الرئيسية » ملفات » قصي الخفاجي : كلبيّات

قصي الخفاجي : كلبيّات

إشارة:
جماعة “البصرة أواخر القرن العشرين” جماعة فريدة ليس في تاريخ السرد العراقي فحسب بل في تاريخ الأدب العراقي عموما. فهي لم تكن “الجماعة القصصية” الأولى في تاريخ العراق فقط بل كانت مشروعاً تثويرياً في النظرة إلى دور السرد خصوصا في واحدة من أخطر المراحل التي عاشها العراق بانعكاساتها الهائلة على رؤية الأديب ورؤاه. اقتنصت هذه الجماعة الإمكانية العظيمة لفعل الكلمة المقاوم حبن ترتدي أثواب الفن الباهرة فيمكنها أن تكون ماسة تلمع وتقطع في الوقت نفسه. وإذ تنشر أسرة موقع الناقد العراقي تراث هذه الجماعة وما كُتب عنها فلأنها “ظاهرة” تستحق الدراسة لاستنباط دروسها. تحية لجماعة البصرة أواخر القرن العشرين. ويهم أسرة الموقع أن تتوجّه بفائق الشكر والامتنان إلى الأديب الأستاذ “محمد عبد حسن” مؤرّخ هذه المجموعة وواحد من المساهمين المهمين فيها لأنّه زوّد الموقع بأغلب نصوص هذا الملف.

كلبيّات
قصي الخفاجي
بين وهم أخرق وحقيقة خاطفة وجد نفسه عائدا في عتمة الظلام المدلهم إلى المدينة التي صدعتها مطارق الحرب وهرب أهاليها إلى بقاع الله الواسعة. كان ذلك في يوم شتائي حزين؛ حين فرّ من الخنادق الأمامية. وغزتْ فكره جراثيم الهزيمة، وصار مطلوبا للعدالة.. فلاذ متخفيا داخل المدينة المهجورة التي ضمتّه بين جدرانها العتيقة أثناء تسلله ليلا وراء المخافر والسيطرات.. ولما عبر الأرياف المدمّرة إليها اختفى في بيت الأهل القديم… (كانت في جعبته زجاجة خمر معتقة – وهو حين يحاذر، ينصت برهافة لكل حركة، ولكل نأمة تأتي من أعطاف الدرب القديم.. أنامله المرتعشة ما فتأت تمسك عنق الزجاجة المضبّبة – إذ ظلت عيناه تغمدان نظراتهما القلقة عبر النافذة المفتوحة على قلب الشارع الخالي -،، وفيما السماء الرمادية الباردة كانت تنحني ببطء شديد، وتكاد تطبق بقوة على أسطح البيوت الحجرية الوطيئة، كان هو يركز نظراته القلة على الدرب المتعرّج الذي يفصل المدينة المظلمة غلى قسمين -،، كل ذلك بسبب الخوف القاتم الذي يشلّ دمه ويربك عينيه.)-
وكانت دبابيس الحذر الأسود تغرز رؤوسها الحادة في مسام جلده الناعم -، ويُخضّبه دم الترقب الذي يعاوده كل ساعة، وكل دقيقة – لذا تراه يطيل وقفته المسمّرة على دكّة الباب الإسمنتية ويأخذ منه الضجر الفاضح كل مأخذ – عندئذ يتوثب في أحشاء الظلمة، ويخطو صوب النافذة المفتوحة – في كفه كأس زجاجية مشجرة – ومع كل رشفة لاذعة تنمو رعشة الذهن الطليق، وتطوقه بأذرعها الأخطبوطية.. كان يرتبك حين يراها بقاماتها العالية شاخصة على مدخل الدرب – ضخمة، كأنها عجول أمزونية، بألوان حمر داكنة، ذات شعور طويلة -، وجذوع مستطيلة بانحناءات رخيّة ترتكز على قوائم رفيعة ومستدقّة – تغلظ تحت البطون، وتستدق عند المخالب -،، رآها تحاصر قطة كبيرة، وسط المزبلة، لونها دخانيّ، أسود، وتبدو مكورة، تنفخ بانفعال كلّما ضاق حولها الحصار.. الكلاب تنقل قوائمها الطويلة وتزأر بثبات – ثم تنقضّ بحركة دائرية على القطة السوداء -،،، ظلّتْ عيناه تطرفان ولا تصدقان ما يجري، شرع يمصّ جرعة قوية ويتراجع داخل الغرفة – تبدو السماء مغلولة بأرياش الأثير الفاحمة التي تهمي سريعة فوق السطوح المكشوفة.. وصوت القطة الفاجع يتدفّق في الفضاء متقطعا، يخذله / ويتشبث بالنافذة – الدائرة تضيق – ومواءاتها المشحونة بأنفاسها المخنوقة تختلط بدمها المسفوح على سطح التراب – يرفع الكأس إلى شفتيه – ثمة حركة شاقولية عنيفة – يهجس عظامها تنسحق وتتكسر تحت أرجل الكلاب الضاغطة.. السماء – السماء تزحف إلى حافات الظلمة المتخثرة. ولون الهواء الرتيب الأغبر يبقّع صفحة التراب الرمادية — لم يكن في حياته قد رأى كلابا تفترس قطة حية وتأكلها — إلا أنه استدرك الموقف حالا:- المدينة خالية، وصناديق القمامة شبه فارغة، وأنساغ الهواء تتغلغل في مفاصل الدروب الموحشة. تكشف الخواء والهجران، عبر المرايا الليلية الهابطة على طول المدى الفسيح..،..
* * *
يكرع بقايا كأسه. يتجشّأ. العينان تتوهجان، والرأس المنفصل نابت في عتمة التراب. يهجس بقايا الشعور المدماة بالخليط الأحمر الداكن، لصيقة بوبر القطة السوداء النافقة. أجفل. وقاء. وصبّ الخمرة في الكأس. وكان الرأس المقطوع يتدحرج صوبه مثل كرة منفوخة. العينان تطلّان على النافذة، كأنّها تتضرعان إليه، بالشعاع المتألق، وسط الظلمة الكثيفة – تضيئان – ولا تنطفئان تضيئان – تضيئان ولا تنطفئان..
(بحذر دقيق – يخطو – والزئير النحاسي يختلط بقضمات أفواهها الشرهة، ثمة، خيط يتعرج ناميا، كثيفا، وحالكا – هو دمها المسفوح على التراب الراكد.. ثمة لطخة، أو، لطخات بحجم الخرق الحمر الملفوفة في المزابل تمّضخ الشارع المعتم بكثافتها الفجة.). يمصّ خمرته بعصبية تشعل له جوفه المستعر – فلا يصدّق ما يجري. لا يصدق حين مرت الثواني المفجعة وظل يتأمل العينين المشعتين: كانتا حزينتين بشكل منقطع النظير – فيها شجن وعتاب ولوعة – هكذا تصورهما تسلطان عذابهما عليه بانغرازهما المدمّر على روحه المنهارة -،، ترك الكأس على حافة النافذة ورفع عينيه الساهمتين صوب الظلمة المفروشة على جادة السماء المفضضة بلطخات النجوم البارقة.
* * *
إيقاع برد الليل المتوتر – وصدى القذائف البعيد يتناهى إلى سمعه -،، وراء الدرب مسافة خلاء تتوازى عبرها مجاري المياه المفتوحة على ضفة النهر – الفراغ الرصاصي يفضي إلى جسر حجري قديم – (صبّ له خمر كثيفة، يتدفق جمرها في الكأس المستعرة على حافة النافذة. شرع يرشف والشعاع الأخضر يبرق في الهواء – والخيوط اللامرئية تتغلغل في عينيه الحالمتين – آ آ، هنالك تذكر، وهو يخطو، فوق سكة الحديد القريبة التي يمر عليها قطار البضائع، ذلك الشعاع الذي يخلّف بريقا خاطفا، حادا، حين تنهي الكلاب بقايا الفريسة وتترك الرأس ملطخا ببقع الدم -، ثم تنسحب وراء الخط المنحدر في غابة الظلام.).
ثمة أصوات مخيفة بدأت تنخر، وتقترب، وتتغلغل في الدروب، صداها يمرّ مرعبا داخل الفراغ الموحش الذي يكبر في الظلام -، خرج إلى الشارع، رأى دراجة هوائية سوداء يقودها فتى نحيل – تذكره في الحال – إنه يسكن في الفرع، من نفس المحلة. كان يرتدي قميصا أبيض. وبنطالا رماديا – أحيانا يلمحه يخطف من خلف النافذة، بين فترات متقاربة – تأمل الوجه المنضغط على شكل مثلث ذابل، والشعر القصير الأجعد والقامة القصيرة، غاية في النحافة – آ – ثمة ود، خفي، يكنّه له، ولا يدري، لا يدري لماذا؟ نقل خطاه سريعا، وصاح وراءه بصوت مسموع:-
– أيها الولد – يا هذا، نسيت اسمك، أنت، يا ابن الحاج سعود. أتسمعني؟
تلفّت الآخر، آه، نعم أسمعك. وأوقف الدراجة السوداء، حين لمح عينين حذرتين في انتظاره.
ابتسم الفتى بلطف: آه، فعلا – أنت مؤيد بن الحاج سعود.
– من بقي من الأهل؟ أعني هل هاجروا كلهم؟ ثم ماذا تعمل هنا؟ أمجاز أنت؟
ارتبك الفتى وسوّر نفسه بأهداب الصمت -،، ثم تدارك ذلك الإحراج بسرعة:
– أعني هل أنت وحدك في البيت؟
حارا كلاهما. ووقفت مسافة الصمت بينهما:- أنا أيضا وحدي. إنك حتما تعرفني؟
– نعم أعرفك – أنت حسين بن گزار صديق أخي كاظم – ألا تعلم ما حلّ به؟
– لا.
– قتل في الحرب، وماتت أختي الصغيرة بشظية غادرة. ورجل الأهل / كلهم رحلوا.
حلّتْ ساعة صمت واضطراب وأسى – وأدرك حسين مبتغاه – وأخذ مؤيد حذره:
نحن أهل قال. سأخبرك عن أي شيء يحدث هنا. لا عليك. هناك أشياء خطيرة. أنا أيضا مثلك أرقب المكان. وقبل أن يركب الدراجة – تطلّعا إليها سويًا:- الكلاب.
* * *
الأضواء الفاضحة تتمدد، وتغزو الدرب. نظراته تسقط على الرأس المقطوع – تنتشر الأضواء وتمسح المكان بقوة. تعرّي الأشلاء المتناثرة. لقد لاذت الكلاب بالفرار – ماذا ألمّ بها؟ تجرّع كأسه على مضض. آ. هنالك سيارات غريبة قادمة، تسلط الأضواء على البيوت، مصّ جرعة ثانية. الأضواء تتدفق – ومعها مكبرات الصوت تخرق جدران الصمت. ثم تتلاشى كأي حلم مخيف.
الظلمة المكتظة تحبو مثل طفل بريء. عاد الشعاع يغزو العتمة، ومرّت الساعات بطيئة وثقيلة. سمع طرقا على الباب، صاح: مَن هناك؟ دخل الممر – والدراجة السوداء تركها قرب الباب. كان قلقا، يلهث. ذائبا كالشمع:
– جئتك على عجل. الأمر غاية في الخطورة. الدوريات تجوب الشوارع. يبحثون عني وعنك.
– كيف؟
– سمعت اسمينا عبر مكبرات الصوت.
– ها. ها . أنت واهم
– أنا حذرتك يا حسين. سأذهب للمقبرة. تعال معي. لا تبق. حذار. حذار.
– – – – – – – – – – – – – – – – – – – – – – – – – – – – – – – – – – – – – – – – – – – –
صبّ الخمرة من جوف الزجاجة. امتلأت الكأس للحافة. الخمرة صافية وراكدة في القعر. شرع يتأملها. أحس خدرا في الساقين. ووهنًا في القلب. وابترد صدره وكفاه – ثم رفع الكأس إلى شفتيه، فدار العالم حول عينيه. ودارت الظلمات، والبيوت، والنجوم، والأفلاك ،،، ووو – رشف قليلا بتراخ، حينئذ غاص ذهنه في غيمة الوسن التي كانت تكبر مع المدى الفسيح–،–،–
– – – – – – – – – – – – – – – – – – – – – – – – – – – – – – – – – – – – – – – – – – – –
– – – – – – – – – – – – – – – – – – – – – – – – – – – – – – – – – – – – – – – – – – – –
دخل المقبرة من بابها الرئيس. صاح به الحارس: أترك هويتك يا ولدي -،،، كان الظلام دامسا – والريح تهفهف، متماوجة، فوق شواهد القبور.
– في المقابر أيضا يطلبون الهويات؟
– التعليمات تقول هكذا.
– أخشى فقدان هويتي.
– سأعيدها إليك.
– لا. لا. لا أعطي هويتي.
سجل الحارس على ورقة صغيرة المعلومات التالية :-
حسين گزار
تولد 1952
محل الولادة: البصرة – مدينة الزبير
– – – – – – – – – – – – – – – – – – – – – – – – – – – – – – – – – – – – – – – – – – – –
في قلب الظلمة الموحشة رأى مؤيدا ينتظره على دراجته الهوائية. قال:
– قفزت من السياج أنا والدراجة. إني شديد الحذر. وأشكّ في الحارس.
– سجل اسمي وتولدي.
– لأنك مجنون.
صارا يخطوان فوق تراب المقبرة الواسعة – حينها مرّت ظلالها السريعة فصاحا سوية:- الكلاب!–،.. تختفي في العتمة البعيدة على هيئة قطيع متناسق، وتترك خطواتها المتلاشية وراء السياج.
– تعال معي أريك قبر أخي كاظم.
(سرتُ وراءه. وصلنا منخفضا جافا قرب الحافة الجنوبية. قرأنا سورة الفاتحة قرب الشاهدة – وبوغتنا بجرو أسود صغير يخرج من وراء القبر. اقترب منّا وهزّ ذيله القصير. تطلّع مؤيد إلى عينيه، وانخذل، وارتعد – صاح بجنون وحماقة: هذا أخي كاظم. تأمّل عينيه. هل رأيتهما إنّه كاظم.
ترك الدراجة السوداء وهرب.).
لهث حتى تقطّعت أنفاسه. كان قد غاب في الظلام – قهقه حسين عاليا: مجنون حقيقي ومسكين.
* * *
من خلف سياج المقبرة الشمالي تسلّلت الأضواء، تُدهم العتمة. كان يسلطون بروجكتراتهم الهائلة التي تفضح الزوايا الموحشة – غاصتْ قدماه خفية في التراب الهش. وشرع يزحف سريعا إلى قرب مفتوح ومهدّم.. استقرت قدماه في العمق المظلم، وتشبّث بشيء صلد / الضوء يغمر المكان. وهو يرقب حركة الضوء، وحين يتلاشى، يطلّ سريعا، سريعا، سريعا، برأسه القلق، وفرائصه ترتعد داخل القبر..،.. تحسّس شيئا صلدا تحت القدم اليمنى (إنك يا حسين لا تدخل القبر مرتين – فأيّكما الحي، وأيّكما الميت – أنت أم هو -، لكن في القبر حجارة وعظام وهواء فاسد وفراغ – الآن، أنت الدفين – إذا أنت الميت يا حسين، لأنك جبان / -،،لا، لا، لا، لست جبانا، أنا حي، حي يرزق،…).
– – – – – – – – – – – – – – – – – – – – – – – – – – – – – – – – – – – – – – – – – – – –
– – – – – – – – – – – – – – – – – – – – – – – – – – – – – – – – – – – – – – – – – – – –
مرت ساعات الليل، بطيئة. زحف بحذر إلى تابوت قديد ومحطّم. سحبه إليه ثم أضرم فيه النار – عيناه تتطلعان، يغمرهما الدفء اللذيذ – ثمة نجمة الصباح المتألقة على حافة الأفق المظلم مثل حمامة فضية. اقترب الحارس من النار – لا تخف يا ولدي، وإن جئتُ بطريقة غير لائقة..
ترك كفيه فوق النار، وقال:- سألوني عنك يا حسين. أنت هارب. توقعتُ أنك ضعتَ بشربة ماء.
– أين اختفيت؟
– ………….
– لم أجبهم حين سألوني عنك. صدقني يا حسين. تعبتُ من لقاء الموتى. مرَّ زمن، طال، ولم أرَ شابا يدخل المقبرة حيا – كلهم يا ولدي في التوابيت يجيئون. عد إلى أهلك فورا، وحاذر أن تقع في الكمين، وتموت ميتة رخيصة، اذهب في أمان الله.
* * *
وعاد حسين گزار أدراجه إلى البيت، حذرا، قلقا، خائفا – عبر المنعطفات المظلمة، والتعرجات الموحشة والزوايا المنسية… وصل إلى مشارف المدينة الخالية. رأى من بعيد، فوق عمود من أعمدة الكهرباء، كلبا معلّقا، دنا منه. رآه ذابلا، منهارا، في أنفاسه الأخيرة، تسقط من أسفله قطرات الدم وبإيقاع رتيب، وحزين… تب. تب. تب..، ..،..،..
تمهّل قليلا وتطلع إلى عينيه. وبحشرجة نابحة. قال – قف، لا تتحرك. أنا مؤيد بن الحاج سعود، وقعت في كمينهم، قبل ساعات، ونفذوا بي حكم الإعدام بالرصاص. لم يرسلوني إلى العالم الآخر. مسخوني إلى الأبد – وأرادوا جعلي كلبة تطفئ شبق الكلاب الممسوخة. رفضتُ ولا زلتُ أرفض، لذا قطعوا عضوي وغرزوه في مؤخرتي – هل تراني؟ ودمي يسقط، يسقط، يسقط / سأصير حجارة، إلى أبد الآبدين، صنما، مرميا، في درب مهمل، وداعا – ولا تجعل مصيرك مثلي، ومثل أخي كاظم، الذي هرب من المعركة، وخان الوطن – عد إلى الخنادق يا حسين، ودافع عن تراب الأرض – لا تمكث هنا. سوف تموت مثلنا نحن الذين غادرت أرواحنا – أمنا الأرض، الأرض، الأرض، الأرض، الأرض، الأرض، الأرض، الأرض، الأرض، الأرض الحبيبة – – – – – – – – – – – – – – – – – – – – – – – – – – – – – – –
– – – – – – – – – – – – – – – – – – – – – – – – – – – – – – – – – – – – – – – – – – – –
أأدخل من بوابة جهنم؟ أين اذهب؟ وتحسس أذنيه، فلامست كفه، جراثيم الهزيمة والإنخذال .. اتجه إلى غرفة الاستقبال وتملكه إحساس طاغ باليأس والرعب – تلفت والشعاع القادم من المزبلة يشرخ أعماقه المنهارة. صبّ له خمرة طفحت بها الكأس – تجرعها بقوة، هفهفت روحه، وانشرخت، وأسرع يحث الخطى نحو المرآة المستطيلة وسط الحوش لمح شعره أشعث، وعينيه محمرتين – دخل الحمام. وحلق ذقنه، وشاربه، وغسل شعره وجسده بالصابون – ثم خرج عاريا، بجسده البرونزي، يقف أمام المرآة.. ارتدى ثياب أخته الداخلية، ووضع أحمر شفاهها على شفتيه، وخط بقلم الكحل جفنيه – وتأمّل شكله جيدا. حين أدار ظهره ورقبته إلى المرآة، رأى ذيلا قصيرا ينبت فوق مؤخرته – وجعل ينبح : حو حو حو -،،، أنا حسنة، حو ،،، أو حسونة بنت كزار. حو حو – صرت كلبة، حو: أجمل كلبة : حو حو …،…، …، …، …، …، …، …، …، …، …، …، …، …، …، …، …، …، …، …، …، …، …، …، …، ..،
تشبث بالنافذة، وتطلع إلى عيني القطة المشعتين -،، تجرع بقايا الكأس ،،- ونقل نظراته الحيوانية إلى الأفق المظلم حين هتف في أعماقه هاتف غريب: كلّ ما هنا لك – في الأرض الجماجم والرب في الأعالي. فأذعن للمقسوم يا حسين، أذعن ، أذعن، أذعن، …، ..، ..عو عووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووو
– – – – – – – – – – – – – – – – – – – – – – – – – – – – – – – – – – – – – – – – – – – –
– – – – – – – – – – – – – – – – – – – – – – – – – – – – – – – – – – – – – – – – – – – –
في عتمة الشارع الخالي. وصدى القذائف المستمر، تجمّعت الكلاب الحم التي استيقظت فحولتها واشتعل شبقها حين رأتها بطغيان أنوثتها تفرز رائحة رطبة، متخثرة، ومسكرة – شرعت تتشمم، وتتمسح بأطرافها وتلعق مؤخرتها، ثم وتّرت أذنابها وقادتها إلى نهر المدينة العريض، وهناك اصطرعت في عراك محموم ودام من اجل الفوز بها -، حو ، أيّهم ينالها أولا، حو.. حو.. (حسنة تتغنج بتمنعها، وقد نجح باعتلائها كلب أحمر، عملاق، ورشيق، ذو عضلات قوية – رأسه مصفّح، ذو لبدة كثة ذات حمرة قانية -، شرع يغرز مخالبه الباشطة في كتفيها الممتلئتين -، وفيما هو يرهز، ويتوتر، ويسفح فحولته العنيفة: حوووو- م م م م م م م، م، حو، حو، م، … ترجّل ومسح شعره الأحمر المتصلب، بشعرها البرونزي الجميل، ثم غابا معا في نوبة عناق طويل طويل، يتشممان ويقبل بعضهما بعضا بألفة عالية وحنان جم ،،، قالت له: ما حكايتك أيها العاشق الجميل؟ -وراح يسرد لها قصة حياته -1- أنا جبر مگطوف السعدون – ولدت عام 1949 في قضاء شط العرب، لعائلة، بائسة ومدقعة – تركت خنادق القتال، وعدت إلى أمي وزوجتي – لا أكتمك السر – كنت جبانا بالفعل – لأنني خسرت حياتي وسمعتي، حيث ألقي علي القبض ليلة 29/11/1980 ونفذ بي حكم الإعدام رميا بالرصاص لخيانتي العظمى للوطن -، ولم أرسل إلى العالم الآخر، إنما مُسختُ مسخا حقيقيا، وصرت كلبا، سائبا، أجرب،.. هائما في دروب المدينة …،، وفجأة ابتعد وغاص ليغتسل في ماء النهر العريض.
– – – – – – – – – – – – – – – – – – – – – – – – – – – – – – – – – – – – – – – – – – – –
وما أن سنحتْ فرصة حلوة للاسترخاء، واسترداد الأنفاس، حتى حكّت مؤخرتها بإقعائها على الأرض / وزحفتْ ببطء ثم اعتلاها كلب آخر، متوسط الحجم، ذو حمرة فاترة وشعر وفير مرسل، وعيناه بنيتان حزينتان – حو،،، كان يعلو، حو،،، ثم يسقط، ويعيد الكرّة، حو – تريّث قليلا وأعاد الكرّة – حسنة تحني له مؤخرتها، وتسلس له القياد – يعلوها ويسقط. فتدهمه بعظّة جارحة، وهو يعوي عو، عوو، عووو-، ودمه يسيح على رقبته – تتلفّت إليه، وتحنو عليه، وتقبله وتلعق قطرات دمه وتتشممه – تعال – تعال – تعال أضمّك إلى صدري – يتمرغ في التراب ويقبل قوائمها ويعوي، بحزن، وانكسار، وذل، ترفعه إليها، ليأخذ طريقه، وقد شرع يحكي لها قصة حياته الحزينة -2- أنا سمير عبد الرزاق ولدت عام 1950 في مناوي باشا قرب العشار – تركت ميدان القتال بجبن وانخذال – لأني أحب الحياة – وعندي زوجة آية في الجمال – خفت عليها من الخيانة والسقوط. ألقوا علي القبض في أحضانها – ليلة 3/2/1982 – ونفذ بي حكم الإعدام رميا بالرصاص لخيانتي العظمى للوطن -،، ولم أرسل الى العالم الآخر، إنما مسخت، – صرت كلبا، سائبا -، هائما في دروب المدينة …،، وفجأة ابتعد وغاص ليغتسل في ماء النهر العريض.
– – – – – – – – – – – – – – – – – – – – – – – – – – – – – – – – – – – – – – – – – – – –
تدفقت ثلاثة كلاب، رفيعة القوائم، عالية الظهور واصطرعت في عراك دام محموم – كل يريد الفوز برضاها – حينها شب أقواها، وأعنفها في وثبة عملاقة وأمسك عنقها بمخالبه وعض أذنها اليمنى وشرع يعتليها، وهي تعوي وتموء كالقطة الجبانة م م م م، م م م م، م م م م، ثم زمجر فاستجابت له وأفرزت روائح أنوثتها الكلبية ذات الخليط الغامض من الزفرة الحريفة والخثرة النحاسية المسكرة. وشعشعت رطوبة الشبق اللاذعة -،، والتفّا، وتعانقا، وهاما عشقا وانتشاء – ثم شرع يقص عليها حكاية حزنه وعذابه -3- أنا هشام بهلول السعد – ولدت عام 1953 في منطقة النهيرات بقضاء القرنة – تركت الدراسة الإعدادية وانتظمت في صفوف حركة سرية تحترف حرية الفكر والتفاني من أجل الحقيقة والدعوة للسلام – غصت حتى أذنيّ في نشاطها ومسعاها – وحدثت الحرب وذهب مسعاي أدراج الرياح – رأيت الجماعة كلها تحمل السلاح وتذهب إلى الخنادق – تزلزلت قواي أكثر حين سمعت أنهم ماتوا كلهم فأحسست أني متُّ أيضا -. ولذا تخفيّت في سرداب مظلم – وشرعت أقرأ بنهم على ضوء شمعة تاريخ العالم ومصائب الشعوب…، ..، .. وذات ليلة باردة دهموا وكري ووقفوا على رأسي وقالوا – جبان وخائن واخرق من لا يعرف تاريخ بلاده ومصائب شعبه – صفعوني على رأسي بأخامص بنادقهم وأخرجوني معهم داميا إلى الشمس التي نسيت لون صفرتها فرأيت عشرات التوابيت المحمولة على ظهور السيارات ملفوفة بأعلام الوطن …../ صحت أيها الربّ هل حقا كل أولئك من أبناء شعبي قال: عداك أنت أيها الخائن، فكل أولئك أبناء هذا الشعب… بكيت بكاء مرًّا وصرخت: وطني أيها الوطن الجريح – هل أنا خنتك يا وطني؟
نفذ بي حكم الإعدام رميا بالرصاص ليلة 4/9/1985 – ولم أرسل إلى العالم الآخر – إنما مسخت وصرت كلبا سائبا هائما في دروب المدينة -، وفجأة ابتعد وغاص ليغتسل في ماء النهر العريض.
– – – – – – – – – – – – – – – – – – – – – – – – – – – – – – – – – – – – – – – – – – – –
استعد الكلبان للاصطراع – غزت نظراتهما دخيلة أعماقهما – فلنصطلح – فتحابا واصطلحا واتفقا على المناوبة. تقدم إليها الكلب الأنحف والأطول، بشعره المجزوز القصير – وظلّ يلهث، غير مصدق أنه يعتلي العرش – كان يبدو على ضعف في الثقة. انحنت له حسنة بعجالة، فأسرع يغزو لحمها المترجرج والمنفرش كالوسادة الثرة، والفواحة بطيب عطرها الأنثوي. قالت اختصر الطريق. فشرع يسرد لها قصة حياته التافهة -4- أنا عبد الحافظ سلمان – ولدت في قضاء الفاو عام 1961. لذت بنفسي مهزوما منها شر هزيمة. وهربت من جبهة القتال ليلا – ولم أكن قد تجاوزت مؤخرات القطعات حتى القي علي القبض ونفذوا بي فورا حكم الإعدام رميا بالرصاص – كان ذلك بتاريخ 8/1/1987 حيث تركت زوجتي بالنفاس – إذ أنجبت لي طفلة، صارت يتيمة تركتها أمانة في ذمة الله والناس والوطن، وشرع يبكي بكاء مرًّا، وعنيفا. ثم خارت قواه وخذله كبرياؤه وهو يصيح بصوت نابح: صرت كلبا، سائبا، هائما، في دروب المدينة – بعد ذلك أخذتْ بيديه وقادته إلى ماء النهر العريض ليغتسل…
وعادت سريعا، لتفتح ذراعيها للكلب الثالث – ثم قالت كفى، أنت آخر العشاق العرسان – تعال – تعال – تعال أريك بهجة الحقيقة وعنفوان البكاء – قفز عليها، وكان مترددا أولا – وهو قصير الشعر أيضا، ووسيم الشكل، وله قوائم رفيعة – التحم معها وهو يسرد لها قصة حياته الأتفه… -5- أنا حيدر غازي – ولدت عام 1965 بالجمهورية – ولم أكن أعرف القراءة ولا الكتابة. كنت أعشق الرياضة حدّ العبادة. رأيت في جبهة القتال القذائف والصواريخ تمحو القطعات والدروع. ولمّا كنت صغيرا وقليل التجربة جننت وتركت الميدان – استحال عليّ البقاء في البيت والمحلة. عملت في منزل للعاهرات. أغسل ثيابهن وأكنس الحجرات، ثم وشى بي أحد القوادين ليلا وألقي القبض علي ليلة 7/8/1988. قال يل ضابط المفرزة: أيهما أفضل: الوطن أم الشرف؟
ولم أكن أعرف الأبجديات الوطنية – فقلت له، لا أدري.. صفعني على وجهي وقال: هذا مصير كل من يتعهّر بالخيانة -،،، نفذ بي حكم الإعدام رميا بالرصاص – ولم أرسل إلى العالم الآخر – مسخت وصرت كلبا سائبا هائما في دروب المدينة.. وفجأة غاص مع حسنة ليغتسلا في ماء النهر العريض…
* * *
جففت الكلاب شعورها، ونقلت نظراتها الساكنة صوب النجوم المعلقة فوق الخيمة المظلمة، حينها انطلق فجأة هدير محركات قادم من مكان مجهول -،،، ثمة دبابات ومصفحات،،، تندفع إلى الأمام، وتتقدم صوب الخنادق البعيدة،، رفعت الكلاب رؤوسها، وتأهبت للرحيل – فتحت أشداقها وعوت عواء جماعيا حزينا ثم لاذت بالفرار -،،–،، هنا، تفتقت السماء عن بروق ورعود وصواريخ عابرة، وطائرات وعادية – راحت تنقض على الدروع الزاحفة – وتساقطت القذائف بغزارة على مباني المدينة المهجورة، فتهشمت، وتلاشت غيمة الوسن الهائلة التي غاص فيها حسين كزار – وأفاق من كوابيسه السود ونوبة سكره الشديدة – وقفز مذعورا، ظامئا، باتجاه النافذة المفتوحة – وما أن أطلّ – على فسحة الشارع الخالي حتى بوغت فقذيفة هادرة تسقط بقوة قرب السياج وتطيح برأسه الذي راح يتدحرج إلى أقصى زاوية في المزبلة الدامية..

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *