حسين سرمك حسن: في ذكرى رحيل “عبد الجبار عباس”: فتى النقد الأدبي في العراق

# رحل عبد الجبار عباس المولود عام 1941 ، في مستشفى مرجان في الحلة إثر جلطة دماغية يوم الخميس 3/12/1992 . وترك وراءه تراثا مهما في مجال النقد والشعر حيث بدأ كما يقول الدكتور علي جواد الطاهر شاعر عمود وتفعيلة (راجع كتاب : الحبكة المنغمة- إعداد الطاهر وعائد خصباك- بغداد- 1994) . ويرى الدكتور علي جواد الطاهر أن ( عبد الجبار عباس هو فتى النقد الأدبي في العراق، وأنه الناقد الذي حاز لقب الناقد بحق، ويكفي أنه وهب نفسه للنقد وحده، لم يُشرك به عملا آخر، ولم يشغل تلك النفس بوظيفة تقيّده ، فكان بذلك متفردا بين من زاول النقد في العراق، أو في الوطن العربي، وهكذا يجب أن يكون الأمر، فالنقد الأدبي نشاط قائم بنفسه، إذا أشرك به جار الشريك على الشريك. وقد أعد هذا الفتى نفسه لمهمته التي أحبها ورسالته التي آمن بها الإعداد المناسب ما أمكنه ذلك الإعداد وما استدعى من تضحيات واستلزم من زهد وإباء وتعفف- الحبكة المنغمة- ص 14 و15).
ومن المهم الإشارة أولا إلى أن الكثير من النقاد العرب الإنطباعيين ، يخجل ، أو يخاف ، من الإعلان عن موقفهم النقدي الانطباعي بفعل ما أسميته بـ “الإرهاب النقدي الحداثي”، الذي تصاعد مع المد البنيوي وهُرعنا خلف غبار خطواته في النقد العربي دون تمحيص بفعل التبعية للآخر الغربي والإنبهار العصابي . لقد استبعد (ويلبر س. سكوت) من كتابه (خمسة مداخل إلى النقد الأدبي) المنهج الإنطباعي ، مبررا موقفه بقوله : (والمدخل الآخر غير المذكور هنا هو (الإنطباعي- the impressionistic ) . إن لكل امرىء انطباعاته في مواجهة التجربة الأدبية ، وقد يجد بعضهم ضرورة في كتابتها . إن تقدير هؤلاء يعتمد بالطبع ، على الذوق ، والمعرفة ، والقدرة على الكتابة النقدية . غير أن طبيعة هذا (اللون) وحدها تجعل من العسير إدخاله ضمن تصنيف خاص ، أو لأنه مشمول بأحد المداخل المذكورة هنا. لقد أدركت من خبرتي في التدريس أن الطالب الذي يعرف أنه لديه ما يقوله عن عمل من الأعمال الأدبية ، ولكن يعوزه الاتجاه الذي يعينه على تشكيل منظوراته ، يجد المشكلة قد انحلت باتباعه مبادىء أحد المداخل الخمسة المستعملة هنا وتنظيماته . وإذا لم يشأ أن يجرب قلمه في (النقد التطبيقي – practical criticism ) فأظنه سيجد أن دراسته لهذه المقالات وتصنيفها سيحل عقدة طالما بدت كمتاهة للنقد المعاصر – خمسة مداخل ص 13 و14) . ومن يقرأ هذا التبرير سيقتنع بأن المنهج الانطباعي ليس منهجا أبدا ، بل هو (لون) من ألوان الكتابة من ناحية ، كما أن “المنهجية” هي الحل شبه “السحري” الموضوعي الذي يعين أي طالب نقد لديه ما يقوله عن نص معين على تنظيم منظوراته في “إتجاه” محدد ضمن المداخل الخمسة من ناحية ثانية. والمداخل الخمسة هي: الأخلاقي ، النفساني، الاجتماعي ، الشكلي (الجمالي) ، النموذجي (الأسطوري) .
لكن قد يكون عبد الجبار عباس الناقد العراقي والعربي الوحيد الذي دافع عن موقف واختياره كناقد انطباعي بصورة علمية ومنطقية ، خصوصا في اللقاء الشامل الذي أجراه معه الروائي (عائد خصباك) والذي أعلن فيه بلا تردد : أجهر بأنني ناقد انطباعي، والذي نشر في مجلة الأقلام ، العدد السادس، 1985. هذا ما يعلنه هو بلا تردد: ( دعني ألفت نظرك إلى شيء طريف هو أنك لا تجد ناقدا عربيا يجهر بما أجهر به الآن من أنني ناقد انطباعي. الناقد العربي المعاصر يخجل من أن يعلن عن انطباعيته ربما لأن الانطباعية ماتزال متهمة بأنها قرينة الذاتية واللامنهجية، وأنها النقيض لما حققه النقد الأدبي المعاصر بفضل التزامه مناهج تقيم للفكر والموقف الفكري وزنا كبيرا . إنك تستطيع أن تتلمس هذه الانطباعية، فالفنان يحقق ذاته في هذه الطريقة، لا تكتب لتعلن عن موقف ، وإنما تجد في نفسك حاجة . مثلما هزت الشاعر تجربة معينة فأثمرت قصيدة ، كذلك أنت قرأت أثرا أو مجموعة آثار ، فوجدت أنها بذرت في نفسك بذرة، نضجت لتستحيل إلى أثر نقدي . إن هذه الطريقة تشعره أنه يأتي بشيء من ابتكاره يصبح المنهج أسلوبه. ويناقش عبد الجبار معنى المنهجية وضرورتها للناقد والبحث النقدي فيرى أولا أن المنهج النقدي كالأسلوب الأدبي ينمو ويتبلور عبر التجارب حتى يستقيم فيصبح مرآة لشخصية الكاتب ، وكما أن أسلوب الرجل هو الرجل حسب تعبير الفرنسي سنت بوف فإن منهج الناقد هو الناقد . وكما أن صغار الأدباء لا تميزهم أساليب خاصة بكل منهم ، كذلك فإن المنهج لدى صغار النقاد، ليس امتيازا ولا مسعفا، إلا بقدر ما يقود الخطى إلى طريق أوحد ، ونتائج شبه معدة سلفا، بينما المنهج لدى الناقد المتمرس الخبير هو الشخصية والرؤية والأداة معا، وهكذا يكف المنهج عن أن يكون أداة أو مفتاحا جاهزا ما أن تديره حتى تنفتح لك الأبواب والمغاليق دفعة واحدة. لذا يمكن القول إن ثمة مناهج نقدية بقدر عدد النقاد ذوي الشخصيات المتميزة. ويرى عبد الجبار أن الإنطباعية بتحررها من التوق إلى التطابق (الأناني) تبدأ بالذاتية ذات الناقد المتلقي لتنتهي إلى أقصى قدر ممكن من الموضوعية، أي رؤية العمل كما هو كما يبدو لي بعيدا عن أي قسر أو ميل مسبق. وإذا كان منهج الناقد هو الناقد، ينبغي أن تعامله في هذه الحال، كما تعامل أي فنان لا تستطيع أن تطالبه بأن يفصح عن اختياراته الفكرية في عمل واحد، وعليك أن تتابع إنجازه لترى شخصيته ورؤيته للحياة، لعمله الأدبي أو الفني وقد راحت تتضح شيئا فشيئا عبر الممارسة الطويلة. فمن فضائل الانطباعية أنها تؤمن بأنها تجعل من الذاتية منطلقا إلى تحبيذ “الديمقراطية” في التعامل والحوار، لا تكون ذاتي هي المنطلق إلا بقدر ما تكون معبرا إلى الآخر . ويجترح مصطلح “الديمقراطية النقدية” ويعدها أكبر فضائل النقد الانطباعي إذ إنه يحبذ الديمقراطية الأدبية دون أن تكون ملزما بأن تفقد شخصيتك أنت، ليس من الديمقراطية أنك لست ذا رأي ، أو موقف من الحياة، ولكن ذاتك وذوات الآخرين، قطبان يلتقيان معا، على صعيد تجربة مشتركة، ومن خلاله تفصح عن اختياراتك وشخصيتك بقدر ما تسمح للآخرين أيضا أن يقوموا بتجربة مشابهة- ص 305). ويقول أيضا : (إن الذات يمكن أن تلخّص عصرا ، وتحتوي مرحلة، وهكذا فإن الذاتية لا تكون منقصة في النقد إلا إذا كانت ذاتية ضيقة لا يعنيها معرفة أين هي من العصر ، ومن فكره وحساسيته الجديدة المعقدة، وربما كانت هذه الغنية المتمثلة لعصرها أجدى بكثير من ذات تبدأ من قناعات أو رؤى يطرحها العصر لكنها لا تُحسن تمثيلها ولا تقيم وزنا للذات في التلقي أو التعامل والتقييم – ص 306). وفي كتابه (مرايا جديدة – بغداد- 1981) وفي مقالة (دفاع عن الانطباعية) يقول: (إن الناقد الانطباعي لم يعد يرى في الاستعانة بعلوم النفس والاجتماع والجمال والفلسفة قتلا للأدب وتجميدا لعناصره الداخلية التي هي عناصر أدبية بحتة، أي تركيبات لغوية نابعة من منطق فني داخلي يحكم العمل ويشيع فيه ، بل يرى في الاستعانة الحساسة بهذه العلوم دون جمود أو قسر أو تعالم، وفي صهر الثقافة لصالح تربية ذوقية جديدة، سلاحا نافذا في تحقيق هدفه الأساس – ص 286 و287). و ( في عصرنا الذي تتعدد فيه النظريات الشمولية وتمتد سطوة الايديولوجيا إلى كافة حقول المعرفة ، ومنها الأدب والفن، لم يعد النقد الانطباعي يلاقي قبولا واسعا كالذي تحقق له منذ مطلع القرن الماضي – يقصد القرن التاسع عشر- ومع ذلك فإن هذا لا يفقده شيئا من أهميته الابداعية وأمانته الأخلاقية … لقد كانت نشأة النقد الانطباعي ردة فعل متشككة في سطوة و(علمية) النظريات، باعتبار أن الجماليات هي أقل مجالات المعرفة تحديدا، وأن الناقد – كما يقول أناتول فرانس- لا يستطيع أن يفعل أكثر من أن يتحدث عن نفسه في الوقت الذي يدعي فيه التحدث عن الاعمال الأدبية : فالنقد بهذا المعنى تجوالات الروح بين الأعمال الأدبية العظيمة- ص 283) . 
آثار الراحل :
 أشواك الوردة الزرقاء- شعر – 1970
مرايا على الطريق- 1970
السياب – 1972
في النقد القصصي – 1980
مرايا جديدة – 1981

تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

عبد الرضا حمد جاسم: الابتسامة والضحك

ابتسم دائماً واضحك أحياناً هكذا يقول أصحاب العلم ودارسي المجتمع والنفس الابتسامة لها تأثير ساحر …

مريم لطفي: جمالية الالوان في القران الكريم

“الم تر ان الله انزل من السماء ماء فاخرجنا به ثمرات مختلفا الوانها ومن الجبال …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *