فؤاد قنديل : نساء وألغام (1)

* الجزء الثاني من ثلاثية “المفتون”

مــاذا فـعـلـت  بناسك مـتـعــبـد  ؟

                                              ف . ق   

    11 سبتمبر 1981
كل شئ من حولي يتداعى.. الرؤية غائمة.. أشياء تظهر وتختفي. رياح خفيفة تخبط الشباك المفارق فينقر فى رأسي نقرات شبه منتظمة.. رقيقة لكنها مزعجة.. السقف أبيض والحيطان بلون السماء الصافية إلا من غيوم  قليلة ، يرسمها الطلاء المهترئ فى سفوح الحيطان. صمت تام إلا من تمتمة الريح وأنا على سرير أبيض.. مغلق علىّ باب أبيض.. كنت آخر مرة فى بيتنا. أنا هنا كما يبدو فى عيادة أو مستشفى. أندهش لفترة قصيرة إلى أن اشتعلت ماكينة الذاكرة المجهدة.. أحس أنى ضعيف للغاية.. أشعر بالظمأ. تحولت بصعوبة إلى الكومودينو. شعرت بألم شديد فى رقبتي، تبعه إحساس بالألم قادم من مؤخرة رأسي، رأيت جرساً على الكومودينو. تحاملت لأدنو منه وأنا أمد ذراعي بطوله. تراجعت فجأة، فقد صرخ ساقي من الألم. ملاءة بيضاء تغطي جسدي كله.. ماذا حدث؟.. ما كل هذا الألم؟.. بللت شفتيٌ بريقي وأعدت رأسى إلى الوسادة ونظراتي إلى السقف.. لمبة فلورسنت تمتد على السقف وقد غمرها التراب تهمس بنور شاحب متوتر يظهر ويختفي كأن شخصاً يعبث بالزر.. لمحت بيوت العنكبوت أعلى ركنين فى مواجهتي.. الغرفة ضيقة.. رائحة الفينيك تقتحم أنفي.. الذاكرة فتحت أبوابها وبدأت فى عرض مخزونها.
حالة جسدي هى ذاتها الحالة التى اكتشفتها منذ نحو خمسة وعشرين عاماً.. هل عدت ربع قرن لأعيش بالتفصيل ما جري بعد أن سقطت من فوق سطح بيتنا ونقلوني إلى المستشفي وأصبت بالضبط نفس الإصابات فى مؤخرة رأسي ورقبتي وساقي اليمني؟.. إما أن الزمن ارتد أو أن حادثاً مشابها أصابني من جديد.. الأرجح أن يكون الزمن قد ارتد ليمارس معى لعبة معينة.
كنت وأخي نازك نلعب الدومينو فوق السطح وخلفي عدد من الملاءات المنشورة على أحبال الغسيل.. هناك من يوسوس للناس كي يصدر عنهم ما لا يمكن أن يصدر عنهم بشكل طبيعي.. كل دقيقة يقول لي أخي:
ـ  وسٌع.
أرجع بظهري إلى الوراء، ونواصل اللعب، ثم يقول لي:
ـ  إن الشمس تلسعني. ارجع قليلاً.. أنت فى الظل وأنا فى الشمس.
رجعت قليلا، ثم قليلا، إلى أن غبت عن الوعي فجأة.. وعندما تسلل الوعي عائدا ألفيت نفسي بالحالة ذاتها وربما فى الحجرة ذاتها.. أغمض عينيّ محاولا فض الاشتباك.. دخلت ممرضة وبيدها صينية صغيرة، عليها سرنجة وبعض حبات الدواء.. رفيعة وسمراء  . ردفاها ضخمان بشكل غريب.. ليست هى التى كانت تمرضني عندما سقطت  من ارتفاع ثلاثة أدوار من منور بيتنا الذى  كان  بلا سور.. أبي  اشتري الطوب فعلاً ورصه العمال فوق السطح وبقي فى انتظار البنا.. الملاءات المنشورة بعرض السطح أخفت المنور عن أخي، تبع الممرضة بعد لحظات جندي وظل واقفاً، عيناه عليها وعلىّ.. بمنتهي البطء صارت تؤدي مهمتها وهى تغني . لم أشعر بشكة الإبرة .  قال لها الجندي:
ـ خلصي يا أفكار
ـ يوووووه  
ـ اعملي لك همة.. الشاي سيبرد.
   كان زميلي فى” استوديو مصر ” اسمه أفكار. محاسب ماهر، لكنه أكثر مهارة فى المشي على يديه.. يجلس على المكتب ساعة ويسير على يديه نصف ساعة ويكلمنا ونكلمه.. عادة غريبة لا تسبب له ألما ولا جهدا، وأحياناً كان يقزقز اللب ويغنى مثل أفكار الممرضة. شكت لى زوجة أفكار لأنه  كان يسير فى البيت أيضاً على يديه .تدخلت مرارا للصلح.
 إذن فهذه كانت نهاية المطاردة الملعونة. أنا هنا مقبوض علىّ.
كان ضابط مباحث أمن الدولة ومساعده، قد طرقوا الباب للقبض علىّ فى بيتنا ببنها، قال والدى وأخى للضابط كما أفهمتهم :
ـ  سافر فى مهمة للعمل.
سمعت الحوار الذى دار بينهم. أسرعت إلى السطح .. قفزت فى خفة إلى السطح المجاور حيث يقيم عم فوده وابن عمتي المهندس محيي ، ونزلت من سلمهم إلى الطريق، لكن الضابط ومعاونيه لمحوني فى آخر لحظة،.. عدوت بأقصى ما أملك من سرعة بحذاء منزل الكوبري محاولا عبوره إلى الجانب الآخر لأدخل بيتا من بيوت أصدقائي ..كانت السيارات هابطة فى اندفاع شديد من فوق كوبري 15 مايو واختفي بعد ذلك كل شئ.
أخي تسبب فى سقوطي قبل خمسة وعشرين سنة والآن مباحث أمن الدولة.
انتهت أفكار تقريبا وخرجت مع الجندى الذى يجر رجليه وبندقيته .أنسحب إلى الداخل . تمايلت الجدران  ، وهبط السقف المعجون  ببعضه ، ثم غاب كل شىء من جديد .
 جفناي ثقيلان. أود أن أنام. ما هذه الصور التى تسكنني وتحوم فى أعماق ذاكرتي، كأني فى قبر، وجاء يوم الحساب.. أعرف أصحاب هذه الصور وهذه المعالم.. على الأعرج  ..مبارك وسنته الذهبية.. الطريق الصعب على الحدود الليبية المصرية.. أركض ويركض كثيرون ورائي. ثعبان هائل يحاصرني ويحملني وأنا بداخل السيارة. الجبل الأنثى. روبرتو يقود اللنش بجنون. المافيا تختطفني ويطلقون النار على من حولي.. كلوديا الجميلة تطل برأسها وتبتسم . جلوريا تدور فى الشوارع تسأل عن القرأن.. صوفيا تتعلق بروبرتو  الذى يهبط بمظلته فوق العلمين .. البابا مشغول بالرئيس فورد ولم يقابلنى فى  الفاتيكان. ماري ويزل والرجل ذو العين الزجاجية..  العقيد القذافى يلقى خطبته فى الثالثة فجرا .. الخيول ترقص وتنحني لدون جيوفاني. فيزوف يثور وتصعد حممه إلى السماء ثم تسقط من جديد. السادات يقف منتشيا ووراءه جولدا مائير تناديه من فوق الكلوزيوم. الماء ينهمر من فوق الجبل ويغرق البحر وأنا فوق المجداف الذى بقي لي بعد تحطم الزورق البرتقالي. تينا تعانقني بشدة ولا تود أن تسمح لي بالإفلات. سامية تمزق خطاباتي ، بينما عمر  الجميل يدس خنجره فى رقبتى. قطع الشطرنج تتناثر فوق الباخرة والقبطان يجمعها وينظر لي بعتاب.. أركض بحماسة شديدة فوق مياه الخليج.. الإنجليزية تقول: كِسْ مي أجين.. أمي تضمني إليها وتصعد بي فوق عمارة بنفسجية ونطل على نهر يجري فيه الحليب ونبتسم. أركب البلدوزر.
        هذا أنا.. نعم . أركب البلدوزر وأحطم السور الذى كان يلتف حول الجميع .لم أحضر عمليات الإعدام التى تمت لنحو 1800 مواطن، لكني أراهم فقط على الحيطان واحدا واحدا متدلية أجسادهم من المشانق.. تحت كل واحد بقعة دم متخثرة تتلون فيها فقاقيع وتتمتم بكلمات غير مفهومة. اليهودية عرفت كل شئ عنى فآثرت الهرب.. أواصل الهرب  بلا نهاية . كثيرون هم الذين يركضون خلفى . كل مكان أذهب إليه، يخرج من يرحب بي قائلا: تفضل يا مجنون.. أنا لست مجنوناً.. أنا..
 فتاة السينما تفتش فى جسدي. الكاميرا تمر لتتوقف عند المناطق الحساسة.. تركت كلوديا الجميلة بعد أن منحتني قبلة الحياة.. أسرعت مبتعدا عنها . كنت أود اللحاق بالباخرة. أتدحرج من فوق الجبل. تتحطم ضلوعي.. جسدي.. كل أعضائي تتألم.. تتألم. من ؟
 الجندي أمامي يقول: استيقظ.. حضرة الضابط يتحدث إليك.
 سألني الضابط مبتسماً وأنا بالكاد أري من جديد تلك الحجرة البيضاء الكابية:
ـ كنت تتحدث إلى شخص وتقوله له: 99% من ورق اللعب فى يد.. ثم تضحك..ها..ها ماذا يعنى هذا؟ وبماذا كنت تحلم؟           

 * * * * *

   من بعيد، عند أطراف الضفة الأخرى من النهر، كان هناك صف من الأضواء الكهربائية تطلقها لمبات ساهرة معلقة فى أعمدتها، ترفرف أنوارها على الماء فى رجفات متتالية كأنها تود لو تنطفئ، لكنها كانت تستشعر أن البشر بحاجة إليها، وإنها وإن تقطعت أنفاسها يمكن أن تبدو ولو كنجوم تؤنس الخائفين أو الذين على وشك اليأس.
 لم يكن هذا المشهد أمامي، كان يطل من الذاكرة  . ربما ليهدهد جوانحي المرتعدة، بينما أدفع حقيبتي مجتازا بوابة مطار القاهرة لأستقل الطائرة إلى طرابلس. لا أحس بالأرض التى أمشي عليها بخطوات قصيرة وديعة.. تنوب عنى قدماي فى عدم الضغط لأن الحاضر هش، وأنا مشدود إلى ماض يشبه عربة خشبية تحمل قدرا هائلا من الكراكيب التى تمضي فى بيداء بلا سماء .. سقفها غموض الضباب، متطلع إلى مستقبل كالمرايا تنعكس على صفحتها الكثير من رؤى فائتة.
 لم أكن حزيناً ولا تعساً، لكنى بلا قدرة على الإمساك بشئ محدد فقد وضعت نفسي أو الأقدار على سير الحياة وكُتب علىّ أن أغادر بلدي شبه هارب فى الأول من فبراير عام 1973  ..عمري تجاوز الثامنة والعشرين بشهور، لا أذكر إلا شيئا واحدا هو أن الإسرائيليين الأوغاد يتمددون فى سيناء، تندس مواسير مدافعهم فى عيوننا، وتمشي جنازير دبابتهم على قلوبنا وأكبادنا، بينما تطلق عيونهم ثعابين تتجه مباشرة إلى حلوقنا وتخرج من مؤخراتنا العجفاء كثمار عطبة.
 أخرجتني إجراءات المطار من كهف الأفكار التعسة. التقيت بمحمد توفيق ونبيل الألفي، الممثلين المعروفين .. تعرفنا فى مناسبات سابقة ، فقد سجلت بصوتى معهما دوبلاجا لبعض الأفلام التسجيلية الأجنبية .. تبادلنا الأحاديث فى الطائرة، كانا ذاهبين إلى هيئة المسرح الليبية للإشراف على دورة تدريبية للشباب من هواة المسرح. سألتهما عن عمر الحريري الذى كان على أن ألتقيه. قالا إنه فى بنغازي وليس فى طرابلس. سقطت أول ورقة من الأوراق التى أمدني بها صديقي أحمد كامل مرسي شيخ مخرجي السينما الذى كان يوقع دائما حتى من أيام أن كان يكتب المقالات فى الثلاثينيات بمجلة روز اليوسف بالحروف الأولى من اسمه (أ.ك.م).
لم يكن أحد بانتظاري غير المساء ومطار بائس مكون من عدد من الأكواخ المتناثرة.. قاومت فكرة أن تكون الطائرة قد اختطفت وأجبرت على الهبوط فى إحدى القرى الأفريقية المنسية..
مررنا بصالة كبيرة تضيؤها لمبات خجولة، أشار لنا أحد الجنود  بالجلوس على المقاعد، ثم اختفى . جاء آخر فسأل عن محمد توفيق ونبيل الألفي وطلب منهما مصاحبته ولم أرهما بعد ذلك. ثم جاء آخرون، واحد بعد الآخر يطوفون بنا ثم يغيبون، ليتأكدوا إننا لازلنا جلوساً ونتمتع بالصبر الكافي.
مضى وقت طويل بدا إنهم لا يحسون به، ونحن غرقي فى الامتثال نتململ. حتى ظهر بعض الضباط وركبوا ظهور مكاتب معدنية صدئة الحواف. استمتع الضباط بالتحديق فى وجوهنا، وفى جوازات السفر بشكل مبالغ فيه، وبعد تقليب كثير لا معنى له انقضوا بالأختام على جوازات السفر.. أدركت الآن ومتأخرا كعادتي حجم خطأي إذ لم أتصل بأحد أقاربي المهمين الذى يشغل منصباً كبيراً فى وزارة الشئون الاجتماعية الليبية.. عاتبت نفسى بقسوة بسبب فلسفة الاعتماد على الذات التى أمنحها كل الاعتبار مهما عانيت وبددت المنفعة.. كانت الساعة الواحدة بعد منتصف الليل.
واصلت التقريع لنفسي المحاصرة فى المأزق الحرج. كانت السيارة الأجرة الوحيدة المتبقية
عجفاء ومبتلة وتبدو كأنها ترتعد وتتداخل ، وتدرك حجمها المتواضع .
  قلت لسائقها :
ـ أي فندق فى وسط البلد.
ـ باهي.
قالها متحمسا لأن شخصا قرر أخيرا أن يدعوه لتوصيلة . ربما كان مركونا هنا منذ عدة أيام . أغلق الباب بعنف وعامل السيارة بقسوة وانكفأ على المقود يثقب الزجاج بنظراته. بقي ساكتاً لحظات.. وفجأة قال: كيفها مصر ؟
قلت: الحمد لله.
  أشعل سيجارة ثم قال:
ـ فيه فندق صغير فى المدينة القديمة قريب من سوق الظلام .. يناسبك ؟
ـ لا بأس.. مسافة الليل والصباح رباح.
      هل يمكن أن يكون  فى الدنيا سوق يباع فيه الظلام ؟ أم تراه سوق لا يقام  إلا فى العتمة ؟!
أزاح الطاقية عن جبهته وعدل نفسه على الكرسي وهو يقول: مربوحة بإذن الله.
أخذ يهتز كأنه يحاول مساعدة السيارة البيجو 404 العجوز على التهام الطريق.
لم أستطع أن أهرب من قفاه .كان غليظا جدا واللحم المكدس  طبقة فوق طبقة تفصل بينها شقوق بالعرض ، ومع كل حركة من رأسه تتسع الشقوق وتضيق .
وصلنا بعد دوران كثير فى شوارع أكثرها مظلم إلى زقاق. توقف ونزل قائلا:
ـ الليلة بدينارين.
مد يده..
قلت له: الآن ؟
قال: الآن.
لما أعطيته، قال:
ـ انتظرني دجيجة
بعد أقل من دقيقة عاد وقال: هيا.
سحبت حقيبتي ومضيت وراءه كالشاة. طرق الباب كثيرا حتى فتحه فتى مغمض العينين.. تبادلا الحديث الهامس. دعانا للدخول. أخذ السائق نقوداً من الفتى وصفع الباب وفى أعقابه زأرت السيارة واختفت  . ساقني الفتى إلى حجرة لم أستطع أن أري يدي فيها. أمسك بي وجرني حتى سرير ضيق مثل كنبة لا تسمح لك  إلا أن تنام على جنب واحد ،  حتى يشاء الله لك أن تستيقظ. سألته عن مفتاح النور.
ـ ليش تريده؟
ـ أغير هدومي.
     نظر إلى هندامي، البدلة الشيك والكرافت، فاضطر أن يشير إلى المفتاح. وأسرع بالخروج وهو يقول:
ـ لا تنسي تطفيه.
هاجمتني روائح  بشعة كثيرة ومتداخلة  كأني أدخل إلى المجارى العمومية.  تتغلغل فيها وتختلط  رائحة لجثث متعفنة .  صدمني ما رأيت. الحجرة كبيرة . حيطانها  فقدت  الطلاء عن بكرة أبيها .. بها سريران غير سريري، ونحو عشرة رجال على الأرض، المشهد مستفز، بل مرعب.. القذارة تستعرض تجلياتها  والفوضى شاملة والأصوات مزعجة..لا مفر . الظلام من ورائكم والقمامة من أمامكم . بدأت خلع ملابسى . أثناء ذلك مضت تطعننى  سيمفونية من الغطيط متعدد الطبقات. نظراتى تنقل لى  الأوضاع العجيبة للنائمين . منهم من نام كأنه يسجد للصلاة، ومن كان لا يستطيع النوم راقدا طول الوقت فبعد أن ينحط جسده يسرع بالجلوس حتى ينقذ نفسه من الموت لأن النوم راقدا يكتم أنفاسه. شخص يرفع ركبتيه ويفشخ رجليه فيستغرق والغطيط مؤشر الاستغراق الوحيد، وعندما تسقط الركبة ينقطع الحبل  الصوتى الغليظ.
       لماذا ألقي بي السائق فى هذه المقبرة؟ لابد من الخروج الآن مهما حدث.. لكن إلى أين؟ الساعة تجاوزت الثانية صباحاً، وأنا مهدود والسيارات قليلة، والطرقات تبدو غير آمنة. أشعر أنى تحت سابع أرض .
تأملت السرير أو الكنبة المخصصة لي، كانت وسادتها فى الأرض وملاءتها تدلت، وظهرت البقع الكبيرة على المرتبة التى عملت الإبرة فى أطرافها لتطيل عمر قماشها. بدت المرتبة الإسفنجية الداخلية أسمك قليلا من ورق الكراتين، بل ربما لم تكن إسفنجية وإنما كرتونية.
ـ الله يلعنك يا بعيد.. ماذا أفعل وأين أذهب ؟
  سببت نفسي بحنق:
ـ غبي .. غبي.
فجأة، تسللت مياه باردة إلى جسمي المنتفض وأعصابي الثائرة، وشرعت فى الخروج من حالتي وتأمل ما حولي.
   لم تكن فى غرفة السجن الذى تذكرته الآن أسرة .. الأرض أسمنتية ولكل شخص بطانية سوداء خشنة ينام عليها ووسادة كالوسائد المنتشرة على الأرض وقد انحرفت عنها الرؤوس، وكأن اللاوعي حتى لهؤلاء البؤساء يرفضها.
 فى أحد أيام يوليو 1967، تأهبت لموعدي مع هند زوجة المستقبل والفتاة التى أغرمت بها. لبست البدلة الصيفية الجديدة التى اشتريتها معها قبل يومين ، وكنا قد عزمنا على قضاء اليوم كله معاً.. غداء فاخر وحديقة ورحلة نهرية وجلسة فى كازينو قصر النيل الذى أحبه ثم سينما.. هند.. هى من أريد.. المثقفة الجميلة. الرقيقة الخلوق.. تحسن الاستماع وتتكلم  إذا لزم الأمر فى حدود ما قل ودل.. مسألة وقت فقط ويجمعنا بيت واحد، وإلى أن يحدث هذا لا يجب أن  نفترق أبداً.
كنت مع الأسرة فى بنها منذ يومين ، وما أن قبلت يديٌ أمي وأبي وسلمت على أخوتي حتى دق الباب شرطى .. ما الأمر.؟ 
ـ  نريد فؤاد محمود.
ـ  أنا فؤاد.
ـ  هيا معنا .
ـ  إلى أين؟
ـ  ستعرف..
      كان الجندي مهذباً.
 قال: دقائق مع حضرة الضابط وتعود.
ابتسمت ولم أهتم. لست عضواً فى الحزب الشيوعي ولا فى ” الأخوان المسلمون”.. ولا فى أية جماعة ، ولم أخرج فى أية مظاهرة إلا عندما كنت طفلاً عامي، 1951.1950 ولا أظنهم فى العهد الجمهوري سيحاسبونني على المظاهرات التى اشتركت فيها وأنا فى السابعة من عمري. لا أستبعد ذلك خاصة أننا كنا نهتف: اليوم حرام فيه العلم.
 طمأنت الجماعة ووعدتهم بالاتصال قبل مغادرتي إلى القاهرة.
     فى الطريق.. فهمت جزءا من المسألة.. مباحث الجيزة زارت شقتي هناك فلم تجدني، أرسلت إلى مباحث القليوبية لإحضاري من بيت العائلة فى بنها . أفهمني الجندي، إنه يطمع فى ألاَّ أثير المشاكل ولا داعي لوضع الحديد فى يدي حفاظاً ـ على حد كلامه ـ على مظهري وشخصيتي . ركبنا القطار وكل حواسه تراقبني. اشتريت له علبة سجائر و باكو  بسكويت.
   وصلنا إلى منطقة التجنيد فى آخر جسر السويس، وأنا لا أكف عن السؤال عن سبب الدعوة الكريمة، والجندي لا يجيب، مؤكدا إنه لا يعرف.. سأل عن الضابط المختص ، قالوا له:  خرج
 سلمني لضابط آخر. أصر على وضعي فى الحجز حتى الصباح لأن الضابط ذهب ولن يعود الليلة.
ـ حجز.. يا نهار أسود!
قاومت وزعقت، ولم يعبأ بي أحد، وفهمت أن المطلوب تجنيدي، قلت: 
ـ أنا معافى من عام 1963.
قال الضابط: بعد 67 ألغي كل ذلك وسيتم تجنيد الجميع.
قلت: أنا معافى ليس لأني لم يصبني الدور، أنا معافى بسبب ضعف بصري. ألا تري أني ألبس نظارة ؟
قال بمنتهي الحسم: ألغي كل هذا وسيعاد الكشف.
الغريب أنني لم أكن ألبس نظارة عام 1963، وفوجئت بالطبيب يخرجني مع المعافين، فحزنت لأنه قال أني غير لائق طبياً والسبب النظر، ذهبت إلى أكبر الضباط لأعترض مؤكدا رغبتي فى دخول الجيش . نظر إلىَّ بدهشة وقال:
ـ   أنت أكيد مجنون.. تفضل امشي من هنا.. ليس عندنا وقت لأمثالك.
     دخلوني الحجز.. ألصقت ظهري بالباب الذى أغلق من الخارج.. سبعة رجال من مختلف الأعمار. الحجرة معتمة وكئيبة. تأملونى جميعا.. لفت عيونهم على كل موضع فى جسدى .. تقدم مني شخص ضخم يلبس فانلة داخلية وبنطلون ملطخ بالبقع والهباب وحافى وعمر قدميه ما سمعت عن الماء . ملابسه  ربما لم يخلعها منذ ربع قرن.. مد إصبعيه وسحب موساً من تحت لسانه، وقال: أهلاً.
قلت: أهلا بك يا حضرة.
فحصني من أعلى إلى أسفل، ثم شق الفضاء بالموس أمام وجهي، فدخلت فى بعضي وسقط قلبي فى قدمي، كانت عيناه واسعتين جدا ومرعبتين وشاربه يتدلي على جانبي فمه.تفوح منه رائحة مقززة  تعتقت و تخمرت من كثرة التدخين . وأنا أكره التدخين موت .  قال وهو يمسك بيده القذرة ياقة الجاكتة ذات اللون الأبيض المشرب بشعرة رمادي:
ـ والواد الافندي منين؟
ـ من الجيزة.
ـ أحسن ناس.
 التفت إلى الرفاق وصرخ فيهم.
ـ وسع يا لوح منك له.
 قفزوا إلى الأركان كالفئران .. قام أحدهم بتجهيز ركن ضم أفضل ما فى الغرفة، ودعاني صاحب الموس للجلوس، ثم قال قبل أن أجلس :
ـ معك سجاير؟.
حمدت الله وما زلت أحمده لأنى تذكرت فى غمرة رعبي أن أخرج له”حتة بخمسة” . التقطها بسرعة أحد المساجين.. قفز إلى الشباك ونادي من خلف قضبان الحديد :
ـ حلاوة.. واد يا حلاوة يابن الكلب.. هات علبتين سجاير لشمارة.
قضيت الليلة فى حماية شمارة، الذى لم يكف عن طلب السجائر وقد غاب عقلي فى هند التى تنتظرني منذ ساعات طويلة وأهلي الذين لا يعرفون عني شيئاً، لقد أخذوني من الدار للنار. كل دقيقة يطلب شمارة السجائر حتى أصبحت أراقب كل سيجارة لأعرف عمرها بين الشفاه ولم يكفوا عن الضحك عندما غلطت وقلت:
ـ   يا جماعة السجائر مضرة جدا بصحتكم .
 ظلت هى عبارة السمر طوال الليل وأحيانا تتبعها ” شخرة ” معتبرة وأحياناً “أحَّا”   
لم يأت الصباح بالفرج، فقد تقرر أن أبقي حتى يوم السبت، إذ كان اليوم هو الخميس  الذى يسافر فيه الضابط المختص عادة إلى ذويه فى البحيرة.
فى غمرة غضبي سببت عبد الناصر.
                                   ****
ذهبت فى نحو العاشرة إلى الإذاعة للقاء جلال معوض الذى أحمل له ورقة بها تشديد على المساعدة من (أ.ك.م).. قال أحد الموظفين أنه عاد إلى القاهرة أمس.
تبددت ورقة مهمة ثانية، فجرجرت قدمي الثقيلتين نحو الشارع. ثم تذكرت اسم مدير الإذاعة وكان قد استقبله (أ.ك.م) فى بيته، عند زيارته للقاهرة وكنت موجوداً وتعارفنا، قلت: أسأل عنه وأعلمه بوصولي وأنقل له تحيات شيخ المخرجين، لعل وعسي.. علمت أنه لم يعد مديراً.. حط على قلبي استياء، وانكمشت روحي.
فاجأتني ثورة قريبي رمزي الدهشان، ولم يسمح لي بالكلام، أمرني بالحضور إلى مكتبه خلال دقائق ومعي الحقائب.. وصلت إليه دون عناء ودون حقيبة فقد كان المكتب فى أهم شارع فى طرابلس. عمر المختار.
لم تفاجئني ثورته لأنه دعاني بإلحاح لزيارته، فهو كريم ولديه نخوة  .لكن زوجته الجميلة المغرورة والمتعالية غابت عن خاطره، ولم يستحضر شخصيتها القوية.. نسي إنها تعودت أن تتخذ مواقف صارمة تجاه أهله بوصفهم من الفقراء، فقد كان من سوء حظه أن معظم من طرق باب بيته كانوا من الفرع الذى جارت عليه الأيام، ولم تتركهم فى شكل الأقارب المستورين.
      أظن أن شعورها ناحيتى للحق كان مختلفا  . كانت ترحب بي فى بيتها بمصر الجديدة  ترحيب  حقيقى ،على ألا تطول المدة .
لا أخفى أني كنت كلماً ذهبت إليه بعد إصراره وإبائي، أمني النفس بأن ألقاها.. سيدة ممشوقة القد. اكتفت خوفاً على جسدها بإنجاب ولدين.. جمعت فى ملامحها  تقريبا كل جمال النساء، وعلى بدنها الأبيض تشكيلة لا تنتهي من الأزياء البديعة الشفافة والكاشفة  لمساحات من التشكيل اللافت لجسد فوار وعفى ورشيق وبض . سبحان من صور ، وأنا بلا فخر أملك فى صنف الحريم نظرة خبير ، وأفهم فى الجمال كما أينشتين فى الطبيعة  ولا أزكى نفسى . أفهم فى جمال المرأة  فقط أما الطباع والنفوس فتجاربى  غير مشرفة .
 كانت زوجة رمزى المتوجة  تأمر وتنهي، ويتقبل الكثيرون ذلك على أنه من حقها. إذا هى لم تأمر فمن يأمر؟.. كنت فى حيرة . لديها الحق أن تثور على كثرة من يدعوهم رمزي، لأنه  نادرا ما يدخل شقته بمفرده، أقاربه كانوا يقصدونه  فى مكتبه طمعا فى خدمة  فيصر على دعوتهم إلى منزله ، والبيوت لا يجب أن تكون محطة أو استراحة . لابد للعشم من حدود .
ثار مرة أخرى بعد أن عانقني متسائلا عن الحقيبة.. قلت:
ـ أنزل بفندق.
ـ مستحيل.. هذه إهانة.
تعجبت لحاله، لا يمكن أن يكون فى حالة طبيعية. ألم يفكر أن إقامتي قد تطول لشهر على الأقل حتى أجد عملاً.. زوجته لن تتقبل وجودى إلا ليوم واحد .. أجابني دون أن أسأله:
ـ المدام عادت إلى القاهرة  من يومين .
شعرت بالرضا، وكأن سفرها يخفف عنى بعض الاستياء الذى يتسلل إلىَّ مع ضياع كل ورقة من أوراق اللعب. إذن لا داعي للتوتر.  ” رلكس  ” على الآخر.
      بصعوبة بالغة تخلصت من تشبثه بحتمية الخروج معي إلى الفندق لالتقاط الحقيبة والتوجه إلى منزله. لم يتوقف إلا بعد أن قلت له:
ـ   لدي زيارة سريعة لصديق، أحمل له رسالة عاجلة ومهمة من أهله، وأنت تعرف مشاكل البريد بين البطء والضياع .
     سواء كانت معى رسالة أو لم تكن كنت سأرفض  صحبته، حتى لا تقع عيناه على الوكر الذى بت فيه الهزيع الأخير من ليلتي التعسة، وإن لم أستشعر تلك التعاسة إلا بصورة نظرية لأن جسدي لم يتجاوب مع قرفي من المكان، واتخذ طريقه رغما عني فسقط فى الجب . وفى الصباح أيقنت أن النوم بروفة ناجحة للموت.
  سلمت الرسالة بعد دوخة وعناوين خطأ، أمضيت وقتاً بليت فيه أقدامي بحثاً عن الفندق اللعين، وما أن عثرت عليه حتى اختطفت الحقيبة خطفاً ومضيت إلى رمزي .
        كانت الشقة فى شارع كبير ولا تبعد إلا خطوات عن مكتبه.. الشقة فسيحة. طلب منى أختار أي غرفة فاخترت غرفة الأولاد.. فوجئت به ماهراً فى الطهي، وخلال نصف ساعة تبادلنا فيها الكلام الكثير واستدعينا الذكريات وسخرنا من بعض المؤهلين للسخرية كان قد أعد الغداء ، وبعد نصف ساعة آخر سلمت جسدي للسرير الناعم اللدن الذى كان يسيرا عليه استدراج النوم للبدن المنهك.
  فى المساء حكيت له قصة الأوراق المبددة، فقال:
ـ ولا يهمك.. لا تتعجل العمل.. أنت فى بيتك، وطعام الفرد يكفي اثنين، ودع الأمر لله.
  لم أقتنع بكلمة واحدة مما قال، ولا حتى أن أدع الأمر لله فالمثل يقول بالنيابة عن الرب: ـاسعي يا عبد وأنا أسعي معك..
 بعد تفكير، رأيت أن أذهب إلى هيئة الخيالة (السينما) أو هيئة المسرح أو العودة للإذاعة واقتراح قيامي بإعداد برامج.. حاولت استطلاع رأيه فيما عزمت عليه.. قال:
ـ أولا. أرجوك.. لا تتعجل، ثانيا لا أنصحك بهذا.
ـ لم ؟
ـ العمل فى هذه المجالات مضيعة للوقت، ناهيك عن الوعود والكلام المعسول، وهى مسألة تطول، وأنا أعرفك لا تحب حالة السلم واللا حرب.
ضحكت وتذكرت بسرعة طبيعته العملية. استطرد.
ـ أنت عملت محاسباً فترة، ما ضر لو واصلت فى هذه النوعية، وبعد أن تستقر نسبياً وتعيش فى ليبيا وتعرف عنها الكثير، يمكنك أن تتعاون مع الإذاعة أو الصحافة أو الخيالة أو أي مركز من المراكز الثقافية.
ـ .. .. ..
ـ ساعتها لن تتحاور من موقع المحتاج أو العاطل. سامحني ولكن من مركز القوة، فتقبل وترفض، وتتفاوض على المقابل المادي بشموخ.
جاءني صوت فيروز.
ـ يخرب بيت عيونك.. يا عالية شو حلوين.
    شربت بتلذذ كوبا كبيراً من عصير المانجو. لكنى كنت أعد لمسار آخر .
  فى العاشرة من صباح اليوم التالي مررت على عدة شركات فى شارع عمر المختار والمقريف بلا أي اتفاق مسبق. أقدم نفسي وطلبي، فيهزون رؤوسهم علامة خلو الشركة من الوظائف الشاغرة وفى الشركة السادسة. قالوا :
ـ نريد أن نقف على أرض صلبة.
        قلت بحماس  كأنى أتحداهم :
ـ مستعد لأي اختبار.
  تشكلت بعد خمس دقائق لجنة، وأخذوا فى سؤالي عن كل الأمور تقريباً ، من دفاتر اليومية إلى حسابات العملاء والموردين والمخازن والمتاجرة والأرباح والخسائر، للتكاليف وانتهاء بالميزانية ،  ومن الكمبيالات والشيكات إلى حسابات الصندوق والبنوك والفوائد والقيود المحاسبية والتسويات وأصول الجرد السنوي وغيرها.
  هز الجميع رؤوسهم مع ابتسامة مشجعة، وقاموا فسلموا علىَّ.. تتناثر على الألسنة عبارات المجاملة والاستحسان ،  إلى أن قال أحدهم:
ـ أنت مكسب كبير لأي شركة. لكن سامحني أكيد بعد يوليو القادم ستكون هناك فرصة لتعمل معناً.
أحسست بالإهانة. فما جدوى الامتحان مادمتم بغير حاجة لمحاسب.. اكتفيت بهز رأسي دون أن أقصد أي معني .. كان الأمر متأرجحا بين كرامتي ووجوب السلام والتحية للانصراف. 
 أسرعت أهبط السلم، وفى منتصفه سمعت من يهبط مسرعاً خلفي ويناديني.. كان الصامت الوحيد فى  اللجنة الممتحنة.. أصلع فى الخمسين . قال فى تهتهة مثل يوسف شاهين:
ـ أنا.. عاي.. عايزك تشتغل.. مع. مع. معانا.
قلت بجلافة:
ـ من أنت ؟
قال:
ـ أنا خليفة الأسطى عمر رئيس مجلس إدارة الشركة الوطنية للطرق ومهابط الطائرات.
نظرت إليه من أعلى إلى أسفل. كان يبدو ـ بالكثير ـ رئيس قسم الأرشيف.يكفى أن اسمه الاوسطى .
قلت:
ـ أنت رئيس مجلس إدارة ؟!.
         بدا له بوضوح أنني أضحك فى أعماقي.
ـ هل توافق ؟
عدت أنظر إليه فى شك، ثم قلت: أوافق
قال: هيا بنا.
سألت: إلى أين ؟
قال: إلى الشركة.
سألته: أليست هنا ؟
قال: لا.. إنها فى بنغازي.
قلت: أسمع عن بنغازي، أظنها بعد مائة كيلو على الأقل.
قال: ألف وخمسين.
ـ  يا ا ا ا ه
ـ هيا بنا  .. سنغادر بعد دقائق.
ـ الحقيبة.
ـ سنحملك إليها الآن.
   انطلقنا إلى بنغازي فى سيارة بيجو 405.. البحر السماوي يؤنسنا، ونحن بمحاذاته نمضي على طريق ناعمة، ونادرا ما التقينا بمخلوق طوال عشر ساعات.
* * * * *

تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

عبد اللطيف رعري: درجة الغضب تحت الصفر

ما بوسعي الكلام منذ بداية التكميم …فلا على ألاكم حرجٌ كانت أسْناني بيضاءَ وَكان جبلُ …

من ادب المهجر: اغنية غربة على نهر مور
بدل رفو
غراتس \ النمسا

من حُمَمِ الشوق والسهر .. من فضاءات الشجن .. انبثقت اغنية بنثر العشق لحنها .. …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *