تابعنا على فيسبوك وتويتر

ها هي سيجارته التاسعة عشرة تنطفئ..  
ولم يكتب بعدُ أي حرف على الورقة البيضاء المتمددة تحت قلمه..
نظر إلى علبة الدخان فلم يجد إلا سيجارة واحدة فقط.. 
السيجارة الأخيرة بدت له وكأنها فرصته الأخيرة..
أخرجها من العلبة برقَّة..
قرَّبها وهو يحملها بأطراف أنامله من أنفه.. وشمَّها..
وضعها بين شفتيه..
تناول عود ثقاب.. وأشعله.. 
قرَّب لهب النار من رأس السيجارة.. وسحب منها نَفَساً عميقاً..
نفخ في الفراغ ببطء ليطفئ عود الثقاب..
تشكَّل الدخان الأبيض على هيئة المارد الذي كان يخرج من مصباح علاء الدين في قصص الطفولة.. ثمَّ تحوَّل إلى شكل سندريلا وهي تنتقي حبات الحنطة من الرز في مطبخ القصر.. ثمَّ اتخذ الدخان صورة سندباد يعلق نفسه على ساق عقاب يأخذه إلى جزيرة منسية في أعالي البحار.. ثم صار رجلاً حديدياً يصارع وحشاً قادماً من كوكب مجهول.. ثم فأراً ذكياً ينصب بخبث فخاً لقطَّة مغرورة.. ثم أميرة نائمة في أعلى البرج تنتظر فارساً يوقظها بقبلة سحرية..
وحين سحب نفساً آخر من سيجارته الأخيرة ونفخ دخانها في الفراغ..
صار الدخان صبية كان قد ظنَّ مرةً أنها تخبئ له ابتسامة خجولة تحت سواد عينيها والتفاتة وجهها الحنطي.. فظلَّ يلاحقها سنة كاملة في طريق عودتها من مدرستها إلى البيت.. دون أن تبتسم له مرة أخرى..!!
سحب نفساً آخر ونفخ في الفراغ..
صار الدخان امرأة نصف عارية مستلقية على سرير أبيض وابتسامة خجل شفيف تزين شفتيها..
سحب نفساً آخر ونفخ في الفراغ..
صار الدخان انفجار سيارة مفخَّخة في شارع آمن..!!
سحب نفساً آخر.. وحبس الدخان في صدره.. حين اكتشف أنَّ الورقة البيضاء ما زالت بيضاء وهي ترقد تحت القلم..
وأنَّ الفراغ يملأ المكان كما يملأ رأسه..


ملاحظة : الآراء الواردة في النصوص والمقالات لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع.

شاهد جميع مقالات
بواسطة :

مقالات ذات صلة

التعليقات

إكتب تعليقك

إسمك الكريم * رابط موقعك "اتركه فارغا اذا لم تمتلك واحداً"