتربت منه بحذرٍ، لمستُ ذراعه، لم تفاجأ عندما رآني، تعابيره كانت جامدة، صدمة غياب محمّد حجّرته حتى بات كتمثالٍ منحوتٍ بعناية.
طوال أسبوعين، وهو على هذه الحالة، لم يرد رؤية أحد، حتّى أنه لم ينفعل، يغضب أو يذرف دمعةً واحدة.
جلستُ أمامه، ركعتُ عند قدميه راجية إياه أن يستيقظ من تلك الحالة، أن يصرخ عليّ، أردت لذلك البركان أن ينفجر في مكانٍ آمن.
احتضنته بكل ما أوتيت من عاطفة، فأجهش بالبكاء كطفلٍ صغير، شدّ على أضلعي وكأنه يرفض رحيلي، خائف من فقدان آخر يشبعه عذاباً.
رحت أداعب شعره هامسةً له بكلماتٍ تهدّئه، كان اشتياقه لأخيه سلطان كلماته النادرة.بعد أن أطلق العنان لكل مكنوناته، استفاق وأنّبني لمجيئي، لكنّه سرعان ما شكرني لمخاطرتي الكبيرة.
قبل رحيلي، شرعتُ بفتح الستائر كي تخفّف من الجوّ الخانق المسيطر على المكان، ووضّبتُ بعض الأغراض المرميّة وطلبت منه أن يستحمّ خلال هذا الوقت.
كان يريد التخلّص من هذا الحزن إلا أنه كان حقاً بحاجة لمَن يمدّ له يد العون ويشجّعه، كان آسراً بعد الاستحمام، شعره مبلل يتساقط على وجهه بإهمال، رائحة الصابون تفوح منه ورذاذ الماء يغطّي كتفيه. أسرعتُ بتوديعه قبل أن أندفع بأحاسيسي أكثر، وعدته أن أعود لأطلّ عليه كلّما سنحت الفرصة لي، طابعة قبلة دافئة على جبينه.
طوال الشهرين القادمين، ذهبتُ إلى منزله ثلاث مرات، كانت ضغوط الدراسة ترهقني وكل الأعذار لتغيّبي قد أصبحت واهية. اكتفيت بمحادثته على الهاتف أو التكلّم مع جدّه حين يرفض الحديث.
كان يعيش حالة صراع داخليّة بين تقبّل وفاة أخيه، ونقمته الكبيرة على جميع مَن شارك في مقتله، خاصة أنّ موته لم يكن قضاء وقدر.
نحّيت ذكرياتي جانباً فور دخول الرجال عائدين إلى الغرفة. جلس أبي بمحاذاة أمي التي ضمّت سارة المرهقة من السهر هلعاً.كان أبي مطأطأ الرأس قليلاً كاتماً غصّة أحرقت أعصابه.
يبدو أنهم على خير ما يرام ولم يتعرّضوا لأذىّ جسدي، رغم ذلك لمحتُ مسحة خوفٍ مشوبة بالانكسار في سحنة والدي.
هذا الرجل الذي اعتاد المكابرة حتى في عواطفه، يعاني حالياً الكثير من الاضطرابات الداخليّة.
لم يكن ثمّة رومانسية في تعارف والديّ، زواجٌ مبنيّ على ضرورة وجود فتاةٍ مطيعة، جميلة، وعلى سعة واسعة بشؤون المنزل، ورجل يحتوي هذه الفتاة مادياً ويحقّق لها رغبتها كسائر فتيات القرية بإنجاب الأطفال.
مريانا الأسود، فتاة السادسة عشرة ربيعاً، تسكن في قره قوش، رآها سيمون جرجوسي منذ ثلاثين عاماً صدفة وهي تغادر قدّاس الأحد في كنيسة سركيس وباكوس.
أعجب بلباسها المحتشم وطريقة سيرها المتّزنة. توجّه إلى منزل ذويها بعد ثلاثة أيّام ليعلن عن إعجابه وكان برفقة خاله نظراً لفقدانه والديه منذ الصغر بمرض السلّ.
التقى بوالد مريانا، سركيس، الذي كان مزارعاً بسيطاً يساعده أبنه البكر، أما والدتها أديل فقد توفيت بعد ولادتها بسنتين.
جورج الأسود، خالي، لا أذكر ملامحه بشكلٍ دقيق عدا عن أنه قصير القامة، ذو شعر أحمر مع بعض النمش على أنفه الأفطس، فقد مات إثر سكتةٍ دماغية مفاجئة.
وكذلك جدّي سركيس السبعيني، تمكّن منه العجز وأثقل التعب ركبتيه فقبع في المنزل، مما جعله يصاب باكتئاب شديد أوصله لرفض بعد أن شعر بمدى ضعفه، فاستسلم سريعاً وفارقنا.
كنّا نقوم بزيارته باستمرار في طفولتنا، لقد كان حنوناً وعطوفاً، يغدق علينا السكاكر اللذيذة وبعض الفاكهة المجفّفة.
كانت مريانا والدة صالحة، اعتنت بنا وشاركتنا همومنا، واستنا حين كنّا نلقى عتاباً من أبي، وحضنتنا حين بكينا، لكنّها كانت تفضّل راحة أبي دائماً فما تقوله مقدّس ويجب أن ينفّذ بحذافيره، هي لم تقوَ على معارضته يوماً.
والدي الذي كان يعتبر إظهار الأحاسيس نوعا من الليونة، والتشبّه بالإناث، لام أخي كثيراً على اعتنائه المفرط بنا.
أتأملكَ الآن خلسةَ يا والدي، وجه نحيف أسمر اللون، عظام الوجنتين بارزة بحدّة، شفتان مشقّقتان يعلوهما أنف عريض نوعاً ما.
وجه تغضّن بالتجاعيد لكثرة العبوس. لا أنكر بعض الابتسامات المفاجئة دون سابق إنذار، والتي غالبيتها كانت تخصّ أمي.فرغم افتقاره للحنان، إلاّ أنه عامل والدتي باحترامٍ وودٍّ كبيرَين.
القلق الظاهر على ملامحه جعلني أعيد التفكير بسبب عدم نزوحنا كالباقين. فإنّ كان عملاً بطولياً أو تمسّكاً بأرض الأجداد، لم أرَه الآن مرتجفاً، منكفئاً على نفسه، خائفاً من مواجهة المصير.لربّما كان جلّ همّه ألاّ يصيبنا مكروه، ولكن إن كان كذلك لمَ لم نغادر ونتفادى هذه المصيبة؟
ابتلعتُ ريقي بصعوبةٍ وقد تصبّب مني العرق، للحظاتٍ رفضت الإجابة التي طالما استبعدتها.
فما من شيءٍ خارق في تصرّفاته، الأنانية وحدها هي مَن أجبرتنا على البقاء. أنانية بحتة في اتخاذ القرارات الجماعية، عنجهية مغلّفة بالصلابة وخوف من تحمّل مسؤولية مواجهة المجهول.فضّل أن نواجه جميعاً ما ينتظرنا على أن يتصدّر مشكلتنا.الاستسلام للموت أسهل من القتال والمحاربة للعيش.
لا أريد التعمّق، فالكثير من الحقائق عرضة للتكشّف أمام ناظري. مؤلم هو ذلك الشعور، لحظة تنكسر صورة أبيك تظنين لوهلة أنك أمام شخص آخر، لم يسبق أن رأيته، تمرّين بعدها بمراحل كثيرة من التخبّط الداخلي، إلى أن تصلي حدّ كره كل الرجال، حينها تقفين أمام مفترق طرق، إما تتشبثين بمقتك للجنس الآخر وتستغنين عنه خوفاً من خذلانٍ ثانٍ، أو أن تلجئي لرجلٍ يكون هدفك الأساسي هو تحدّي والدك وبرهنة نجاحك في تخطّي تلك الخيبة.
كم هو صعب أن تنظري في عينيه ولا تشعرين بشيءٍ البتّة، جرح لا يندمل رغم السنين، سيظلّ أيّ تفصيل يمرّ، يمزّق الخيوط الوهن ويمسح الغبار المتراكم، لتعود الذكرى بفظاعة أكبر، فالذكريات كثيراً ما تكون موجعة مع مرور الوقت، تتخمّر وتتضخّم بإخلاصٍ، فليس كلّ منّا قادر على النسيان أو التناسي.
للأسف، كان خوفي الأكبر هو الموت لكني خسرت ما هو أهمّ بانتظار الموت.

الفصل الخامس

يمضي الوقت متباطئاً مدركاً قيمة كل دقيقة، الثواني هنا تحترق بتمهّل.ما عادت الساعة مقياساً للزمن، فدقّات القلب أصبحت خير دليل على اقتراب اللحظات الحاسمة. كنا فيما مضىنستعجل الأحداث، لنتشبّث اليوم بكلّ جزءٍ من الثانية.عجباً كم تتناقض الطبيعة البشريّة حسب الظروف المحيطة بها.كثيراً ما كنا نتوق لنفاذ ذرّات التراب في الساعة الرملية حتى نقلبها رأساً على عقب مراراً وتكراراً، والآن نرجو حبّاتها أن تظلّ عالقة في الجزء العلوي.
هذه الليلة الموحشة تأبى أن تمرّ مرور الكرام، تريد اختبار صبرنا وصمودنا أمام الحنين.
بعضنا ينغمس في يوميّاته، ليجلس ليلاً على شرفة منزله، يتأمّل ما حوله ليكتشف أنه حزين، يهرب من واقعه بالأحلام، فينسج قصةً ليس من الضروري أن يكتبها، لأنه قد اختار لها في اللاوعي حبكة متماسكة تخوّله روايتها على ذويه في اليوم التالي.
ولكن عندما تتكدّس الأوجاع متراصّة على صفحات مهجتنا، نلجأ للأوراق، نصبّ خواطرنا المؤلمة عليها دون تنميق، فكلماتنا كالمطر، لا تنهمر إلاّ إذا فاض الحال بغيوم سمائنا.
ذخيرة قلمنا هي ذكرياتنا الموجعة، فمَن ليس لديه ذكرياتٍ هو مفلس عاطفياً وشعورياً، يتسوّلالتشابيه ويستعطي المعاني، دخيل على الغزل، الهجاء والمديح. مَن لم تتعبه السنوات، لن يمتلك الخيال أبداً.
نحافظ على التزامنا بالكتابة لنعالج أرواحنا السقيمة، حتى تستحيل آلامنا واقعاً غير محتملاً، فلا تعود ملهمة، ليجفّ الحبر وتتيبّس الأحرف.
نظرتُإلى معصمي وقد زيّنه سوار أحمر مصنوع من القماش على شكل ضفيرة عريضة، يتدلّى منها حرف mمعدني.لمسته، فانهمرت دمعةٌ حارة على خدي، لتعيد كيّ جرحي النازف، مَن قال أننا نتخلّص من ألمنا حين نبكي – بالعكس تماماً – مع كل عبرة يزداد الأسى.
هذا السوار كان قد أهداني إيّاه اخي متى، آخر ما تبقّى لي من أثره.
أشتاقك جداً، فالاشتياق نصف وجع والنصف الآخر ذكريات.
متّى، تعرف أنني لطالما فضّلت المواد الأدبية في الدراسة، لكن بعد رحيلك ثرت على كل شيء حتى قلمي، أثمن ممتلكاتي، ابتعدت عنه، هجرت بياض الصفحات، ليس لأني كنتُ عاجزة عن التعبير بل لأنّ الأحداث لو تُرجمت كانت ستظهر سخيفة، للمرة الأولى الواقع يبدو بهذه الوحشيّة.
وإن استطعت تخطّي شناعة الوقائع، وقفتُأمام خيارَين:
إمّا الكتابة عن فراقك الذي أدمى قلبي، فأهتم بالتنفيس عن غضبي، حزني وضياعي غير آبهة بقهر الآخرين ممَّن لا يجيدون التعبير، مما يدرج في خانة الأنانية، أو أكتب عمّا يعانيه الآخرون فتعدّ نصوصي استغلالاً غير مقصود للمآسي، وفي الحالتين أنا مذنبة.
متّى، كان سندي، عطوفاً وكريماً، لا زلت أذكر يوم جلب لي هاتفاً خليوياً بعد نجاحي في السنة الإعداديةالأولى، لاحظ أنّ كل صديقاتي يتباهين بهواتفهنّ، فكافأني بواحد.طبعاً، هذا عامل سهّل التواصل بيني وبين قيس خاصة في الصيف، عندما كان يصعب اللقاء بوفرة.
كان يعطي أكثر من قدرته، في دراسته كان دوماً متفوقاً، في أخلاقه تشهد كل قره قوش على حسن سيرته، حتى في محبّته لنا، دلّلنا ولم يرضَ معاملتنا بتعالي الأخ الكبير.
لم نكن نتحدّث باستمرار، ولكن مجرّد وجوده كان يبعث في نفسي الأمان والطمأنينة.كان الثوب الذي يكسيني، المظلّة التي تحميني واللحاف الذي يغطّيني. بعد غيابه، تعرّيت علانية وبتّ أقف على حافة الهاوية وتحت قدميّ أحجار تنزلق الواحدة تلو الاخرى.
نهار الأحد الواقع في الثاني من شهر مايو عام 2010: تفاصيل هذا النهار ستظلّ ترافقني حتى الممات، استفاق متّى باكراً كي يعيد قراءة بعض النصوص في مواده التي سيخضع فيها لإختبارٍ.
تهندم، قبّل أمي كالعادة على رأسها وجلس ليشرب القهوة السوداء الساخنة دون سكر كما كان يفضّلها.تبادل أطراف الحديث مع أبي، ثمّ ودّعه وسار ليستقلّ الباص.
لم أدرِفي تلك اللحظة ما الذي دفعني للحاق به وإعطائه قلماً احتياطياً كحجّة لطبع قبلة سريعة على خدّه.
كان أخي فعلاً وسيماً، يبلغ طوله حوالي المئة وثمانين سنتمتراً، عينان زيتيّتان كعينيّ، شعر مجعّد أسود مع فم واسع.لاحظت أناقته المُبالغ فيها: قميصاً بنفسجياً مع بنطال وشالٍأسودَين.
لم يكن هناك باص واحد يقلّ طلبة قضاء الحمدانيّة إلى جامعة الموصل، بل موكب نقلٍ يحتوي على عددٍ من الحافلات.
بعد أقلّ من ساعة، هرع ابي وقد عاد من دكّانه مهرولاً، لم أكن قد توجّهت إلى المدرسة بعد لأنّ الساعة الأولى مخصّصة لحصّة الرسم ولم أكن أنوِ حضورها.
دخل أبي وقد صرخ بوجهي:”قري متّى دها” باللغة السريانية(اتصلي بمتّى حالاً).التقطت هاتفي وحاولتُ الإتصال، كان الخطّ مشغولاً، أعدت الكرّة مرّاتٍ عديدة ولكن ما زالت الخطوط مشغولة.
ترامى أبي على الكرسي، بعدما جاءت أمي مولولة عقب ما تناهى إلى مسامعها الخبر التالي:
“تعرّض موكب نقل طلبة جامعة الموصل المسيحيّين لهجومٍ بعبواتٍ ناسفة، بالقرب من إحدى نقاط التفتيش القريبة من بلدة كوكجلي، وقد سقط قتيلان ومئة جريح”.
تصلّب جسدي من هول ما سمعت، لكني أصررتُ على تجاهل أي أخبار سيّئة حتى نتأكّد من صوابيّتها.
اتجهنا إلى مستشفى الحمدانية حيث استقبلوا الضحايا، منعونا في البدء من الولوج لكننا تمكنّا من الدخول حين عرفوا صلتنا بالمُصاب.
تجوّلت بنظري في أرجاء الغرفة خائفة من أن ألقى متّى موجوداً بين عداد الموتى، حتى رأيت والدتي تتكوّم على الأرض صارخة بأعلى صوتها “بروني”(إبني).
شاهدناه جاثماً على الكرسي دون حراك، ملابسه ووجهه ملطخَين بالدماء. أحسستُ حينها أنني فقدتُ السيطرة على نفسي، تراخى بدني وضاق نفسي. كذلك أبي تكوّر واضعاً رأسه بين يديه، زحفت أمّي باتّجاه متّى حاضنة إيّاه والدموع تغطّي وجنتيها.
جاهدتُ لجمع قوّتي المشتّتة واحتواء أمي، عرفنا فيما بعد أن شظيّةً اخترقت المنطقة الرخوة في الجهة اليمنى للرأس(ما بين العين والأذن) ثم استقرّت في الدماغ وكانت السبب في وفاته مباشرة، بعدما تمّ نقله إلى المستشفى.
في اليوم التالي، تمّ الدفن في مقبرة القيامة، بعدما أقيمت مراسيم الدفن وصلاة الجنازة، في كنيسة القيامة التي تقع على بعد ثلاثة كيلومترات، من مركز بغديدا وتقام فيها كل المراسم الخاصة بالوفاة لبلدات بغديدا – برطلة –وكرمليس.كان هناك حشد كبير من الناس، رافعين أغصان الزيتون وتحدّث في هذه المناسبة الراهب آنذاك قائلاً: “مَن يريد تدمير بيت جيرانه، فإنه يدمّر بيته، متّى المسيحي هو نفسه أحمد المسلم الذي تطاله يومياً يد الغدر الساعية للفتنة”.
بعدما وُري أخي الثرى، فضّل أبي ألاّ يقفل الدكّان يوماً واحداً، ربّما أراد البكاء منفرداً، أمي تنوح ليل نهار تنحل جسمها الحسرة، أما أنا فكانت سارة بجانبي تهدّئ من روعي وتخفّف من إحباطي ويأسي.
أخي الحنون، في ظلمة هذه الليلة الكئيبة التي تتفنن باستحضار أشباح الماضي ونكئ الجراح، أناجيك وأتوجّه إليكً برسالةٍ لطالما أحببت أن أخطّها لك لكنّ الظروف لم تشأ.
“إلى أخي،
تحيّة معطرة وبعد،
في البداية والوسط والخاتمة، أفتقدك.
كل يوم يمرّ يرسّخ صورتك في ذهني، كنت ملجأي، ملاذي الذي أفرّ اليه من جور الزمن.
تسألني عن حالي؟ لقد اعتدت أن أذرف الدموع حين تغطّي جلبابة الليل عالمي لأمسحها في الصباح دون شاهدٍأو متطفّل، اعتدت أن ألغي حلماً وأتقبّل واقعاً، كبرت دون أنأعي متى وكيف.
جميعنا متشابهون هنا، تكاثر جلدنا السميك من الحرمان، أصواتنا تنكّهت بجميع أنواع الشجون وتناحرت على بلورتها الأحزان.
البلاد؟ أي بلادٍ يا أخي، فصيفها يعصف به كانون وتتغلغل في شوارعها الديدان.فذاك الوطن الذي بنيناه في خاطرنا ما عاد ملكنا، سلبونا حتى هذا الحق.
رحلتَ يا متّى دون أن أخبرك بما يختلج صدري، دون أن أفصح عمّا يعتمل في قلبي،دون أن أبوح بسرّي الذي داريته كي لا تؤنبني.خجلتُأن أخبرك أنني عشقتُ.
نعم؟ أعلم أن العشق ليس بعيب، لكنني متّ من الخجل لأنّ مَن أحبّه ينتمي للذين قتلوك.
إنه ينتمي إلى الفئة نفسها، هكذا صنّفته حينها وهذا كان خطأي. أعلم أنكَ غاضب منّي، لكنّ الحبّ يا أخي أقوى من أن يُقاوم، هو لا يستأذننا، ينبت حتى ونحن نرفضه، مادام لاقى أرضاً خصبةً.
رحلتَ دون تمهيد، لطالما أحببتَ الدخول في صلب الموضوع مباشرة وهكذا فضّلت الغياب في سكونٍ، لتترك عاصفة من الإنفعالات في نفسي.

.. يتبع

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *