طلال حسن : جنجل وجناجل (حكايات شعبية) (9)

المبدع الكبير الأستاذ طلال حسن

إشارة:
يسرّ أسرة موقع الناقد العراقي أن تبدأ بنشر كتاب جديد للمبدع الكبير “طلال حسن” عنوانه “جنجل جناجل” وهو مجموعة من الحكايات الشعبية العراقية ضمن مشروعه المهم عن أدب الأطفال. وقد نشرت أسرة الموقع العديد من الكتب للمبدع سابقاً في غزارة صحّية باهرة لهذه القامة المبدعة الكبيرة التي تُعد ثروة من ثروات وطننا. نهنىء الأستاذ طلال حسن على هذا المنجز الجديد ونتمنى له الصحة الدائمة والإبداع المتجدّد.
الفتاة الغزالة

” 1 “
ــــــــــــــــــــ
خلال غياب الأمير ، الذي سيدوم على ما يبدو ، فترة ليست قصيرة ، فزوجته مريضة ، ولابد لها من علاج مستمر في المدينة ، اعتني الخدم بالقصر ، كما لو أن الأمير وزوجته موجودان فيه .
ولم يعكر صفو الخدم ، في ذلك القصر الكبير ، سوى الضجة التي كانت تتكرر ، بعد انصرافهم للنوم ، كارتطام بعض ألأبواب ، وخاصة باب المطبخ ، وجلبة الأوني والأباريق المختلفة .
ورغم أنني عامل في الاسطبل ، إلا أنني غالباً ما أسهر مع الخدم والخادمات في المطبخ ، أستمع إلى حكاياتهم عن السحر والأشباح ، وهذا ما كان يخيفني أحياناً ، ويجعلني فريسة للكوابيس .
وذات ليلة شتائية باردة ، جلست بين الخدم والخادمات ، أمام الموقد ، الذي كانت ألسنة النار تتعالى فيه ، أستمع إلى الحكايات المثيرة ، لكني سرعان ما غفوت ، ثم استغرقت في نوم عميق .
وعند منتصف الليل ، أفقت على وقع حوافر فوق بلاط المطبخ ، وفتحت عينيّ على سعتهما ، يا إلهي ، أهو حلم ؟ من يدري .
وفوجئت بغزالة فتية ، تسير نحو الموقد ، ودرتُ بعينيّ الخائفتين ، في أرجاء المطبخ ، كيف دخلت هذه الغزالة ، وباب المطبخ مغلق تماماً ؟ لابد أنني أحلم .
وأمام عينيّ الخائفتين ، المذهولتين ، تحولت الغزالة إلى فتاة شابة ، نحيلة ، رقيقة ، في ملامحها مسحة من الجمال الريفي البريء .
لم أتحرك من مكاني ، ولم تلتفت الفتاة ـ الغزالة إليّ ، وإنما جلست صامتة أمام الموقد ، الذي كانت النار مازالت مشتعلة فيه .
وقبيل الفجر ، نهضت الفتاة ، وعادت غزالة فتية كما كانت ، ومضت بخطى هادئة وثابتة إلى الخارج ، رغم أن باب المطبخ كان مغلقاً .
ونهضت من مكاني ، وتنفست الصعداء ، لم أكن أحلم إذن ، وما رأيته كان حقية وليس وهماً ، وبقيت مستيقظاً ، حتى دبت الحياة في القصر ، وانصرف الخدم والخادمات إلى أعمالهم المعهودة .

” 2 “
ــــــــــــــــــــ
لم أرو ما حدث لأحد ، وأبقيته سراً بيني وبين نفسي ، ربما لأتأكد بأن ما جرى ليلة أمس ، ليس مجرد حلم ، بل حقيقة واقعة .
وفي ليلة اليوم التالي ، جلست وسط الخدم والخادمات ، أمام الموقد ، الذي كانت تتعالى في جنباته ألسنة اللهب الدافئة ، أصغي إلى حكايات الأشباح ، التي لا تُملّ ، متظاهراً بالتعب والنعاس .
ومع تقدم الليل ، بدأ الخدم والخادمات يغادرون المطبخ ، منصرفين إلى مهاجعهم ، ولبثت في مكاني متظاهراً بالنوم ، وسمعت إحدى الخادمات تقول : سيمرض هذا الفتى ، إذا بقي هنا ، كما في الليلة الماضية .
وردّ أحد الخدم عليها قائلاً : لينم هنا ، فهذا أفضل من النوم في الاسطبل ، في هذه اللية الباردة .
وأغلق الباب ، وساد المطبخ صمت عميق ، يبدو أن الجميع قد غادروا إلى مهاجعهم ، ولم يبقَ أحد منهم ، لكني مع هذا لم أتحرك من مكاني ، أو أفتح عينيّ ، فلأبقَ هكذا وأنتظر .
لم أنتظر طويلاً ، فقد سمعت وقع أضلاف على أرضية المطبخ ، إنها هي .. الفتاة ـ الغزالة ، لا أحد يمشي هكذا غيرها .
وفتحتُ عينيّ ، نعم كانت الغزالة فعلاً ، وتوقفت وسط المطبخ ، وتحولت إلى فتاة ، كما في الليلة الماضية ، وسرعان ما جلست أمام الموقد .
ونهضت من مكاني ، ووضعت عدة قطع من الخشب في الموقد ، فارتفعت ألسنة اللهب ، وأشاعت الدفء في أرجاء المطبخ .
والتفتُ إلى الفتاة ـ الغزالة ، فنظرت إليّ ملياً ، ثم قالت بصوت مفعم بالحنين : أنت تذكرني بعامل شاب ، كان يعمل في اسطبل القصر .
وجلست إلى جانبها مبتسماً ، وقلت : أنا أيضاً أعمل في اسطبل القصر .
واستطردت الفتاة ـ الغزالة قائلة : لقد قدم لي مرة هدية هدية جميلة ، ، لم أعرف أول الأمر ، من أين أتى بها ، فطرده الأمير ، ونفاه بعيداً ، وعلمت فيما بعد ، أنه مات في بلاد الغربة .
وقبيل الفجر ، نهضت الفتاة ـ الغزالة ، وقالت : الجو بارد جداً الليلة في الخارج .
وتحولت إلى غزالة ، ومضت إلى الخارج ، عبر الباب المغلق ، وهي تقول : إلى اللقاء .

” 3 “
ـــــــــــــــــــ
عند حوالي منتصف النهار ، والخدم والخادمات مشغولون بأعمالهم ، تسللت إلى غرفة سيدة القصر ، وأخذت منها خلسة ، ما ظننت أن الفتاة ـ الغزالة بحاجة إليه ، وخبأته في مكان أمين من المطبخ .
وجاء الليل ، وجلست مع الخدم والخادمات أمام الموقد ، أصغي إلى أحاديثهم عن الأشباح والساحرات ، وكالعادة تظاهرت بالنوم ، حتى نعسوا جميعاً ، ومضوا الواحد بعد الآخر إلى مهاجعهم .
ونهضت من مكاني ، وغذيت نار الموقد بعدة قطع من الخشب ، قبل أن تأتي الفتاة ـ الغزالة ، وفي الوقت المحدد ، حوالي منتصف الليل ، أقبلت الغزالة عبر الباب المقفل ، وتحولت إلى فتاة ، كما في المرتين السابقتين ، وقالت مبتسمة : طاب مساؤك .
فأجبتها باشاً : طاب مساؤك ، لقد غذيت النار ، قبل أن تأتي .
ومدت الفتاة يديها الباردتين أمام الموقد ، وقالت : حقاً ، إن النار فاكهة الشتاء .
ونظرت إليها ، وقلت : وخاصة عند حضوركِ .
وجلست الفتاة ـ الغزالة أمام الموقد ، وقالت : تعال اجلس إلى جانبي .
وجلستُ إلى جانبها ، فقالت : اليوم كنت طوال الوقت متشوقة إلى رؤياك .
وغمرني سيل من الفرح ، فنظرت إليها ، وقلت : وأنا كنت متشوقاً لمجيئك ورؤيتك .
ثم ملتُ عليه ، وقلتُ فيما يشبه الهمس : أحضرت لك مفاجأة ، ستسركِ .
وتساءلت الفتاة ـ الغزالة مبتسمة : مفاجأة ! ما هي ؟ أخبرني .
وأجبتها قائلاً : ليس الآن ، عندما يحين وقت مغادرتك ، ستدفئين رغم برودة الجو .
وانهمكنا في أحاديث شتى ، لا يبدو أنها يمكن أن تنتهي ، فالحديث معها ، مهما كان موضوعه ، مريح ، شيق ، لا يُمل .
وحوالي الفجر ، نهضت الفتاة ـ الغزالة ، وقالت : حان الوقت ، عليّ أن أذهب .
فاستمهلتها قائلاً : مهلاً ، المفاجأة .
وابتسمت الفتاة ـ الغزالة ، وقالت : آه كدتُ أنساها .
وأسرعت إلى المكان ، الذي خبأت فيه المفاجاة ، وأخرجتها بسرعة ، وأفردتها أمامها قائلاً : انظري ، البارحة قلت ، الجو بارد في الخارج ، هذا المعطف الفرو سيدفئك من البرد .
وعلى العكس مما توقعته ، لم تفرح الفتاة ـ الغزالة ، وإنما قطبت ، وقد علا الحزن محيّاها ، وقالت : هذا هو المعطف نفسه ، الذي قدمه لي عامل الاسطبل ، وكان السبب في طرده وهلاكه .
ثم استدارت نحو الباب ، وقد تحولت إلى غزالة ، ومضت إلى الخارج ، وهي تقول : وداعاً .

27 / 6 / 2016

شاهد أيضاً

حوارات مع أديب الأطفال المبدع الكبير “طلال حسن” (3)

إشارة: بين وقت وآخر يتحفنا المبدع الكبير “طلال حسن” بنتاج إبداعي جديد في مجال أدب …

حوارات مع أديب الأطفال المبدع الكبير “طلال حسن” (2)

إشارة: بين وقت وآخر يتحفنا المبدع الكبير “طلال حسن” بنتاج إبداعي جديد في مجال أدب …

إبراهيم مشارة: محمد الأخضر السائحي رائد أدب الطفل في الجزائر

محمد الأخضر السائحي شاعر جزائري من فحول شعراء الجزائر ومن الذين اصطنعوا الشعر رسالة من …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *