الرئيسية » نصوص » برهان الخطيب : منجل الموت لم يعد أعمى*..

برهان الخطيب : منجل الموت لم يعد أعمى*..

منجل الموت لم يعد أعمى*..
برهان الخطيب
يبدو لي أن الموت في العراق أصيب بهذيان وجنون، يحصد بمنجل غير أعمى هذه المرة حيوات مثقفيه، روائييه وصحافييه دون هوادة. تثوب إلى رشدك من خبطة له لئيمة يعاجلك بأخرى. يدون في رأسك ما لا تشاء من حكايات، معلنة وغير معلنة، يذكرك لو كنتَ غافلا عن المصيبة البداية الأديب عقيل الجنابي، يتبعه المثقف البارز ابن مدينتي قاسم عجام وولده، ثم عبدالله الخطيب، عمي، أحد أهم رواد الثقافة العراقية وكتابها المعروفين، ينشر هنا في العرب أيضا، سيارة إسعاف لا تنجده، ولا جرؤ سائق تاكسي على العبور به في الوقت المناسب إلى المستشفى في شوارع ليل بغداد، قضى منتصف الطريق، آخرون، وصولا اليوم إلى الروائي الشاب محمد الحمراني. في نفس المنطقة من جديدة عرطوس سكن أمس القاص والروائي العراقي مهدي علي الراضي، حيث سكنت، في ذات الوقت، ولعله التقينا في باصات الميكرو الذاهبة الآيبة بين الضاحية تلك ومركز المدينة ولم ننتبه لذلك، كلانا كان غارقا حتما في عالمه وهمومه، رغم إن كلينا ربما كان، بل كان موجودا في عالم الثاني، هكذا تكون الفرقة، هكذا تبدأ الخسارة، غفلة، قلت كان موجودا) لأنه في ظهيرة اليوم التالي لانتحار الراضي الغامض خابرني الفنان جواد الشكرجي، سألني بنبرة محقق مهذبة، لا علاقة لها بحرفته كممثل درجة أولى، ولا صلة عائلية قريبة معي: هل تعرف الراضي حسنا أو التقيت معه في الأيام الأخيرة؟ استغربت السؤال، أجبت متوجسا: سمعت عنه ولم التق معه. أكمل الشكرجي: كان في ذكرك ليلة أمس، قبيل انتحاره. ضربني الخبر على قلبي. هكذا، بسهولة نقل الشكرجي الخبر، أضاف: أنا مع مظفر النواب الآن، أخابرك من المقبرة..
انتحار روائي عراقي خبر مفجع جدا، رغم الفواجع المتكاثرة حوله، غير معتاد رغم عادية الانتحار في المنطقة، وكذا في الغرب، إنما لم نبلغ ذلك الترف أبعد مما بلغه الغرب، على طريق التعبير عن عدم الرضا بإلغاء النفس بطريقة ما، للراضي شرف ريادة هنا. لا يستطيع المنتحر أو المنحور إلغاء بواعث عدم الرضا، هكذا يختصر الوقت والجهد، لوصول إلى حالة سلام مع النفس بل الغياب بعد فشل في تحقيقها مع غيره، نجد أسبابا اجتماعية وسياسية لذلك، يُنعت بعضهم إرهابيين، يائسين، في الغرب الوصفة جاهزة: مختل عقليا. لجلف قدرة على وصف ذي نفس مرهفة بما شاء من علياء، إلاّ التنازل، لضحية النفس والآخر، لتبيّن حقيقة ما كان والتعبير عن ذلك بدقة وإنصافه. وليس سوى قبل أسابيع ملأ الرثاء والتعازي صحف ومواقع الكترونية بفقدان سركون بولص.. اليوم محمد الحمراني.. شاعر وروائي عراقي شاب، من أهل مدينة العمارة، له ثلاثة أطفال، أكبرهم في الخامسة من عمره، مجموعة شعرية عن دار الشؤون الثقافية عام ٢٠٠٠ عنوانها: قصائد قروية )رواية (أطلق الفراشات) عن دار ألواح في إسبانيا عام ٢٠٠٢ ، ثم الأخيرة (الهروب إلي اليابسة) عن دار الشؤون في بغداد عام ٢٠٠٥ .( فشل عملية جراحية معه صادره من أهله، من الأدب، من شعبه . العراق منتصف السبعينات الماضية، في ظل حكومة البعث، كان من أرقى دول العالم في تقديم خدماته الطبية لمواطنيه وغير مواطنيه. فماذا جرى اليوم لتلقى كوكبة من خيرة مثقفي العراق هذا المصير الموجع، معلوم ما جرى. البلد ليس في يد أبناء بررة. في كلمته المرسلة إلي، منشورة بصحيفة العرب، وموقع الكتروني، يقول الحمراني العام الماضي:
نحن ورشة من كتاب الرواية العراقية الجديدة… نتجول يوميا ونتحاور حول اغلب الأعمال الروائية في العراق.. وتضم ورشتنا: محمد الحمراني، احمد سعداوي، ناظم العبيدي، ضياء الخالدي.. لم نعثر على كتابك الروائي.. عثرنا على بعض قصصك القديمة. تحية لوجودك هنا.. ولي رغبة ان اسألك عن اسباب استخدام لغة معقدة في اغلب الكتابات الستينية. محبتي واحترامي. محمد الحمراني
أجبته: أعزائي الحمراني، سعداوي، العبيدي، الخالدي، محبتي لكل كاتب كلمة طيبة، مع الأسف باعدت ظروفنا الحالية بيننا وفرقتنا، أنا أيضا أسعى للتعرف على ما يصدر من روايات ولا أستطيع الحصول على الكثير. رواياتي غابت عنكم لأسباب
عديدة، معظمها طبع خارج الوطن العربي، لكن ما وصل منها بأيدي طلاب ومسافرين إلى منطقتنا غير قليل، أعرف أعداد المباع، أنوي طبعها عربيا وهذا أمر غير سهل على مَن يريد أن يفعل كل شئ بطريقته الخاصة، وإلاّ كانت بين أيديكم منذ زمن طويل. اللغة المعقدة في أغلب الكتابات الستينية نتيجة عوامل عديدة، منها تأثر سطحي بقراءات غير متأنية للأدب الوجودي الذي غمر معظمنا حينه، ورغبة في أن يخلقوا أدبا جديدا بتراكيبه ومراميه، وتعبيرا عن حالة اغتراب وجد المثقف نفسه متردية فيها لإسقاط تجربة تموز الموعدة بالأمل في بداياتها، والتعويض عن المفقود بجموح لاحتواء كل شئ بصيغ مطاطية، النتيجة نكص التجريبيون وواصل الواقعيون بألوانهم المختلفة العملية الأدبية التي بدأها كتاب الخمسينات وأثمروا فإذا استفاد الروائيون الشباب من تجربة سابقيهم أبلوا مثلهم حسنا. حلمنا أن يجمعنا الأدب وعمليته المتطورة من جيل إلى آخر على فسحة للأمل، فإذا الموت هو الجامع بعملية سميت سياسية تنتهي بتصفية ما حققته الدولة العراقية في عقود، لكن سوف يعقد وطنيون حقيقيون العزم واللزم مجددا للنهوض ببلدهم. محمد الحمراني.. الألم كبير بفقدانك.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
*عن ثقافية (العرب الأسبوعي) السبت 8 /2007/12

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *