علي البزاز: -حبّ من أجل الله- لداميان هيرست ..أغلى جمجمة في العالم تنتصر بالفن

قابيل هو أول قاتل في التاريخ بحسب الرواية الدينية؛ قتل أخاه هابيل ووضع جثته في كيس حملها على ظهره مدّة عام، وعندما شاهد غراباً يبحث في الأرض، تعلّم منه فقام بدفن جثة هابيل. سهّل الغراب على قابيل التخفف من عبء الجريمة وشاركت الأرض في ذلك عندما استقبلت جثة هابيل في اللحد مما شجع الانسان لاحقاً على ارتكاب الجرائم وشن الحروب. الارض والغراب متواطئان مع الانسان في القتل. فإذا كانت الحيّة ملعونة بغوايتها آدم، فالغراب حامي القتل ومتستر عليه يشجع الانسان على كوارثه.
تُعرض في متحف “رايكس” الآن أغلى جمجمة في العالم مرصعة بـ 8601 حبّة ألماسية، فكرة الفنان البريطاني داميان هيرست وتنفيذه: “حبّ من أجل الله”. اسنان الجمجمة طبيعية، أمّا القحف فمن سبيكة البلاتين وقد عمل الفنان على إكسائها بالألماس بطريقة فنية مبهرة ودقيقة للغاية، كأنها تطريز شمل كل اجزاء القحف الذي هو أصغر حجماً من الحجم الطبيعي لجمجمة الانسان. هكذا توحي الاسنان الطبيعية مع القحف المشتغَل عليه منظر الجمجمة. يسلب الموتُ الجمجمة قيمتها الفكرية والاقتصادية انما يمنحها الالماس قيمة اقتصادية غالية جداً وأخرى معنوية وهي دحر الفناء والتغني بالموت بشكل احتفالي فني – اقتصادي نادر، ومن هنا تأتي أهمية هذا العمل الجريء الذي لا يخاف الموت ولا يرهبه بل على العكس يتغنى به، يعايشه ويشتغل عليه يدوياً وفكرياً. لم تتغير منذ آدم فكرة الانسان القانطة والمأسوية عن الموت وظلت تنظر اليه على انه القاهر. يقول جلجامش مخاطباً صاحبة الحانة: “عندما انظر الى وجهك الجميل، أيكون في وسعي الا ارى الموت الذي اخشاه وارهبه؟”. كان الفرعون يُدفن مع مجوهراته ومقتنياته ليواصل حياته في القبر. لم تفلح الاديان في تخفيف خوف الانسان من الموت الذي هو ربما من دعائم وجودها على الارض، اي مواساة الانسان وجعله يتقبل فكرة الموت باطمئنان، وساهم الادب إلى حد ما في هذا الفشل على رغم ما اشاعته ملحمة “جلجامش” من حكمة مفادها أن الانسان ينتصر على الموت بعمله لا بجسده الذي هو فانٍ لا محالة. هذا عزاء فكري ويبقى ضمن المواساة، ينتصر عليه القبر.
في المعرض يجب الوقوف في صفوف طويلة لمشاهدة هذه الجمجمة، ونظراً إلى الاقبال الشديد جرى تعيين شخصين لتنظيم الحشود البشرية. الا يشير هذان الشخصان إلى ملاكَي الحساب منكر ونكير اللذين يقومان بمساءلة الميت حال نزوله إلى القبر، حيث وضعت هذه الجمجمة في غرفة مظلمة محاكاةً للقبر. يشعر الزائر بالخوف والرهبة من عالم الموت لكن الهلع يزول بمجرد رؤية الصندوق الزجاجي وبداخله الجمجمة الألماسية تشع من الجهات كلها. ساهمت الانارة المسلطة من السقف بزوايا محددة هي الاخرى في جعل الجمجمة تعكس نوراً بلورياً يسقط على زجاج الصندوق الذي يلعب دور المرايا في توليد الانعكاس. اصبح الموت المخيف، ألماسياً وغالياً وغير مرعب، وعالمه الخفي المملوء بالاسرار واضحاً ومن الممكن الاقتراب منه، بل وتجريبه. عندما يدخل الزائر للوهلة الاولى، يصادف صمت القبر، وتدريجاً تنتابه جرأة التكلم فيبدأ بالهمس والحديث. الغرفة – القبر مظلمة لكن المرء يشعر بانتصاره على الموت. يصبح صمت القبر متكلماً ويهدر بالطمأنينة. حتى الاطفال مسموح لهم بالزيارة، وذلك لتقييد الاحساس بالموت والرهبة. اما الزوار الذين يقفون بالدور منتظرين التعرف إلى هذا الموت المشع، فينتابهم شعور بأنهم يقفون في صفوف، انتظاراً لموتهم وتحولهم إلى جمجمة. هكذا تشيع الجمجمة المرح والطمأنينة.
يقول الفنان داميان هيرست: “اريد ان اعمل اشياء لها علاقة بالبشر يتناظرون فيها ويتعايشون معها”. هذا العمل غير ملتبس بل واضح وصريح: تقدير الموت وجعله على درجة كبيرة من الاحترام بخلاف الفكرة الانسانية عنه. يتعايش المرء يومياً مع الموت الطبيعي؛ موت البشر الهائل في الحروب، موت الحيوانات، ظاهرة الخريف وموت الاوراق. ويتعايش يومياً أيضاً مع الموت الرمزي؛ موت الافكار والقيم، الا انه لم يتصادق بشكل مقبول مع فكرة موت الجسد، وهذا دليل على انانية البشر، ودليل آخر على حبّ التملك. فالانسان يشعر بتملك جسده إلى اقصى حدّ ولا يريد له الزوال، ويستطيع ان يفرّط بممتلكاته جميعها إلا هذا الجسد المملوك إلى الموت، الجسد الذي من اجله قتل قابيل اخاه هابيل، وتشنّ الحروب. الجسد هنا بمعنى التملك وهو أول ملكية للانسان وأول شهوة. هذا العمل “حب من اجل الله”، هو عكس ما قام به الانسان الاول قابيل بدفن جثة اخيه هابيل، أي التستر والاخفاء. إذ ان الاسنان كانت مدفونة في القبر وقد انتشلها الفنان من التراب واظهرها إلى العلن نكايةً بفعلة قابيل. عسى ان يتوقف الانسان المعاصر عن القتل والتدمير ويخفف من غلواء تملكه. تزيين الجمجمة بالالماس يخالف كذلك عرض بعض الجماجم البشرية في المتاحف الطبيعية لاغراض تعليمية. الانتصار واضح على الموت في هذه الجمجمة الالماسية، فالفناء ليس نهاية ويمكن عكسه إلى بداية سعيدة، اما جماحم المتاحف الطبيعية فهي مهزومة، تؤكد فروسية الموت الذي لا بدّ منه.
ومن اجل اكمال قصة الموت السعيدة، انتدبت ادارة متحف “رايكس” الفنان البريطاني لاختيار تشكيلة فنية من 16 لوحة من فنانين في القرن السابع عشر، تُعرض اعمالهم ضمن مقتنيات المتحف نفسه لها علاقة بموضوع الموت تحت عنوان “الجسد، الحياة، الموت”، اختارها وعلّق عليها بنصوص شاعرية وفلسفية: “نحن هنا لوقت جميل وليس لوقت طويل”. لوحة الفنان فان در سخور “حياة ساكنة”، امرأة ترفع في يدها بيضة وفي حضنها سلة بيض. هذه اللوحة معبّرة عن الحياة والموت معاً وتفنن هيرست في تعليقه عليها: “هذه هي البداية والنهاية (المقصود البيضة)، جميل هذا مثلما تجعلنا هذه البيضة نفكر في القحف (الجمجمة) بينما قشرة البيضة محميّة بهذا الشال (القحف). ترمز البيضة إلى الحياة وقشرتها تحمي الولادة كما يحمي القحف تجاويف الجمجمة ويحفظ الفكر والدماغ، وكلاهما املس وطبيعي، يقومان بمهمة الحماية والمحافظة، ومن البيضة وبويضة المرأة يبدأ سر الموت والحياة، فالحياة تحمل في تجلياتها الموت، والعكس صحيح. يتمثل موضوع الحياة في لوحة “السكير العجوز” للفنان ميستو، وموضوع الجسد العاري في لوحة “تبرّج” للفنان يان ستين. اضافة إلى لوحات تشير إلى حيوانات ميتة واخرى مفترسة على أهبة الانقضاض.
اذا كان الموت عضوياً هو تخريب الجسد وتعطيل الانتاج الفكري، فإنه في الفن هو الملهم الجمالي والمحفز الخلاّق. هنا يمكن التغلب عليه في نصرة الجمال على الدمار، الموت المعين للسفر نحو اكتشاف سر الحياة كما في ملحمة “جلجامش”.
يكمن الموت ايضاً في لوحة “تبرّج”. جسد المرأة العاري يهاب الموت ويخاف الاندثار، ولذا يشهر تبرجه وغوايته، فلربما يستطيع كما الحيّة في قصة الخليقة ان يغوي الموت ويجعله يهرب. يعيش الخوف من استبداد الاندثار في الاشياء العارية دون المستورة لان الاشياء المستورة مستبدٌ بها وهي خاضعة تحت طائلة الاخفاء المقارب للاندثار، ولذا تبدو رصينة ومستقرة. اما العري فهو خائف من الحجب ومقاوم للاندثار وفيه مقارعة للموت بمعنى التخفي، ولذا هو واضح وغير مخاتل بعكس المستور، المخادع . تتجلى وحشية الفناء حسياً في لوحة “السكير العجوز” حيث يقترب العجوز من الموت، وبقدر هذا الاقتراب يعانق نشوة الكحول الذي تعيده إلى شبابه وتحصنه ضد الموت. هل يستطيع الادب ان يجعل الانسان قوياً ازاء الموت فيكون بذلك قد نافس الاديان على رسالتها اللاهوتية ؟ أما الفن فجمالي ومن دون مواعظ أو تهديد ووعيد، ولهذا يوصف بالغواية كما الحيّة. الفن هو الذي يجعل الموت ألماسياً يشع بتأويلات عدّة تحاول الاديان منذ القدم الظفر بواحدة منها.

شاهد أيضاً

مريم لطفي: جمالية الالوان في القران الكريم

“الم تر ان الله انزل من السماء ماء فاخرجنا به ثمرات مختلفا الوانها ومن الجبال …

عودة الكلاسيكية في حلة جديدة في فن القريض العربي !!!
الناقدة والاستاذة الباحثة سامية البحري

_تصدير : عندما ينتفض الحرف الثائر فيشكل مفهوم “الجمالية ” ما بعد “الحداثة ” فيولد …

من السّيرَة الذاتَيّة للشاعر والكاتب المسرحي، العراقي الراحل: مصطفى عبدالله (1947-1989)
خالد عبد الله العلي

• ولد مصطفى عبدالله حسين العلي، في قضاء أبي الخصيب، محلة “باب ميدان” بتاريخ العاشر …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *