الروائي برهان الخطيب: أشعر أن الكون كله والمجتمع هما ذاتي، وليس جسدي سوى مرآة لهما – الجزء الثاني
حاوره: عدنان حسين أحمد (ملف/43)

إشارة :
برغم أن الروائي المبدع برهان الخطيب يُحسب على جيل الستينات إلا أنّ ما يميز منجزه الابداعي هو هذا التجدّد والتجديد في الأسلوبية وتناول الموضوعات مع ثبات بصمته السردية الجوهرية على خارطة الأدب الروائي العراقي والعربي. وقد أغنى عمله الصحفي وحياته الحافلة بالمتغيرات مخزونه التجاربي فأثرى المكتبة السردية العربية بأكثر من اثنتى عشرة رواية كل واحدة لها عالمها المستقل المتفرّد. يسر أسرة موقع الناقد العراقي أن تبدأ ملفها عنه متمنية على الأحبة الكتّاب والقرّاء إثراءه بالمقالات والصور والوثائق. تحية للمبدع الكبير برهان الخطيب.

في نصوصك الروائية اللاحقة (حب في موسكو)، (ليلة بغدادية) و (بابل الفيحاء) كررت الاشتغال على نفس الشخصيات التي ظهرت في (الجسور الزجاجية) مع بعض الإستثناءات طبعا. هل كان هذا التكرار متعمدا، وهل كان في نيتك أن تكتب ثلاثية أو رباعية، لكنك لم تفعل ذلك، وهل تنوي العودة في أعمالك الجديدة إلى شخصياتك السابقة؟
ـ انطلقت في كتاباتي ليس من قرار حول كتابة ثلاثية أو رباعية ولا من تجريب الكتابة في هذا النوع والموضوع ثم في ذاك بل من موقف وإحساس كلي بالدهشة إزاء المجتمع والحياة والكون، موقف وجد فيّ حتى قبل أن أفكر فيه أو أبتدعه، ولدت ونمت الروايات في ذهني وفي الواقع كما تولد وتنمو أشجار في غابة، بغير إرادة في البداية ثم بعزم وتصميم على الوصول إلى مناطق النور أقصد الكشف والتكشف والمعرفة، يبدو أن نظرة شمولية إلى حد ما نابعة من ذلك الموقف والإحساس هي التي جعلت رواياتي مترابطة ومتواشجة بعضها في بعضها الآخر، ليست هناك بداية واحدة لأعمالي كلها، ولا يوجد مسار موضوع منذ البداية لكلها، ولكنها لم تنم عشوائياً، بل خضعت لعمليات تنقيح عديدة استمرت أعواماً كثيرة أحياناً، أن شكل ومضمون مشروع روائي ناضج لا يستوي ولا يتحقق اعتمادا على رغبات المؤلف وحدها، بل لجملة عوامل أيضاً بيولوجية خاصة باستعداداته واجتماعية محلية وخارجية، فالجواب على سؤالك هذا موجود في الظروف التي خلقت ذلك التتابع والتواشج في أعمالي، منها وقوع أحداث جسام أمامي باستمرار جعلني أواصل رصد وانتظار ما سينجب عنها، وهذا جعلني أواكب أبطالي أيضا من مرحلة إلى أخرى، ومن رواية إلى أخرى، فجاءت أشبه بحلقات في ثلاثية أو رباعية كما تقول أو خماسية، لكني أرفض أن ينظر إلي كروائي مهووس بالتاريخ وأشكاله الروائية المفضلة ثلاثيات ورباعيات وخماسيات، لأن المستقبل هو أكثر ما يثير اهتمامي..
هذا لا ينفي أن التحديات والآمال التي عاشها مجتمعي أملتْ علي أحيانا هذا المسار أو ذاك، تلك الشخصية أو هذه، في رواياتي وبالتالي الأشكال والمضامين. الروائي الحقيقي لا يستطيع أن لا ينظر إلى مجتمعه وأعماقه، أفراده ونفوسهم، إلاّ ككل متكامل بالعالم حولهم، بخاصة في فترات صعود وانكسار كالتي مرت بنا، فترات تكون مترابطة ومتداخلة، وهذا ينعكس بالطبع على وعي الروائي، وصيغه وشخصياته وأشكاله الفنية، لذلك يكون ظهورها في عمل وآخر، وفي مرحلة وأخرى، طبيعيا بل هو حتمي.
وتخلق هذه النظرة إلى التاريخ لدى روائي مثلي عالماً حقيقياً ومفترضاً في آن يستغرقه ويذيبه فيه وتصبح الرؤية الإبداعية لديه إلى الكل والأجزاء مثل نقطة معتمة ربما في الكون تمتص كل شئ، وفي هذا الحال لا يكون فقط ظهور الشخصيات في عمل وآخر طبيعيا خاضعا لخضوع رؤيته الفكرية والفنية المتوقدة فيه دوما إلى رؤيا شاملة للنفس والتاريخ كما أشرت بل وتفاصيل لا تراها بارزة جدا مثل تلك الشخصيات، أقصد تفاصيل الأفكار وترافدها التي تؤثر في سلوكهم وتصرفاتهم التي تتكامل من فترة إلى أخرى كما نرى في مصير عدنان الفكري بدءاً من رواية ” بابل الفيحاء ” مرورا بـ ” الجسور الزجاجية ” فـ ” ليلة بغدادية ” و “حب في موسكو ” إلى ” الجنائن المغلقة ” روايتي الأخيرة الصادرة قبل سنتين، بل وأيضاً تفاصيل مادية يصعب الانتباه إلى علاقات بعضها في بعض، خذ مثلا علاقة الحصان أسعد والعريف اللذين يظهران في رواية ” نجوم الظهر ” عن عام 54 بحصان آخر والعريف نفسه في قصة قصيرة عنوانها المضيف عن عام 59.. أو سكنى عائلة سالم في سوق الدجاج عام 59 في رواية ” الجسور الزجاجية” ثم تربيتهم الدجاج في رواية ” ليلة بغدادية ” عام 63 وقول عدنان في ذلك.. يبدو لي أن روائياً من نوعي لا يؤسر العالم ويضعه في رؤيا فنية حسب، بل ويؤسر هو من رؤياه ورواياته، ويصبح سجينهما وسجين عالمه الإبداعي إلى الأبد، هذا ليس مفرحا ولا محزنا.. إنه واقع!
فحص مادة مجهرياً يقودك إلى الذرات وهذه تختلف كما نعرف من مادة إلى أخرى، ويقودك فحص الذرات إلى الإلكترونات والنيوترونات والبروتونات وهذه مختلفة أيضاً عن بعضها داخل الذرة الواحدة ولها أجزاؤها أيضاً، ولكن فحصاً أعمق يقودك إلى مادة الكون الأولى التي كانت قبل بدء الانفجار العظيم، وتكوّن الذرات، وهذه متشابهة ولا مكونات لها غير نفسها، ولو تتبعنا على هذا المنوال فحص مشروع روائي كالذي قمت به يخيل لي أنه لا يؤسس على أسئلة وتصورات محددة مسبقاً تبحث عن أجوبة كما هو شائع بخاصة في فن مبتذل يكرر مهمة الفن إلقاء الأسئلة لا الإجابة عليها، بل على أسئلة وأجوبة ذائبة في كيان واحد إبداعي، يشبه البحث فيها كما قلت بحثا في تلسكوب أو مجهر عن أصل الأشياء منبعها رؤية شمولية إلى الإنسان والمجتمع والكون رؤية لا تفصل بين أجزاء الكون إلى فيزياء وما وراء الفيزياء لأننا لن نعرف في الأقل ماذا وراء الفيزياء حتى لو عرفنا الفيزياء كلها، ولا تفصل بين المجتمعات، كهذا لي وذاك ليس لي، لأن ما يفعله مجتمع في ظرفنا الراهن وما يفعله مجتمعي يؤثر كل في الآخر، الهواء والأرض واحدة هنا وهناك، لكن نظرة محدودة إلى هواء موسكو المشبع بعادم السيارات وهواء ستوكهولم العابق برائحة الغابات تقول: كلا، ما تقوله غير صحيح، لكني أتكلم على مدى بعيد قد يصبح المجتمع الدولي فيه واحداً يوماً ما يعطى فيه حق تصويت واختيار رئيس له لكل سكان الأرض طالما تنحو دولة كبرى إلى أخذ على عاتقها مسؤولية ترتيب بيتنا الأرضي، لا أحد يعلم ماذا يأتي غداً، وكذلك عدم الفصل بين شؤون الطبقات لأن ما تفعله طبقة يؤثر في الأخرى، قيم الطبقات العليا تنزل إلى الدنيا عبر التلفزيون، ومشاكسات المحتاجين تصعد إلى العليا عبر تجارة مخدرات وعنف، وصولاً إلى الإنسان المتضامن، فلا انحياز بعد إلى قريب ضد بعيد لأن شغل هذا وذاك بات يعتمد على البعيد أكثر من القريب، ولكن هذا لا يعني قبول الأشياء كما هي وإلاّ لماذا الصعود إلى الفضاء، لمعرفة من أجل المعرفة؟ يا لفداحة ثمن هذه الهواية! إذاً لإنقاذ البشرية على مدى بعيد؟ السؤالان صيغتان لإجابة واحدة، أي أن المعرفة من أجل المعرفة يؤدي إلى إنقاذ البشرية، وهكذا هو عدم القبول بالأشياء يؤدي إلى جعلها في وضع أفضل، وهو ما نطمح إليه جميعاً..
تصبح مهمة الروائي رفع قارئه إلى مستوى رؤياه ليس بالقول افعل هذا ولا تفعل ذاك بالطبع، بل بخلق حالة وجدانية مشابهة للحالة عنده تتأتى من انبهار بالإبداع سواء بصياغته أو بتلقيه وهو حين ينجح في هذا يكون مواطناً من الدرجة الأولى حتى لو كان حالة تمرد، أنا لم أشتط بعيدا كما أرى عن سؤالك المحدد، بهل كان في نيتك كتابة ثلاثية.. وهل تنوي العودة إلى شخصياتك السابقة.. لأنني في صراع دائم حقيقي مع مواضيعي وشخصياتي طوال أكثر من ربع قرن، أنا أيضا كذات موضوع لرواياتي وهذا تلمسه بعض النقاد في اعتبار خالد مثلا إسقاطا لشخصيتي، وهذا غير دقيق تماما، مواضيعي تصبح في هذا الحال المؤلف الحقيقي لرواياتي ولشخصيتي الأدبية مثلما أنا مؤلفها، نحن نتبادل الأدوار، كل منا يكتب الآخر وينكتب به، هذا ليس فنطازيا، وهذا لا يعني أنني أنساق تلقائياً في الإبداع ولا أعمد إلى تخطيط ستاليني لأعمالي، أنا أعمالي نفسها وحياتي خارجها مجرد مشاهدات..
لدي الآن رواية أكتب فيها، برزت وسطها شخصية من رواية أخرى لي وأرادت أن تكون فيها، حاولت طردها فقالت لا حق لك أن تفعل معي هذا لأن من تكتب عنه الآن هو أنا.. قلت لها مغتاظا: أنت رجعية وهذا تقدمي فلماذا الكذب وما علاقتك في هذا الحال بشخصيتي الجديدة، فضحكت شخصيتي الأولى وقالت لي ساخرة: تقول أنا أفتهم!.. أيعقل أنك لم تفطن أن الرجعي أمس يصبح تقدميا اليوم، وربما حدث العكس، فمن تكتب عنه الآن ليس غيري واضعا على وجهه ملامح أخرى فإذا أنكرت هذا كنت أنت الكاذب..
إذاً أنت ترى.. إذا لم تكن العودة إلى الشخصية الروائية صريحة كانت في السر، وأن عقل المؤلف ليس غير مرآة لجميع شخصياته، يصبح حتما إذاً تكرارها في عمل وآخر، بل أنني في بعض اللحظات أشعر أن الكون كله والمجتمع هما ذاتي وليس جسدي سوى مرآة لهما، لقد قال العظيم بلزاك ذلك بطريقة أخرى: أنا سكرتير المجتمع!
لا يستطيع الروائي وأنا هنا أتحدث عن نفسي أن يهرب من شخصياته ذلك يشبه أن تهرب من وطنك ثم تكتشف بعد مرور أعوام الغربة أنك لم تهرب منه.. لأنك أنت الوطن!..
أنا معادلة ولست طرفا في معادلة، متحقق على كلا طرفيها، متحقق أمام ووراء القلم، وطريقي بين هذا وذاك هو الإبداع، صياغة ما في مخيلتي في صور مكتوبة..
5. تتتقصى الجذر الديني لبعض شخوصك الروائية، هل هي محاولة للإمساك بالعصب الميثولوجي الذي يهيمن على جزء كبير من الذاكرة الجمعية العراقية؟
ـ عندما يأخذ روائي على عاتقه مهمة تدوين تجربة عاشها شعبه وكان شاهداً عليها حيناً، وشهيدا فيها حيناً آخر لو صح القول فأنه بوعي أو بغير وعي يحاول الإلمام بجميع أطراف هذه التجربة مستبطنا نفسه ومعاصريه في آن، طبيعة الموضوع والهدف الروائي يفرضان عليه هذا، حين وضعت رواياتي لم أفكر بالماضي فقط ولا بالحاضر بل بالمستقبل قبل كل شئ، المستقبل القريب والبعيد هو حافزنا للحركة، ونحن حين نسير على خطى الأجداد ننسى أنهم في وقتهم كانوا طليعيين، خذ الصحابة وتمردهم على القيم الجاهلية، فلما نقتفي أثر الأجداد ونتمسك بالمظهر مهملين الجوهر نعود في الحقيقة إلى الوراء، فلا نغدو مثلهم ولا نسير على دربهم، وهذا واحد من أوهام كبيرة في منطقتنا! وهكذا وجدت نفسي وأنا أكتب منساقاً إلى التحرك على أصعدة مختلفة، دينية وسياسية وثقافية، بعضها يؤدي إلى بعضها الآخر، والغوص إلى أعماق سحيقة في تركيبة تجربة شخصية واجتماعية، من أجل كامل استيعاب كامل ما حدث أمامي وتصويره في أفضل وأرقى نسيج روائي، خذ حزن سالم في “بابل الفيحاء” مثلا على صديقه القتيل على خلفية مشهد حزن المدينة العام في ذكرى الحسين الشهيد.. ما معناه؟ إن الربط بين المشهدين يخلق مشهداً ثالثاً خفيا تحت النص في ذهن القارئ هو الذي كنت أريد تصويره لكني لو فعلت ذلك لخرجت من دائرة الفن الروائي إلى دائرة السياسة وهذا ما أعمل على تجنبه دائماً، مشهدا كلفتني الحياة بنقشه على الحجر لو عز الورق عليّ، فإذا استنبطه القارئ كما لمحت قطعناً شوطاً في استثمار ما في ذاكرتنا الجمعية وتحويله إلى لبنة في بناء مشروع مستقبل منشود..
لقد كتبت ما كتبت لا لإمساك ولا لتعميق الإحساس بالعصب الميثولوجي، على حساب الأيديولوجي مثلا، ولا هذا على حساب القومي، أو غيرها بل لموازنتها جميعا لدينا خدمة لإحساس بانتماء لوطن وإنسانية.
هذا لا يعني أن رواياتي صنفاً من بحوث إبداعية دارسة مدروسة، بل هي مغامرة قبل كل شئ تنحو إلى اكتشاف ما في أعماق الإنسان والمجتمع في الكون، أمنا الأولى، ننعزل عنه للأسف داخل أنماط من التفكير والسلوك تختزل وجودنا في حدود آخذة في الصغر يوما بعد يوم.. وكتبت ما كتبت لا سعياً إلى مجد ولا طلباً إلى مال ولا لجاه أو منصب ولا.. ولا.. من يعرفني جيدا يعرف هذا عني، لدي في بغداد بيت من أجمل البيوت، وكانت لدي وظيفة في ديوان رئيس مهندسي الوزارة يحلم بها كل مهندس، وكان لي أصدقاء وصديقات رائعون، باختصار ملكت يدي كل شئ وتخلت عن كل شئ من أجل أن أدون تجربة دفع ثمنها شعبي غالياً، واعتقد أني نجحت في هذا إلى حد بعيد قياساً إلى قناعاتي وقناعات مثقفين احترمهم، وهذا لم يكن ليتم دون تقصي الجذر الديني كما تقول عند الحاجة، لأنك لو أخذت أياً منا وشرحته نفسيا لوجدته مثل الأرض التي يقف عليها لو فحصتها جيولوجياً، كلاهما مكوّن من عصور تراكمت فيهما تأثيرات، بعضاً على بعض، في هذا سر تعقيد الإنسان المعاصر الذي يواجه الحاضر وهو يحمل في ذاته تراكمات عديدة قديمة دون أن يتمكن من هضمها وتسويتها أحياناً حتى لو أنكر هو وجودها في نفسه، وهذا لا بد أن يظهر في النهاية إلى الخارج، كخبيئة البراكين، في تصرفاته وأقواله مما نراه ولا نراه على متن رواياتي..
6. مخيلة الروائي العراقي تبدو وكأنها مبتورة وتدور في فلك الواقع وتنغلق عليه. ما حدود المخيلة التي يشتغل عليها الروائي المبدع برهان الخطيب؟
ـ كان الأفضل لو أجبت أنت يا عدنان على هذا السؤال طالما قرأت بعض رواياتي. أما ملاحظتك الأولى عن انغلاق مخيلة الروائي العراقي بل العربي عموماً، لحدة الأوضاع السياسية وتربصها للمخيلة عموماً، وربما لقصور في الثقافة نتيجة إلحاح مشاكل الواقع عليه ومحاولته التعبير عن هذه المشاكل بإبداعه، ففيها صواب. مقابل هذا نرى شططاً في فهم دور المخيلة في الإبداع، بعضهم يتصور أنه إذا تكلم عن السحاب والرباب حرر مخيلته، يبدو لي أن نشاط المخيلة لا يتجلى في إنتاج صور غريبة وفنطازية فقط على غرار ما فعله مركيز بصعود جميلته إلى السماء وشكسبير على غرار ظهور الشبح مثلا في هاملت، بل هو يكون على الأرجح خفيا تحت سطح النص، موظفاً لاستشراف أفاق الموضوع البعيدة وأعماقه وتداعياته وفي ربط كم هائل من التفاصيل في كل منسجم في ذاته، وكذلك مع العالم الخارجي المحيط به، بالموضوع، أقصد منظومات الأفكار والأخلاق حولنا وحين أقول منسجم لا أقصد أن يكون انعكاسا لها أو منسجما معها حقاً، بل أن تكون حتى معارضته واختلافه معها منطقية لا تخرج عن حدود الشرعي والنبيل وفي حوار مثمر معها وإلاّ كان العمل الروائي لعبة فردية وهو ليس كذلك عندي إطلاقا. حين أكتب لا أشعر أن مخيلتي تخونني، على العكس إنني أحاول لجمها غالبا كي لا تشذ عن حدود المنطقي حتى لو اتخذ هذا صورا غير منطقية، وكي لا تشتت تلك الصور وغيرها موضوعي ومسار روايتي، الناقدة فاطمة المحسن لاحظت ذلك بذكاء. كنت جربت قوة مخيلتي في ميدان أشد صرامة من الأدب وهو ميدان الهندسة، أذكر أننا حين كنا في الثانوية على وشك أداء امتحان المثلثات بكالوريا اجتمعنا ثلاثة زملاء لحل بعض مسائلها أمسكنا الأوراق والأقلام وبدأنا معالجة المسائل أمامنا، فحدث أمر غريب حقا لا يمكن نسيانه، كنت أرى الحل في عقلي دون أن استخدم القلم والورقة وكنت أقوله للزميلين وأنا أنظر إلى السماء المظلمة خلال لحظات وقت كان الحل يأخذ منهما وقتا طويلا، وتكرر هذا الحال في كلية الهندسة في درس الميكانيكا على ما أذكر، كان حل مسألة يستغرق بين 15ـ20 دقيقة في عمل متواصل لكني كنت أقول الحل هنا أيضا لزملائي خلال أقل من خمس دقائق، حتى أن أشطرهم نظر إلي في شك وقال: برهان يحل المسائل في البيت ثم يأتي يتبارى معنا! وهذا ما لم أكن فعلته حقا، بل أنني كنت أنشغل في البيت بقراءة كتب أدبية ليل نهار ووالدي يتعارك معي بسبب هذا، ثم أذهب إلى الكلية صباحا مأخوذا بأخيلتي فتارة أنسى وأحمل علبة مسحوق الغسيل بدل كتبي معي أو أحلق والآلة الكهربائية مطفأة أو أرتدي جوربين من لونين مختلفين وغير ذلك مما كان يشكل مادة لنوادر وقصص تناقلها أصدقائي القريبين أياد ويوسف وجبار.. واستعيد شخصيتي الأخرى طالب الهندسة دون أن أستطيع التخلص من شخصيتي الأدبية حتى في عز المحاضرات، ولأساتذتي الرائعين آنذاك الأكارم البهادلي وعمر وعبد الفتاح ونوفاك والمدلل وغيرهم فضل كبير في تنمية هاتين الشخصيتين فهم شجعوني على الحفاظ على اهتماماتي الأدبية ولم يحاولوا قمعها، لا يعني ذلك أنني كنت جيدا في جميع الدروس كلا، لكني تخرجت في كلية الهندسة بنتيجة طيبة جدا على كل حال.. وقبل ذلك دوخت والدتي وجدتي بحكايات عن محلتنا سوق الدجاج ما جعل والدتي تنقر على رأسي وتقول اخرج اخرج هذه الصور من رأسك لكني لا أريدك أن تكون صحفياً كاذباً في المستقبل.. هذا في الواقع أما حين أمسك القلم أمسك مخيلتي أيضا بيدي، أقودها ولا أجعلها تقودني، أحيانا أشعر أن في رأسي ميزانا لقياس صعودها وهبوطها يهمس لي وأنا أعمل: أنت تستخدم ستين بالمائة مثلا الآن من مخيلتك، أو.. وصلت إلى ثمانين بالمائة، خفف سرعتها، أو أصعد عاليا أكثر، انزل قليلا، لكني لم أصل مطلقا إلى استخدامها مائة بالمائة، شعرت عند كتابتي ” نجوم الظهر ” في المشهد الأخير أنني وصلت إلى حوالي 95 % من قوتها وهنا بدأت أشعر بخطورة ذلك علي وبدأت أخاف على نفسي من انهيار لكني واصلت العمل مقررا أن أقتل نفسي لكن لن أتراجع عن صياغتها بأكمل وضع، وما أن وضعت آخر كلمة منها حتى سقطت صريع صداع قاتل وأنقذتني سيارة إسعاف، لو لم يستدعها أخي د. أبان كنت مت حتما لأنني لم أكن أستطيع الكلام ولا الوصول إلى التلفون وقتها..
المخيلة عندي أداة كشف وتنقيب وتقليب الاحتمالات واختيار الأصح والمطلوب للموضوع الروائي وواسطة نقل إلى المكان الذي أريده وأعرف اتجاهه وموقعه على خارطة الرواية وليس إلى أي مكان وفي أي اتجاه أو موقع، هذا لا يعني أن فكري يتحكم بفكر الرواية، إن استخدام المخيلة في عمل روائي لا يختلف عندي في الجوهر عن العمل في مختبر من أجل إنجاز أطروحة، بعضهم سوف يقول هذه نزعة ميكانيكية أو مادية جاء بها برهان من هندسته، ولعل هذا صحيح بالنسبة إلى نوع آخر من الروايات هو ليس بالتأكيد النوع الذي أكتبه أي المحكم البناء المتعدد المستويات والطوابق الباذخ الممرات والمظهر والشرفات والسراديب.. الذي يدرك جيدا أن كل فن وعظي سيئ ولكن الفن في جوهره يجب أن يكون وعظياً، أقصد ذا رسالة إنسانية نبيلة عالية خفية من دون أن يتخلى لحظة عن التشويق والإمتاع.
مخيلتي توسع حدودها باستمرار بقدر اتساع معرفتنا كبشر بوضعنا في الكون والمجتمعات بحقيقة مشاكلنا الاجتماعية، بأبعاد كوننا السحيقة وخفاياه، وبازدياد حدة رهافة روحي المحبة للجمال والمعرفة والعدل أقصد التضامن لأن العدل مفهوم فنطازي يحتاج إلى مخيلة فنطازية لفهمه، أما مخيلتي فهي مؤسسة على معطيات وأحاسيس ملموسة..

*عن الحوار المتمدن

شاهد أيضاً

د. قصي الشيخ عسكر: نصوص (ملف/20)

بهارات (مهداة إلى صديقي الفنان ز.ش.) اغتنمناها فرصة ثمينة لا تعوّض حين غادر زميلنا الهندي …

لا كنز لهذا الولد سوى ضرورة الهوية
(سيدي قنصل بابل) رواية نبيل نوري
مقداد مسعود (ملف/6 الحلقة الأخيرة)

يتنوع عنف الدولة وأشده شراسة ً هو الدستور في بعض فقراته ِ،وحين تواصل الدولة تحصنها …

سلام إبراهيم: وجهة نظر (18)قليلا من الفكاهة تنعش القلب
نماذج من نقاد العراق الآن (1 و2) (ملف/149)

نماذج من نقاد العراق الآن -1- يكثر في العراق الآن ويشيع أنصاف المثقفين يكتبون مقالات …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *