نعيم عبد مهلهل : الطريق إلى بيت ست الحبايب

ربما الكثير من الناس اليوم لايعرفوا أو نسوا هذا الأسم (زكي رستم) (1903 ــ 1967) أول أفلامه زينب وآخر أفلامه أجازة صيف 1967.
.وهو فنان مصري قديم وقدير عاصر نشأة السينما المصرية منذ البواكير وحتي ستينات القرن الماضي.
وهذا الفنان كل أدواره محصورة بين لعب دور الباشا أو رب المنزل القاسي والمتسلط.وفي كل أدواره يحتم عليه الدور أن يكون متجهماً وعبوساً.ولا أعرف أن كانت حياته الخاصة خالية من الضحك أم لا ؟
وحتما حياة التمثيل تختلف تماما عن الحياة الحقيقية. من يدري..ربما كان المرحوم زكي رستم من أكثر صناع النكتة حاله حال معظم المصريين البسطاء والفقراء وهم يعالجون نكد الحظ وضيق اليد بإطلاق المزحة والطرفة كنوع من علاج ضيق الصدر وبارقة أمل لرزقٍ قادم..؟
زكي رستم بتجهمه الأسطوري أستطاع في لحظة ما أن يلغي كل مشاعره القاسية في أدواره القديمة والتي لم تصنع له لدي المشاهدين شخصية محببة.بل ظل مرتادي السينما ينظرون إليه بعدم تعاطف وراحة لأنه دائما في أدواره يكون أب الفتاة البيروقراطية المغرمة ويرفض زواجها من حبيبها الفقير بسبب الفوارق الطبقية والاجتماعية.
هذه اللحظة تجسدت في مشهد لدقائق في فيلم اسمه (أنا وبناتي) وتمثلت في مساحة الحنان والأسي الذي حمله زكي رستم لبناته حتي في خطيئتهن وذلك في المشهد الذي كانت تغني فيه فائزة احمد أغنيتها الشهيرة (ست الحبايب..) وكانت تشاركها في التمثيل الممثلة ماجدة.
زكي رستم في ملامحه وقسوتها واختلاق هذا الفيض العجيب من الحنان الذي ألغي هذه القسوة في الملامح الملازمة بفضل الشدو الرائع والكلمات الآسرة لتلك الأغنية التي اعتقد والكثير مثلي أنها أجمل ما أنشد للأم في التراث الموسيقي العربي ظل يرافق بدهشة الملامح البريئة للأب المبتلي بقدرية تحمل عبئ العائلة ونزوات وأخطاء أبناءها والفقر يمثل بالنسبة لي وجع جيل ونمط اجتماعي لعصر كان من عصور الدهشة الثورية والاغرائية والسريالية والوجودية والهزائمية وكانت السينما المصرية بالنسبة لنا لسان حال وقائع ما كان يحدث ليس بفضل وجود عبد الناصر وثورة يوليو 1952.
بل بفضل حمي اللهفة والإغراء في دلع هند رستم وهي تهز صدرها مثل كوكب مصنوع من العسل والقشطة والسحر الإنشادي في حنجرة عبد الحليم حافظ وصورة الغلابة والمقهورين في أفلام يوسف شاهين.
زكي رستم بالرغم من تجهمه غادر الحياة بعز منتجه وإبداعه وما قدمه لبلاده ، تذكرته وأنا أري متجهم آخر يغادر مسرح الحياة.ولكن ليس موتاً بل مُزاحاً ومرفوضاً من قبل شعبه ، الرئيس مبارك الذي حتي في خطاب وداعه الأخير لم يتكرم عليهم بانشراح وجه وبابتسامة اعتذار لشعب من فرط طيبته يسمح لطغاته أن يغادروا سالمين كما فعلوها مع الملك فاروق حين اركبوه يخت المحروسة ولوحوا إليه بمناديل المنفي الطويل.
غادر مبارك وهو يدرك أنه كغيره من عابدي الصولجان أن السلطة هي أفيون الوهم بالخلود وأنه مادام محاطا بمن يمجد تاريخه ورتبته وطلعات طيرانه عليه أن يظل رمسيسا مخلدا مثل الشمس وأن عليه أن يبقيَّ الخبز الشحيح قريبا من أفواه الشعب ليحلموا فيه فقط فيما يمتلك هو وأولاده ثروة تقدر ب70 مليار دولار.
هذا الفرعون المتجهم.خدم مصر.لاأحد ينكر ذلك.ولكنه أراد أن يقبض ثمن خدمته إن تحول إلي حلم ابدي بالعرش ورغبة لان يرث أبناءه حكم بلاد أظهرت اليوم قدرت عجيبة علي صناعة شكلا رائعا للثورة لم يكن يحسب لها أن تكون هكذا في ظل هيمنة العولمة وطغيانها المرعب بهاجس الليزر والدبابات علي الشعوب الضعيفة.
لقد تحولت مصر وشبابها ابتسامات ودردشة الفيس بوك والذي هو النتاج المثير لعولمة القرن الجديد إلي طلقة رحمة ضد الوجه العابس والمتجهم والباشا الغليظ الذي جسده وبصورة مثيرة الفنان زكي رستم.لكن زكي رستم جسده تمثيلاً علي شاشة السينما ، فيما جسده مبارك واقعاً وكلف مصر الكثير من أرواح وأجساد أبناءها.وخرج بذات التجهم ليعتذر لشباب الفيس بوك ولسان حاله يعاتب ويؤنب أمريكا ويسألها لماذا اكتشفت هذا الغول ومهدم العروش الذي اسمه :الفيس بوك….!
لااعرف أين منزل المرحوم زكي رستم.ولكني توجهت إليه وسألت بعض متظاهري ساحة الميدان عنه.فدلني بعض من عشاق الأفلام القديمة.
فقط لأقول له :أيها الطيب لقد كان تجهمك حنونا ويحمل معني. فيما تجهم هذا الرجل الذي أزيح للتو يحمل تجهما يكلف فقراء مصر أطنانا من الجوع والضحايا والتهميش….!

تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

عبد الرضا حمد جاسم: الابتسامة والضحك

ابتسم دائماً واضحك أحياناً هكذا يقول أصحاب العلم ودارسي المجتمع والنفس الابتسامة لها تأثير ساحر …

مريم لطفي: جمالية الالوان في القران الكريم

“الم تر ان الله انزل من السماء ماء فاخرجنا به ثمرات مختلفا الوانها ومن الجبال …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *