الرئيسية » نقد » ادب » ديوان ”عصفور الفم” لعبد الهادي سعدون: ثقوبٌ تُرممها الأسطورةُ
محمد أحمد بنيس المغرب

ديوان ”عصفور الفم” لعبد الهادي سعدون: ثقوبٌ تُرممها الأسطورةُ
محمد أحمد بنيس المغرب

ديوان ”عصفور الفم” لعبد الهادي سعدون:
ثقوبٌ تُرممها الأسطورةُ
محمد أحمد بنيس
المغرب
……………..

لعل أول ما يلفت الانتباه في مجموعة الشاعر والمترجم العراقي عبد الهادي سعدون ”عصفور الفم” عنوانُها المربكُ، الذي يدلُّ على تساوقٍ جمالي بديع بين العوالم الواقعية والتخييلية التي قد تحيل عليها صورة العصفور الذي يستوطن الفم أو يخرج منه. فإذا كان العصفور يرمز في المتخيل الإنساني إلى ” تحرر الروح من عبودية الأرض”، كما يشير إلى ذلك مؤرخ الأديان المعروف الأمريكي جوزيف كامبل، فإن الشاعر في هذا العمل ينعطف به صوب اتجاه غير متوقع، فهو يوهمنا أن ”عصفور الفم ” ليس إلا صورة شعرية رآها، أو بالأحرى حلم بها، في قصيدة شاعر آخر قد لا يكون غيره هو، ناهيك عن أن صورة العصفور وهو يخرج من الفم (فمُ من؟) أو يتشكل بداخله، تُضاعف منسوب الاغتراب الذي يتسرب من بين شقوق هذا العمل.
نقرأ في نص ”عصفور الفم”:
بينما أتنصل من الشعر/ وإغواء الكلمات التي لا نفع بها/_ كما تقول المرأة التي تنام جواري هذه الليلة_/
أنادي على العصفور من الكوة الضيقة/ أنتظره أن يخرج من ظلمة ما/ في قصيدة الشاعر التي قرأت مرة ونسيت مصدرها:/ ” أنتظره حتى يخرج / … من الفم”.
يحيل، هنا، ”خروج العصفور من الظلمة” على رمزية الطيران والتحليق باتجاه الأعالي، حيث تتبدد هذه الظلمة وتتناثر بقاياها بين أرجاء الوجود. لكن إمكانات التحرر منها تتجدد أمام إصرار الشاعر على تقديم كلماته على مذبح ليلةٍ بلا جدران؛ ليلة يحرسها شاعر وعصفور قدِما من ذاكرة بعيدة.
يسعى الشاعر إلى انتزاع ذاته من سياقها المألوف، باعتبارها معادلا موضوعيا للوجود المحسوس، والزج بها في رحلة كشف جديدة، تضعها في منطقة لا يغدو فيها هذا المحسوس مفارِقـا للمجرد بقدر ما هو امتداد له واستثارةٌ لإمكاناته الدلالية المختلفة. نقرأ في نص ”سقف لا يحيد”:
اللزوجة تتحرك، / أكثر غرابة من ثقل الحديد، / وأكثر من محاكاة الجلد حتى. / لأنك وحيد تظن أن كل شيء متحرك، / لذا تظل محدقا بالسقف.
حين يصنع الشاعر سُلّما ليعرج به إلى السماء، فإن ذلك لا يعني أنه مهجوس بالفصل التقليدي بين اليوتوبيا (الأفلاطونية) التي تستوطن السماء، والواقع الذي يرتج تحت وطأة اليومي (الأرضي)، بل بإيجاد صيغة لمعادلة شعرية وإنسانية تستوعب هذين العالمين في وحدة مغايرة تتوخى معانيَ أكثر اشتباكا بأوضاع ”الغرابة” التي يُولدها اليومي، أو لنقل محاولة للتطبيع مع عالم اليوتوبيا من خلال نقل هذا اليومي (في بعده المشهدي) إلى دروب السماء الفسيحة. فكأن الشاعر يستعير أسطورة ”الكوكب الآخر أو البديل” الذي يُتوقع أن يصبح، في المستقبل البعيد، بديلا عن الأرض بعد أن أثقلتها الخسارات الفردية والجماعية وباتت غير جديرة بالحياة عليها. وحين يتحدث عن ملامسة لحية الرب لا يبدو ذلك استدعاء للمتخيل الديني، بل تغذية للمتخيل المعاصر وإثراء لمبتكراته ذات الصلة. إنه ينتقل بالنص من اليومي المحكوم بمواضعاته المألوفة نحو عالم لا شأن لليوتوبيا به، وإن بدا الأمر غير كذلك في البداية.
نقرأ في نص ”أصنع سلما”:
قل عودة/ لا تقل السقوط، / وافرح لملامسة لحية الرب. / قُل متسع لمد الساقين/ ولا تقل، أبدا، الهاوية. / الحياة ليست أبعد من تجريب هذا السلم. / ليس أكثر من قبضة مضمومة؛ / وتنفتح.
وإذا كانت عراقيةُ الشاعر تجعل خياراته في تجاوز سلطة الأسطورة محدودةً، إلا أن توظيفه لها في هذا العمل جاء مغايرا، فحيرته، وهو يسائل قدره في ليلة تضج باستعارات الظلمة والحب، ليست إلا عينة من الحصاد المأساوي الذي عبر عنه سَلَفُهُ العراقي الغابر ”جلجامش” حين قال بعد أن ضاعت منه عشبة الخلود للأبد: ” ليس سوى ريح” (نص عصفور الفم).
تكاد هذه الريح تختزل المصير التراجيدي للإنسان، فهي تحيل على نهاية رحلته الأبدية قبل أن يمر إلى مهاوي العدم المظلمة، وتعكس، في الوقت ذاته، ما يحتدم في دخيلة الشاعر باعتباره ”نسخة” لهذا الإنسان في تيهه بين الزمان والمكان. ولذلك يجد الشاعر في الأسطورة ملاذا لاستعادة هذا المصير والانعراج به صوب منطقة شعرية تسمح بالتحكم فيه من خلال محاكاة الآلهــة التي استفردت بالخلود، وتركت الإنسان يعوي وحيدا في مواجهة مصيره المحتوم. نقرأ في نص ”الكلمات”:
أصارحكم أنني أستريح كربٍّ/ ليوم واحد في الأسبوع، وأوبخ رعيتي/ ذلك أنني أنحتُ، وهم لا يتكلمون. /
أصارحكم وأنتم في قارة كولومبوس/ جنونها أشبه ببرقِ غرف فندقية/ شبابيكها التي تطل، فراغها الحصين.
(…) أصارحكم؛ / هل ينتهي الضوء في شق غرفكم/ في أريزونا-الصحراء، أو في مخبأ زاباتــا / أم في لحية وايتمان المليئة بالفراشات إلى الآن.
الأسطورة في نص عبد الهادي سعدون عابرة للحدود، تشتبك عندها الهويات وتلتحم في مشهدٍ أقرب إلى الملحمية، فتوظيف أسطورة الخلق، الواردة في سفر التكوين، لا يكتسي دلالاته إلا في ضوء انزياحٍ شعري بديع يقف بالشاعر والقارئ معا على الجانب الآخر من العالم (قارة كولومبوس)، قبل أن يتواصل مجتذباّ، إلى النص، غرفاً وصحاريَ ومخابئ وشعراءَ يملؤون لحاهم بالفراشات نكاية بما حدث ويحدث في العالم.
لا يضن الشاعر بتاريخه الشخصي، بل يُلقي به في معترك هذه الأسطورة الكونية المفتوحة، وتصبح أحوال الموت والغياب والفقد والخسران والعزلة ثقوبٌ تشغلُ الشاعر وتفرض عليه تَعقُّبَها ومحاولة ترميمها بهذه الأسطورة التي تتفتح براعمُها حوله. وبقدر ما تدلُّ هذه الثقوب على انكساراته وخساراته الشخصية بقدر ما تدلُّ، أيضا، على هذا الاغتراب الكوني المتفشي بسبب سطوة المدنية المعاصرة في مواجهة الإنسان الغارق في بؤسه وهشاشته.
يحن الشاعر إلى الغابة، لا بما هي حيز مكانيٌّ قابل لتمثل الحرية وتداولها، ولكن باعتبارها زمنا مفتوحا يشتبك فيه النهار والليل والريح، وتختفي المطارات، وتبتعد السماء، ويتوارى المسافرون بعيدا.
يُحيل هذا الاغتراب الكائنَ البشري، في النهاية، إلى مجرد ”نظرة فارغة ترمش في جيئة وذهاب الأيام المتعاقبة”، أو نهرٍ لا يحمل من الدلالة غير الاسم، ما دام في نظر الشاعر ” مفردة جامدة” كما نقرأ في نص ”الصرة” (ص 18).
وتظل هذه النظرة محكومة بوعيٍ شقيٍّ يضعها في مواجهة مصيرها المأساوي الذي لا تتردد المدنية المعاصرةُ في مضاعفته والدفع به إلى حدوده القصوى، حيث لا شيء أبقى من جنونٍ يستبيح كل شيء أمام الأيام التي تتعاقب بلا توقف. نقرأ في نص ”الصيد”:
لكنني/ -وما زلتُ أعيش وسط المدينة –/ لا أفلح في التخلص من الصور التي تغزوني/ مليئة بكلاب تنبح وأيائل قتيلة، / بالبندقية تلمع في يدي/ ورائحة البارود كعودِ بخور تعطر المشهد.
نقرأ أيضا في نص ” المطارات”:
يا إلهي/ إنني أتساءل وحسب:/ ترى لم خلقت المطارات؟ / أمن أجل أن نتحسر على رؤيتها/ نحن الهائمون بلا مأوى/ فنعض على زجاج الواجهات / -من خلفها –/ ونحن نتفرج طيرانها، الطائرات!
لا يبدو عبد الهادي سعدون منشغلا بترتيب هويته أو جدولة حضور روافدها داخل النص، فهو العراقي القادم من بلاد الرافدين، الحامل، بين كومة نصوصه، إرثَ سومر وأكاد وبابل وأشور وكلدان وغيرها من حضارات العراق الغابرة، والواعي بأهمية المنجز الشعري العراقي في خريطة الشعرية العربية الحديثة والمعاصرة، وهو أيضا المقيم في إسبانيا، بلد ميغيل دي ثِربانتيس، وخوان رامون خيمينيث، وفِيدريك غارثيــا لوركـا وغيرهم من رموز الثقافة والأدب الإسبانييْن. ولعل تعدد روافد تجربته الثقافية والشعرية وانفتاحه على جغرافيات شعرية كونية، سيما التي تنتمي للثقافة الإسبانية، ذلك كله أكسبه قدرة لافتة على تنويع خياراته الفنية والأسلوبية ضمن رؤية منفتحة بلا حدود. فكأنه يمارس التحول منذ عام 1968، ويُداور الجهات في غرفته (نص إحصاءُ التحول، فالميتات بينة ص 47).
من هنا، ندرك أبعاد تخصيص الشاعر القسم الثاني من هذا العمل لنصوص كتبت عبْر تفاعل خلاق ومُثمر مع شعر العامية العراقية من ناحية، والأدب الإسباني من ناحية أخرى. نقرأ في نص ”حروف الخيميائي… هباؤها يتناثر”:
مروا من هنا، / ليسوا قطارا أو ما يدل على آثارهم الباشطة، / ” لم يمروا يا حمد….”؛/ قرروا التلون وحسب.
يستدعي الشاعر، كما هو واضح، القصيدة الشهيرة للشاعر العراقي المعروف مظفر النواب ” الريل وحمد”، وهي القصيدة التي تحتل مكانة خاصة في الشعر الشعبي العراقي. وإضافة إلى الأبعاد الدلالية والنصية التي ينطوي عليها اجتذاب هذه القصيدة إلى النص، وتوظيفها من خلال حوار شعري يصل راهنَ الشعر العراقي، في الداخل والشتات، بإرثه المعلوم، فهو يشير، أيضا، إلى ما يمكن تسميته التاريخَ الشخصيَّ للشاعر الذي يقيم مغتربا في إسبانيا منذ سنوات، بيد أن هذا الاغتراب ليس ثابتا، إنه متحرك كهويته في انزياحها المتلون والمتعدد، وفي ذلك ما يغذي رؤية الشاعر ويفتح أمامه آفاقا غير محدودة لتوليد الصور والدلالات والمعاني.
تنفتح التجربة الشعرية، في هذا العمل، على آفاق تخييلية واسعة، حيث يعمد الشاعرُ إلى تعقبها، بوعيٍ شعري لافت، وتشغيلِ روافدها المعرفية والجمالية، خاصة الأسطورة، الأمر الذي يجعلنا إزاء عالم شعري تتجدد إمكاناته مع كل كلمةٍ وصورةٍ ومقطعٍ ونصٍ، ما يعني أن الشاعر يقف عند تقاطع عوالمٍ (طُرقٍ) شعرية وثقافية متباينة، ولعل ذلك ما يمنح لغته نضارةً وعمقا في نفس الآن، وبالتالي، قدرةً على اجتراح صورٍ موحية ورشيقة ومتحركة، يَسندها متخيلٌ ثَـرٌّ قادرٌ على اجتذاب هذه العوالم وصهرها من جديد.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *