الرئيسية » ملفات » الغرام والحرام في الشام.. ثلاثية فريدة من برهان الخطيب* (ملف/46)

الغرام والحرام في الشام.. ثلاثية فريدة من برهان الخطيب* (ملف/46)

إشارة :
برغم أن الروائي المبدع برهان الخطيب يُحسب على جيل الستينات إلا أنّ ما يميز منجزه الابداعي هو هذا التجدّد والتجديد في الأسلوبية وتناول الموضوعات مع ثبات بصمته السردية الجوهرية على خارطة الأدب الروائي العراقي والعربي. وقد أغنى عمله الصحفي وحياته الحافلة بالمتغيرات مخزونه التجاربي فأثرى المكتبة السردية العربية بأكثر من اثنتى عشرة رواية كل واحدة لها عالمها المستقل المتفرّد. يسر أسرة موقع الناقد العراقي أن تبدأ ملفها عنه متمنية على الأحبة الكتّاب والقرّاء إثراءه بالمقالات والصور والوثائق. تحية للمبدع الكبير برهان الخطيب.

الغرام والحرام في الشام.. ثلاثية فريدة من برهان الخطيب*

(العالم) بغداد. رواية الخطيب الأخيرة أو ما قبل الأخيرة (الغرام والحرام في الشام) الموقوفة مع بقية رواياته في دائرة الشؤون موضوعها محنة منطقتنا الحالية، إنسان معاصر يعيش نتيجة أزمات و حروب تحت ضغوط نفسية مادية لا تنتهي، تقلب المفاهيم والقيم لدى البعض، تغيّر أنماط التفكير والسلوك تجعلها غريبة مُستلِبة عليه. فرادة هذه الثلاثية تتمثل أكثر في الشكل، في خلوها من السرد، تطويرها الحدث اعتمادا على الحوار وحده، شكل هو الابن الشرعي من حياة معاصرة تستهلك جل الوقت في محادثات على الانترنت لا تنتهي، المحادثة هنا تغير مجرى حياة البطلين، يلتقيان يفترقان يلتقيان، محادثات تنسف حياتهما السابقة، هل يتحقق لهما حلم؟ هل تتكشف لهما لا جدوى الأحلام؟ إنما المهم في هذه المحادثات لا مجراها في هذا الاتجاه أو ذاك، لا نتيجتها، بقدر كشفها التدريجي عن شخصيتيهما الحقيقيتين، كيفية مجابهتهما أسئلة أجوبتها مؤجلة دائما، ودائما في الخلفية يبقى المؤثر المهزوز، الحدث الاجتماعي الكبير، حرب الشام المستمرة حوالي العقد، وضع العراق غير المستقر طيلة عقود، هكذا هي رواية ككل روايات الخطيب.. ذاتية وجودية اجتماعية في آن.. أي رواياته لدى دار الشؤون الثقافية الداخلة في (سباعية الوطن) حسب تسلسلها الزمني: بابل الفيحاء، الجسور الزجاجية، ليلة بغدادية، حب في الغربة، الجنائن المغلقة، على تخوم الألفين، ملف عابر قارات. وأيضا شقيقتها (سباعية الغربة) أي: ذلك الصيف في إسكندرية، ليالي الأنس في شارع أبي نؤاس، غراميات بائع متجول، أخبار آخر الهجرات، أخبار آخر العشاق، والراهنة بين أيدينا مخطوطة (الغرام والحرام في الشام).. تليها (ليالي الأنس في شارع الجبل) خارج النسق.. مع كتاب بحث ومقابلات (الروائي والرواية). إصداراته الأولى (خطوات إلى الأفق البعيد) (ضباب في الظهيرة) (شقة في شارع أبي نؤاس) و (الشارع الجديد) لا يضمها إلى حملته الأدبية على دائرة الشؤون.. يبدو يشفق عليها..
بعد تقديم تلك الروايات إلى دار الشؤون كان المؤلف أعطى نفسه وعدا، التوبة عن كتابة الرواية، الالتفات إلى حياته الخاصة، لكنه ينهض من نومه في موغل من الليل يمضي إلى مكتبه.. هكذا ينجز روايته الأخيرة هذا العام (ليالي الأنس في شارع الجبل) التي قدمتها (العالم) في عدد سابق قريب..
إنما هذه المرة، لا ككل مرة، يقسم المؤلف: هي آخر رواية لي.. حقا.. بعدها توبة.. توبة حقيقية.. هل نصدقه؟!..

نعود إلى رواية الحرام والغرام، ماذا يتكلم فيها شاعر أعزب وامرأة متزوجة طيلة صفحاتها الكثيرة الفسيحة؟! يغويها، يرشدها، أو تغويه، تحبه، يحبها، أو هناك مكيدة تجمعهما على طريق محادثة غريبة طويل تؤدي إلى نتائج مثيرة، مَن ينسجها و.. لماذا؟!..
المجتمعات العربية تتغير، النمط الأوربي ليس بعيدا عنا، طلاق، خصام على امرأة، صيد رجل، مكائد عشاق، آخر من يعلم، غيره من مظاهر علاقات حرة بين الجنسين خارج مؤسسة الزواج، غريبة علينا لكن ليس وقت عولمة.. الموضوع مغر لروائي مترصد، برهان الخطيب بهذه الرواية الحديثة العربية شكلا مضمونا يرصد الموضوع القديم الجديد كل يوم في الغرب في الغربة نزولا إلى حاضنته الجديدة.. ديار العرب، موضوع الثلاثي المعروف، الزوج، الزوجة.. والعشيق الولهان. يصير الموضوع محوريا لدى قراء هنا هناك لما يكشف من احتمالات حياة معاصرة تتقلب بين هجير تأريخ و ألاعيب ساسة عير جغرافيا تحركها زلازل إلى نوازل، احتمالات تلهي آخر مَن يعلم عن تلمس الحقيقة.. قارئا يغفل.. عما في العمق حوله.
الموضوع جديد نعم، يطرقه الرائد المتميز من جيل الستينات برهان الخطيب بقلمه الساخن، في مرح، عاطفية، يذكّر نغمه ضوعه أن القوة الوحشية لا تُحل مشاكل اليوم. روائي ينجز في تأريخه الأدبي الطويل مختلف الأشكال و المواضيع في براعة، بدءا من منهجه التجريبي في روايته الأولى إلى الكلاسيكي في رواياته التالية إلى المبتكر في روايات لاحقة إلى الحوارية التامة الجديدة تماما هنا، متعمقا في ثنايا النفس، الآخر، الجوار القريب والبعيد، يشرّح الظاهر والخفي، رافعا متطلبات حرفة الكتابة النزيهة على كل ما عداها إلى ذروة..
شاعر الرواية هذه مع المرأة المتزوجة لهما طموحات لا تنتهي، كلاهما يدرك تداعيات فعله، يتحمل مسؤوليته، يشتبكان في علاقة شديدة الرهافة والحساسية والخصوصية على صعيد تحولات الفرد والمجتمع وسط منشطات و مثبطات يفرزها عالمنا بسخاء.
في تدفق مشوق حميم منهما عن المحرم والنبيل، يصير الحب غير بريء مرتين، خيانة زوجية، خديعة عشيق، إيقاعه في فخ، سياسي، إجرامي، أو أو أو .. إلى هدف يمكن تخمينه.. أو آخر يبقى غامضا حتى النهاية، حيث معرفة أو تكهن بقية تفاصيل حكاية مهم.. تجنب غفلة.. تجاوز كارثة.. الأهم معرفة تفاصيل التفاصيل.. بلا وصف.. بلا رصف.. في حوار نابض حياة ينير دروبها.

إهداء الرواية أيضا يستوقف النظر: ليس من حقي إهداء مِلككِ إليكِ.. لا حتى نصفي من النص بين يديك.. كتبناه افترقنا عدنا افترقنا الحرب دواليك.. نتركه إلى قارئ الغيب سلواني في حنانيك.

هل تشارك المؤلف امرأة حقيقية من الواقع الملموس لا المحسوس كتابة النص؟ لها حق ملكية نصفه كما يلمح الإهداء؟ هل هي بطلة الرواية إذاً؟ فهي رواية سيرة أيضا فوق كونها حوارية؟ أو أن المؤلف يصوغ الإهداء هكذا يمعن في ترسيخ واقعيته، رومانسيته، صدقه؟..
الرواية مؤلفة من ثلاثة كتب أو أجزاء، الواحد منها في حوالي 200 صفحة، العنوان المشترك (الغرام والحرام في الشام) . كل جزء له عنوانه، يكشف جانبا من الحدث ومحتواه. الكتاب الأول: قاموس الأشواق. الثاني: ناموس العشاق. الثالث: ناقوس الفراق. لكن الرواية ليست فقط مناجاة شاعرية، بث أشواق ذاتية، واضح فيها أيضا البعد التاريخي الوثائقي للحدث. في المقتطف التالي منها يخاطب فالح الزوج صديقه غريمه الشاعر كمال على الانترنت كاشفين عن ويل الحرب:
فالح: حلب اليوم حارة أو اثنتان، ما تبقى عمليات عسكرية. أحيانا انجح اكتب عن يوميات حلب. أحيانا افشل. ابحث عن ناشر لا يسرقني مثل القائل لي سيعيد ابني، طلب الفدية يصل عشرين ألف دولار لا املك منها غير ثمن طعامي مع قليل كرامة وإباء. الشمم عملة رخيصة اليوم. سهل مصادفة مَن يقبّل حذاءك لقاء لقمة في ضوء النهار أمام الناس. هانت علينا النفس. الموت ارحم.
كمال: عزيزي فالح.. قبل تدهور حال حلب اختطاف ابنك أعرض عليك إيواءه مع حَرَمك.. اللجوء إلى بيتنا في بغداد ضيوفا كراما عند أهل لكم هناك لكنك ترفض، بعدها اقترح عليك إرسال المتيسر من ستوكهولم يعينك على البقاء ترفض، ماذا يمكنني الاقتراح.. أمس أكلم كاتبة سورية هنا تحسدني: حسنا لا تزال عيناك تترطبان عند الكلام عن المحنة، دموعي أنا نشفت من زمان. قلت لها يختلف توقيت لحظة نبدأ نكون أنفسنا تماما.. نتصرف من غير عاطفة أو وهم..
فالح: مشاكل تافهة تلهينا عن الأساسي. عندكم كهرباء، هنا منذ شهور مولدة تدبر الحال، لا ماء أسابيع، حفر آبار شغلنا. استقلت الأحياء مع معاشها، سبل حياتها، زعامات محلية تفرز شروطها قوانينها. لا ادري إلى متى البقاء على قيد الحياة، لا يوجد مَن يحميني. الناس تقرر مَن تأكل مَن تترك، ماذا تأكل ماذا تترك. الشاطر يحمل سلاحا يدافع عن نفسه. فوضى رعب قلق يخف يتصاعد، حال العراق بدأ يتشابه مع سيناريو سوريا. سايكس بيكو ٢ بدأ، لا نفهم الحاصل حتى تأخذ الموجات الإسلامية صورتها الأخيرة، أخشى ما نخشاه النفس، حبلي قصير نفسي اقصر، لا تأقلم مع مجتمع يخدع نفسه. التغيير قادم لا محالة، الرهان على شكله مداه درجة تأثرنا منه.

يبقى الجوهري في هذه الرواية العاطفية العلاقة العقلية العالية بين أبطالها، على رقعة حرب أخوة، في بلاد تفقد نخبة متعلميها إحداثياتها، إحداثياتهم. حرب على تخوم أول عقد من القرن الحالي المتنور هي الأشنع في تاريخ البشر، امتدادها نقيضها نراه في الأدب، في هذه الرواية، في تلك العلاقة الفريدة في غرابتها في رفعتها، على واقع كان من أرقى المراكز الحضرية في العالم.
سؤال يتسلل إلى قارئ نبيه: أولئك الأبطال الثلاثة على مستوى عال من التعليم، الرقي العاطفي الفكري، رمز شعبين، لماذا الحرب الهوجاء في منطقتهم، لماذا الانخراط فيها، مَن يشعلها، لماذا؟! الرد قد يكمن في قلب السؤال.. لأنهم على ذلك الرقي يُراد لها أن تنشب هنا.. تخريب حياتهم، منطقتهم، إخراجها عن منافسة.
الرواية ممشوقة مشوقة إلى نهايتها، لها تقاطعات تلتقي عندها اهتمامات خاصة مع العامة..
أمامنا سمفونية عواطف منظومة كلمات..
مايسترو يقودها، لا نرى وجهه.. في عمقها حكاية استثنائية.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
* عن صحيفة (العالم)

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *