الرئيسية » ملفات » آخر كتاب للراحل “ناظم السعود”
ألمدوّنة ألحادية عشرة اقباس من كتاباتي الصحفيّة (ملف/50)

آخر كتاب للراحل “ناظم السعود”
ألمدوّنة ألحادية عشرة اقباس من كتاباتي الصحفيّة (ملف/50)

من يمدّ يدآ للصحافة ألأدبيّة ؟!

شهدت ومن قريب واقعة طريفة ( وان كانت مؤلمة في جوهرها ) إذ قام رئيس جريدة يومية بإصدار ملحق رياضي ( ملّون ) يكلفه مبلغا ضخما ويوزع مجانا مع العدد ثم قام رئيس التحرير ذاته بإصدار ملحق أسبوعي خاص بالطفل ( وأيضا ملوّن ويوزّع مجانا ) ! … ولا غرابة هناك لو أن المسؤول يمتلك قدرات مالية وفنية وتحريرية تدفعه لزيادة الملاحق والصفحات بصورة مضطردة أسوة بالمنافسين الآخرين ولكن المؤلم إن يأتي هذا التوسّع على حساب الصفحات الثقافية في الجريدة ذاتها بمعنى أن يقوم المسؤول بتقليص المساهمات الفعلية ( المحلية ) بحجة الصعوبة المالية في تدبير الأجور والمكافآت ويقوم بإملاء الصفحة المخصصة بما تجود عليه شبكة الانترنت ( المجانية ) بما كبر حجمه وقلّت فائدته !..
طبعا لم يتخذ المسؤول المذكور قراره الآنف ألا بعد مشاهدته العيانية لما تقوم به صحف ومجلات نظيرة من استهانة و ونظرة قاصرة وتعامل فوقي للعمل الصحفي الثقافي حتى وان أدى ذلك إلى اختفاء الصفحات الثقافية أو شحوبها أو اختناقها تحت ركام الانترنت وأخواتها !، والمأساة تكبر في أن هناك نظرة عامة من قبل أغلب الصحف والمجلات والمؤسسات الإعلامية مفادها أن الثقافة آخر ما يجب التفكير به أو التعويل عليه أو الاهتمام ينصب على الصفحات السياسية والفضائحية والرياضية في حين توارت المساحات المخصصة للثقافة ( وبصورة اخصّ الثقافية الأدبية ) إلى الهامش الصحفي وانزوت في ذيل اهتمامات المسؤولين أو المتربعين على عرش صاحبة ألجلالة !.
ومن أكداس الصحف والمجلات المنتشرة في شوارع بغداد وما جاورها لا تكاد تعثر على صحيفة أدبية أو صفحة تعني بالثقافة الأدبية تحديدا مع أن العراق مّر في عقود سابقة بازدهار حقيقي وطفرات نوعية بالصحافة الثقافية ومنها الأدبية حتى لم تكن هناك صحيفة أو مجلة دون أن تفسح مجالات محترمة للقسم الثقافي الأدبي تظهر من خلال الكتابات والنصوص والنقود والأسماء الجديدة التي تفعّل الشريان الثقافي العام ويمكننا أن نقول بثقة لا تعوزها الدلائل أن عقد السبعينيات في القرن الماضي شهد نضجا ثقافيا قل نظيره حين تبارت الصحافة يومها بالتنافس على الصحف الأدبية والملاحق المتخصصة بالضبط كما تفعل الصحافة اليوم وهي تصدر الملاحق الملونة لصالح عيون ( رونالدو ) و ( نانسي عجرم ) !!
ولكن الكوميديا العراقية التي شهدت تحولات خرافية في المناخ العام وفي النفوس وصعود أطياف جديدة على المسؤوليات بلا مؤهّلات تذكر ( ألا ما أعطته الدكاكين وزكّته الجيوب ) ! هذه التطورات المتلاحقة بما فيها من فجائع ومحن وانقلابات ألقت بظلالها الراقصة على ساحات صاحبة ألجلالة فأعلت أقدار فنون معينة ودفعت فنونا أخرى إلى السفح أو المنحدرات السريعة وهكذا كان نصيب الصحافة الثقافية ( الأدبية تحديدا ) أن تنزوي بعيدا عن اهتمام الملاكين الجدد وأصحاب القرار الصحفي حتى بتّ شخصيا أخشى إن تنقرض هذه الصحافة كأحد نتائج النظام العالمي الجديد !.
ولو مررنا سريعا على ما يصدر اليوم ( وقد تجاوز المائتين عدا ونقدا ) لا نكاد نرى وجودا بارزا للصحافة الأدبية المغضوب عليها فليس هناك ملاحق على الإطلاق تعنى بالشؤون الأدبية وحتى الصفحات اليومية الأسبوعية المخصصة للثقافة فأنها في اغلبها تهتم بجوانب وأنشطة فنية ومعمارية و ( كليباتية ) وهناك متسع دوما للمشاريع الفكرية والأيدلوجية وهذه الأنشطة تتسلّق غالبا من مواقع الانترنت والصحف العربية والعالمية وأيضا المحطات التلفازية والأرضية والسماوية .
ومن الغريب إن لا تفكر جهة واحدة ( رسمية ) أو ( غير رسمية ) بإصدار جريدة متخصصة بالأدب وفنونه لتحاكي ما يجري من نشاط وفعالية في الوسط الأدبي العراقي والمعروف انه من أنشط الأوساط الأدبية العربية والقارية وقد بادرت ( دار الأديب للطباعة والنشر ) في الأعوام الأخيرة مشكورة بإصدار جريدة يتيمة بعنوان (الأديب) كان يفترض إن تخصّص للنشاط ألأدبي لكنها بحكم القائمين عليها تحولت إلى أغراض أخرى واهتمت بالنتاج العربي والعالمي والمستجدات في الحقول النقدية والقرائية أكثر من اهتمامها بالشؤون الأدبية في العراق وهذا ما قلّص فرص الإفادة منها وجعلها محصورة في بيئة خانقة ولدى شريحة قرائية محددة وسوى هذه المبادرة اليتيمة لم نجد أي استذكار للصحافة الأدبية والمخاطر الحقيقية التي تدفعها إلى مصير منتظر !.
وفي أوائل العقد الثمانيني كنت أقيم في العاصمة المصرية ( بقصد الدراسة ) وطوال سنة وربع تابعت يوميا ما يصدر هناك من صحف ومطبوعات تلاحق أنشطة الحياة المصرية وكان للصحافة المصرية شان مرموق في ما يصدر من صحف وملاحق متنوّعة وقد خرجت بنتيجة تأكدّت لي فيما بعد إن الصحافة في مصر تفتقد إلى كوادر تحريرية متخصّصة في الوقت الذي ترتقي به فنيا ،إما عندنا في العراق فالأمر معكوس إذ إن الحركة الأدبية الموّارة بالجديد تنتج دوما كوادر متخصصة في التحرير والمتابعة والخبرة لكنها تعاني من نقص خطير في إصداراتها وفي الجوانب الفنية والطباعية والمالية المساندة إليها .
تلك الحقيقة التي خرجت بها من العاصمة المصرية قبل ربع قرن تقريبا تكاد تعود اليوم بقوة بحكم الواقع الفقير والتبدلات الحاصلة في النظرة إلى الصحافية الأدبية حتى ما كدنا نخرج بحصيلة ناطقة وعاكسة للحقيقية الأدبية في العراق ،غير أن هذه الحقيقة نفسها تدفعنا إلى الإشادة بالخطوة الرائعة التي أقدمت عليها الزميلة ( البلاد اليوم) منذ أعدادها الأولى حين خصّصت اهتماما استثنائيا بالنشاط الثقافي والأدبي -المحليّ بوجه اخص- وكان الزميل هادي الناصر ناشطا حقيقيا في الحركة والبحث عن الأقلام العراقية الجادة واستكتابها وهذا ما جعل لصفحته الثقافية تميزا غير منكور.
وأريد أن انتهز فرصة كهذه لأوجّه نداء أو استغاثة للزملاء في ( البلاد اليوم) ومنهم أسماء كبيرة في الصحافة العراقية مثل : طارق المعموري و جبار طراد الشمري بأن يؤسّسوا خطوة ريادية لم تقدم عليها أي صحيفة أو مجلة عراقية منذ سبعينات القرن الماضي واعني بذلك إصدار ملحق أدبي ( اكرر ملحق أدبي) يوزع أسبوعيا مع الجريدة وسيكون له صداه وتفرده وريادته راهنا وقادما ،ولي يقين أن هذه المبادرة الصحفية الثقافية غير بعيدة عن خطط الزملاء في الجريدة وهم أهلآ لإخراجها إلى منطقة النور.. ولو حصل هذا فسيكون مصداقا للمسؤولية الصحفية والوطنية التي تدفعنا دائما إلى المطالبة الدائمة بضرورة الانتباه إلى ما تعانيه الصحافة الأدبية من جور ونظرات دونية من بعض المتكالبين على سندتها حتى لا يأتي يوم قريب أو بعيد نقول فيه بحزن سلاما ….. أيتها الصحافة المنقرضة!! !

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *