الرئيسية » ملفات » حسين سرمك حسن : سلمان داود محمد .. والجيل الناقم .. قصائد من أجل الموت وعطاياه الفائقة (ملف/51)

حسين سرمك حسن : سلمان داود محمد .. والجيل الناقم .. قصائد من أجل الموت وعطاياه الفائقة (ملف/51)

إشارة :
سلمان داود محمّد – وببساطة شديدة جدا ولكن معقّدة – هو “عاهة إبليس” في المشهد الشعري الراهن ؛ العراقي – وحتى العربي لو هيّأ له الأخوة النقّاد “الأعدقاء” فرص الانتشار. وكمحاولة في إشاعة فهم بصمة روحه الشعرية المُميزة الفذّة التي طبعها على خارطة الشعر ، ارتأت أسرة موقع الناقد العراقي الاحتفاء به عبر هذا الملف الذي تدعو الأحبة الكتاب والقرّاء إلى إغنائه بالدراسات والمقالات والصور والوثائق.. تحية لسلمان داود محمد.

سلمان داود محمد .. والجيل الناقم ..

قصائد من أجل الموت وعطاياه الفائقة …

الدكتور حسين سرمك حسن

لقد أوصلتهم مجموعة من المتغيرات العاصفة والمدمرّة إلى حدّ النقمة الكاملة على كلّ شيء: على أشكال السلطة الأبوية المخادعة كافة، على ممثليها وخطابها وتمظهراتها وسلوكاتها، وأول تلك المتغيرات وأخطرها هي الحرب التي أثبتت لهم أن الموت هو الحقيقة الوجودية الوحيدة في الحياة، الموت هو الحي الذي لا يموت، ثم الكيفية التي شاهدوا فيها اصطفاف العالم لتحطيم أرضهم الأم بوحشية؛ فغسلوا أياديهم من شيء إسمه “ضمير عالمي”، ثم زيف كل قيمة تطرح عن الخير والجمال حين جوّع شعبهم كاملاً حدّ الموت “للحفاظ على حقوقه”، ثم عجز أية جهة مرجعية عن إنقاذ أطفال العامرّية الذين أُحرقوا أحياء والتصقت سلامياتهم وعيونهم الغضّة بسقف الملجأ حتي اليوم، وكونهم أبطال مباركين بذلوا دماءهم ولم يباركهم أحد فابتلعتهم “مساطر” العمال اليدويين وغرف (الحيدرخانة) الرطبة وفنادق الميدان القذرة وبازارات سوق “مريدي” الحرّة، وليس أصعب على الإنسان من أن يكون بطلاً لكنه يقضي أوقاته في مقهي أو في بيع غرفة نومه أو نياشين شجاعته ليشـتري الملابـس المعادة لدول العدوان “المتحضرة”.. والأخطر هو انهيار قيم عالمهم الشامل.. وسحق كل ما هو جميل في حياتهم… أمّا الشعر الذي كان يرون – تقليدياً – أنه يعبر عن معاناة الناس فقد وجدوا أنه غارق – والأصح محلِّق – في سماء الأساطير والروائح الصوفية والغثيان والإنشطارات والبيانات وتهشيم بنى اللغة وتفجيرها من الداخل.. فجاء الجيل الناقم – وأؤكد لا اليائس – لينـزل بالشعر من سماواته إلى أرض الواقع المتفجّر ويخلق صوفية شعرية جديدة هي “صوفية التراب” التي وفرّوا لها شرطيها الأساسيين: الأداة التعبيرية المناسبة التي تتطلب التخلي عن “لآلئ” اللغة القاموسية وحتى الشعرية المتداولة، والمرجعية في الحياة التي سيعبِّرون عنها والتي وجدوا أنّها لا تتمثل في “متن” الحياة، بل في “هامشها”: الهامش في كل شيء: في النّاس، القيم، اللغة، الأماكن…إلخ.. هو المعين الذي لا ينضب، وهو المرجع الحقيقي الذي أُهمل طويلاً.
( بيانات شعرية )
كانوا يجتمعون ويعدّون “بياناتهم” الشعرية، وينتجون “رؤاهم” في الأرض الحرام أو في كراج النهضة مع الموت ووسط حشود الجنود والأمهات المثكولات وأمام مصائر تخلّت عنها حتى الآلهة.. لقد أخلصوا لأداتهم فأصبحت المفردة اليومية – الحربيّة والتحرّشية خصوصاً – شائعة في نصوصهم.. وآمنوا بقداسة “الهامش” هذا ما ذكرته في منتصف التسعينيات كثيراً في دراساتي عن “سلمان داود محمد” الذي أعده واحداً من أبرز ممثلي الجيل الناقم في مجموعتيه “غيوم أرضية” و”علامتي الفارقة” والذي أصدر الآن مجموعته الشعرية الثالثة “ازدهارات المفعول به” التي صدرت عن دار الشؤون الثقافية العامّة ببغداد.
في هذه المجموعة تتأكد تماماً استنتاجاتنا التي قدمناها آنفاً؛ حيث ستجد قصائد المجموعة السبع، ماراثون انفرادي، خروف العلة، ازدهارات المفعول به، قدم في الأعالي، طبعاً وإلى الأبد، نثرنة الصنم، و “أنت” “بكسر العــين” مــزحومة بالتعبير، بدءاً من عنواناتها المفارقة بالروح التحرّشية بما هو مؤسس ومرجعي، بالإخلاص لرفيق الشاعر في الحياة: الموت ولعطاياه الفائقة، الإيمان بصوفية التراب الطهور، استعادة تجربة الحرب، شيوع المفردات الحربيّة، قداسة المكان، السخرية السوداء، الإمساك باللحظة الحاضرة دون ذيول تراثية أو رؤي مستقبلية، نقل الهامش في اللغة إلى المركز الشعري، وغيرها. وكل ذلك تحت غطاء مشحون وملتهب من النقمة الشاملة على كل شيء “نعم على كل شيء ودون استثناء وبلا تردد، وفي هذه المجموعة يتضح جلياً أيضاً أنّ الشاعر مؤمن تماماً بأن هامش الحياة الحقيقي المهمل والفذ في الوقت نفسه يفوق إغواءات متنها المنافق والخادع، هذا المتن الذي هوسبب الخرابات والعذابات التي مزقت وجود الشاعر والمجتمع الذي يعيش فيه شـر ممـزق. ولأنـني قـد أسـهمت طويلاً في الجهد التنظيري والتحليل التطبيقي لقصائد الشاعر (سلمان داود محمد) مثل “عاهة إبليس” و”طبعاً وإلى الأبد” و”أنا حزين احذروا التقليد” في دراسات طويلة معروفة نشرت سابقاً وشكلت مخطوطة كتاب سينشر بعد وفاة الكاتب إن شاء الله، يهمني أن أثير في هذا الجزء الموضوعة المركزية والتي تتمثل في سطوة ما هو هامشي – والذي أصبح مركزياً – في اللغة والأماكن والشخوص والمفاهيم….

( دليل غير سياحي لقاريء عابر )
فما يميّز نصوص سلمان هو تساوي عنايته في توزيع جهده الشعري بين الشعرية في متن القصيدة (الذي كان هامشاً) وبين الشعرية في تشكيل وصياغة الهوامش التفسيرية التي وضعها ليوضح معاني الأماكن والمسميات والألفاظ العاميّة التي وردت في القصيدة، ليس لأن بعضها قد يستعصي فهمه على القارئ العراقي في حين يصعب فهم البعض الآخر من قبل القارئ العربي والأجنبي ولكن لأنه يريد ملاحقة المفردة حتى (الهامش) لعصرها واستنـزاف كل طاقاتها الدلالية بعنف – والعنف الشعري من سمات هذا الجيل الناقم – وقوة من أجل التعبير والتفريغ الشعري الأقصى عن شحنات النقمة اللائبة.
لقد وضع الشاعر عنواناً لقسم الهوامش هو (( دليل غير سياحي لقاريء عابر )) وفي العادة يقدم الدليل السياحي للناس العابرين لكن الشاعر يدرك أن ما يقدمه للقارئ العابر هو قطع من روحه، وجمرات من جحيم عذابه لا يمكن أن تكون سياحية عابرة، فهي التي خطط لها لتحلّ كمثابات مقدّسة يستضيء بها القرّاء (العابرون) الذين – ضمناً – لا يعوّل عليهم الشاعر كإله مخذول وممزّق. إنّ الدليل الذي يقدّمه يكشف “عظام” الأماكن التي اندثرت تحت طبقات من بلادة الألفة ويفك شفرات المعاني والدلالات النفسية والإجتماعية الجديدة للأمكنة والمسميّات التي أضفت عليها المحنة ثم الشدائد الفاجعة العراقية معانٍ “شعرية” مريرة الإيحاءات.
إنّ الشاعر هنا من طراز الأركيولوجيين – علماء الحفريات/ النبشيات الذي تخصص في الوصول إلي أعمق طبقات الأسي في التربة العراقية التي اختزنها المكان وفجّر دلالاته الشاعر؛ وسلمان، بالإضافة إلي كونه حفّار مسلّح بأزميل مفردات النقمة فهو “شفّار أو مشفّر” متخصص في وضع شفرات المحنة وفك رموزهـا، وشعراء الجيل الناقم لديهم شفرات اتصال لا في القصيدة حسب بل في الحياة اليومية أيضاً.
وهذا كله من عطايا الحرب، فلغة التفاهم مع الموت تختلف عن لغة التفاهم مع الحياة. وحين كنت أخرج في جبهة القتال خلال ظلام ليالي الحرب الدامسات الداميات للتأكد من يقظة الجندي المكلف بالحراسة ومعرفته بسرّ الليل يدور بيننا هذا الحوار:
– الجندي (وهو يري شبحاً يقترب): قف.
– الضابط: (يقف ) .
– الجندي: سرّ الليل.
– الضابط: مجنون.
– الجندي: تقدم. (الضابط يتقدم).. قف (الضابط يتوقف).. العراق.
– الضابط: نخلة. (يخفض الجندي سلاحه ويؤدي التحية).
أي قارئ عابر سوف يستخف بهذا النصّ/ الشفرة حين يعامله بذهنية (سياحيّة) في حين أنّ هذه الشفرة /النص بالنسبة للجيل الناقم تمثل الشعرة الفاصلة بين الحياة والموت لأن نسيان أو غلط غير مقصود بحرف قد يؤدي إلى قتل المعني و(المعني) و(تفكيك) مصير المقاتل، و(موت المؤلف) الفعلي. وقد امتدت شفرات النقمة (لاحظ أن الشفرة في اللغة العربية تعني مجموعة رموز مثلما تعني حدّ السيف.. من عجائب اللغة) في وجدان ولغة ونصوص شعراء الجيل الناقم وترسخت فيها. وبدون الاستماتة في فك شفرات الهامش لن نمسك بدلالاته الشعرية أبداً. يقول سلمان في هوامشه: (ساحة الأندلس): مربط للحانات وفنادق الدرجة الممتازة والمستشفيات الخصوصية وأغاني الشعراء بعد منتصف الليل، ولا تمّت هذه الساحة بصلة إلى بلاد الأندلس أو سقوط غرناطة إلاّ في التسمية والأسى.
(ماكو): تعني باللهجة العراقية الدارجة: لا يوجد، أو، لا أحد، وهي صيغة للتعبير عن – الشحّة – وهي على أية حال صفة من صفات الضمير العالمي الآن (وبالمناسبة فان شكو ماكو التي نتندر عليها هي لفظة بابلية – الناقد ).
(ساحة السباع): مكان يمتد عرضياً بين شارع الشيخ عمر وشارع غازي، تقطعه (مأسدة) من الرخام المثلوم، ونافورات تتقن الجفاف، وقد عرف هذا المكان ببيع وشراء الحديد والمعادن الأخر، وبخاصة تلك المسروقة من المقابر، والتي هي عادة تسيج القبور كزينة أو لغايات روحية.
الحصّة: كائن خرافي يبلغ من العمر بضعة من أجزاء الكيلوغرام أو يزيد قليلاً، يتشكل من لطخة زيت وحفنة عدس ورشقة طحين ومكعبات صوابين وشظايا من السكر والملح ومنظفات الغسيل..إلخ. وهذا الكائن من اختراعات السوق الإمبريالية المشتركة ويسمّي جزافاً – الحصة التموينية – .
(ملجأ العامرية): مبنى لصناعة الموت، طاقته الإنتاجية خلال يوم 13/شباط/1991 فقط أكثر من /400/ طفل وامرأة وشيخ – عراقيو المنشأ – تم تسويتهم وبخبرة أنكلو – أمريكية إلى مخازن جمع الأشلاء.. يقع بالقرب من معامل (بسكولاته) الشاسعة المرارة.

3 تعليقات

  1. صالح الرزوق

    لا اعرف هذا الشاعر و لكن من عرض الدكتور سرمك أستنتج 3 نقاط هامة.
    1- إنه شاعر رجيم على طريقة لوتريامون. يحول أفكاره النثرية لرؤيا شعرية. و تكشف كل ما هو مسكوت عنه و يقع في دائرة المهذبات أو الخبيئة.
    2- إنه يشبه في لعبة المتن و الهوامش ما فعله جيسواف ميوش في “الفضاء الثاني”. حيث ان التعليقات و الشرح يحتل مكانة هامة مثل القصيدة إن لم يكن يضفي عليها قيمة شعرية إضافية.
    3- أن يكون الشاعر ليس ضمن الخط العام للشعرية العربية لا يعني أنه صعلوك. وأن يكون صعلوكا لا يعني أنه صاحب رؤية فلسفية و طريقة في الحياة. و القوميون العرب الذين اضفوا شعرية على قطاع الطرق ليسوا أفضل من أي أسطورة أنغلوساكسونية أو لاتينية. فاللص الشريف مجرد سلوك فردي بلا أي خلفيات فلسفية أو مواقف ذهنية. إنه مجرد ردة فعل استغلها القوميون ليغطوا على فقر ماضينا بما يمكن تسميته عدالة أو اشتراكية.
    و الله أعلم.
    شكرا للدكتور سرمك على جهده الملحوظ و إسهاماته بمسح الغبار عن تجارب خلافية ولكن أصيلة.

  2. شكرا جزيلا أخي الدكتور صالح الرزوق على ملاحظاتك التي تأتي كالعادة عميقة وثرة.

  3. بعد التحية..
    عندما قرأت هذا المقال شعرت بالخجل، اذ انه خال من الكتابة النقدية من حيث الاسلوب و معالجة الموضوع بل انه قول عام لا ينسب الی النقد بأي شكل من الاشکال، بل احيانا يتحدث الکاتب فيه عن أشياء خارج موضوع الشعر و نتاجات الشاعر کالـ:أطفال العامرّية ، الحيدرخانة ، الجيل الناقم،
    ثم يتکرر الشاعر الجيل الناقم بتطرقه الی جيل من الشعراء و يسميه الجيل الناقم و يذكره أكثر من مرة، الی أن يقول: والعنف الشعري من سمات هذا الجيل الناقم….أو:
    استعادة تجربة الحرب، شيوع المفردات الحربيّة، قداسة المكان، السخرية السوداء، الإمساك باللحظة الحاضرة…..
    هذه کلها کلمات عامة لا تتعلق بتجربة الشاعر الابداعية كذات ذو اسلوب شكلي شعري و ابداعي متميز، ولو ان الکاتب لا شعوريا تطرق الی عدم مؤهلاته النقدية عندما قال: لو هيّأ له الأخوة النقّاد “الأعدقاء” فرص الانتشار… أي بما معناه الکاتب ليس ناقدا، لذا يوجه كلامه الی النقاد..
    هو علی حق، يتعامل مع الشعر (فقط من باب المضمون) کخطاب أو مقال أو نثر أو قصة تحمل دلالات، والا أين تكمن شعرية المقال؟ النقد الشعري يحتاج الی معرفة تامة بجوهر الشعر و معناه و مكوناته و مدارسه (نظريا و عمليا)، لکن کاتبنا الحبيب وحسب متابعتي لکتاباته فهو يکتب في أكثر من مجال اجتماعي و ثقافي و…..، والنقطة المهمة الاخری التي لاحظتها في مقالاته هو لا يتبع أي مدرسة نقدية حديثة، بل انما يتطرق في کتاباته الی الشرح و الاطراء و المدح، أو التحدث عن تطلعات الشاعر و رؤاه دون كشف أي مستور أو فك لغز أو رمز غير مكشوف في النصوص أو التحدث عن الابداعات الشکلية و اسلوبها و تقنياتها المتنوعة، ناهيك عن غياب قوة الاستنباط عند الکاتب، والتي تعتبر شرطا مهما لجعل الناقد متمكنا..
    في الاخير لا يسعني الا ان اناشدكم بان تترکوا الامور لأصحابها فنحن نعيش في عالم تخصصي، يکون البقاء فيه للأصلح والاقوی علميا و منهجيا و معرفيا…
    مع التقدير

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *