الرئيسية » مقالات » مهدي شاكر العبيدي : الإحباط سيد الموقف في مجلة ( الحوادث ) اللبنانية

مهدي شاكر العبيدي : الإحباط سيد الموقف في مجلة ( الحوادث ) اللبنانية

قرأتُ في العدد ( 2838 ) من مجلة ( الحوادث ) ، الصادر يوم الجمعة : 25 آذار / 2011م ، وهذه المجلة تصدر ببيروت أسبوعيا ً : إخبارية مصوَّرة ؛ قلتُ : قرأتُ فيها تحقيقا ً صحـفيا ً ــ كتبه مراسلها في بغداد الصحافي مازن الياسري ــ بعنوان : ( الإحباط سيد الموقف .. والندم على الانتخابات كان عنوانا ً للتظاهرات العراقية  ) ، على سبيل تغطية سوء الأحوال المعيشية ، وتردِّي الخدمات ، وما يترتب عليهما حتما ً من تفاقم شكوى عموم الأهالي ، وتزايد سخطهم وتذمُّرهم , ممَّا غدَتْ معاودة الحديث عنه وتبيان نتائجه وعواقبه الوخيمة باعثة على السأم والملالة ، على أساس أنـَّنا لا نقول جديدا ً ، ولا نأتي بشيءٍ لم نفصح عنه ونقرع به الأسماع .

       فلنتوقفْ برهة من الوقت عن الإفاضة والاستطراد إلى فحاوى التحقيق الصحفيَّ ذاك ، وما يشتمل عليه من دلائل وإيماءات لأحوال تؤشِّر تجاهُل مَن بيدهم الأمر ما يصلح شؤوننا ، ويجعلهم على تمام الوعي والتحسُّس بوجوب تقديم الأهمِّ وترجيحه على المهمِّ ممَّا يحوجنا ونتطلع إليه .

       ولنمض ِ كذلك في تعريف القارئ العراقيِّ ورفده بحقائق تخصُّ شيوع هذا المطبوع ــ مجلة ( الحوادث ) ــ وذيوعه بين مختلف الأوساط الاجتماعية والمحافل الثقافية في البلاد العربية ، فنقول : إنـَّه إرثٌ نفيس لا يُضَاهَى بثمن ، ما طوَّق به هام أنجاله وحفدته الصحافيُّ الشهير والأديب الجهير والرائد القصصيُّ ، والروائيُّ المتفرِّدُ بصياغته البيانية وإنشائه المحكم المستجمع للديباجة الرصينة والأسلوب العصري المتوافرة فيه أسباب الوضوح وعوامل الإفهام ، مع توخ ٍ للفصاحة وابتعادٍ عن التقعُّر والتنطع ، وتحاش ٍ للركاكة والابتذال ، ممَّا يُسْتبعَد أنْ لا ينجرَّ إليه كاتب صحافي ويرتكس فيه في غمرة انقطاعه لشغله في الصحافة يوميا ً وانهماكه فيه ، وهو يواكب الأحداث والحوادث ويُلاحِق تحوُّلاتها وماجرياتها ، عنيْتُ به الكاتب اللبناني الراحل كرم ملحم كرم ، الذي هو من أوائل الكـُتـَّاب العرب المساهمينَ بالكتابة والتأليف لسلسلة ( اقرأ ) الصادرة عن دار المعارف بالقاهرة ، فقد صدرَتْ عـنها في أربعينيات القـرن الفائت رائعته القصصية : ( الشيخ قرير العين ) ، وشفعها بمنجزه الروائي : ( دمعة يزيد ) ، الذي استوحى فيه بعض حوادث تاريخنا الإسلامي ، وحيث شغف بموروثنا الخالد الباقي ( ألف ليلة وليلة ) ، وحثّ الشبيبة العربية على تحضُّنه بعد الثقـُّف بأسبابه وعناصره واشتراطاته ، والوعي بالمؤهلات التي يلزم توافرها في المتصدِّر لتجريب إمكانه منه والتبريز فيه ؛ أسمى مجلته المحبِّذة لهذا اللون من التأليف والكتابة بهذا الاسم المتوارَث : ( ألف ليلة وليلة ) ؛ هذا إلى كتاباته الأثيرة التي ازدانتْ بها المجلات العربية ، ومنها : مجلة ( الأديب ) اللبنانية في سنواتها الأوَل ، حيث نشر فيها مقالته المتشائمة : ( فورة شك ) ، ولولا ما انتابه إبَّان سنوات الحرب العالمية الأخيرة من أذىً وتنكيد وتنغيص في عيشه على يد بعض أبناء زماننا المنحوس ، ما كتبها ولا انساق في هذه النبرة الحزينة ، يقول في تلك المقالة : (( الناس لا يطيقونَ أنْ يروكَ سيدا ً إلا مكرهينَ ، وإذا ما استطاعوا أنْ يهدِّموك وأنت في مقامك الأعلى ، أنزلوك من عليائك ، باسمينَ متنفسينَ ، فقد هوى من صدورهم الكابوس ، وأضحيْتَ مثلهم من الحثالة والنفاية ، وليس يغبطهم إلا أنْ يكون الجميع حثالة ونفاية ، هياما ً منهم بالمساواة ، فلا يرجح سعدٌ على سعيد ، ولا يعلو زيدٌ عبيدا ً ، فالقمَّة والمتربِّع في القمَّة مكروهان ، ألا ترى كم يلهث الإنسان في طريقه إلى الهضبة ، وكم يتعب وهو ينظر إلى قبَّة الفلك وعين الشمس )) .

       وعلى أيَّة حال فقد دلل كرم ملحم كرم في سائر معطياته المُتـَّسِمة بهذا التأصيل والرسوخ ، وجهاده الصحفي الموصول بهذه الربوع لإعلاء قيم العرفان والثقافة ، وإنجاح طموحات فتيتها وتطلعاتهم للاستقلال والحرية ؛ إنـَّه مسلمٌ في تحصيله المعرفي ومجتناه الثقافي رغم ديانته المسيحية ، شأن أخدانه ورصفائه ، أمثال : السياسي والشاعر السوري فارس الخوري ، والأخطل الصغير بلبنان ، وروفائيل بطي بالعراق ، وسواهم من بناة النهضة الفكرية الحديثة .

       ولستُ معتادا ً تداول هذه المجلة باستمرار وفور ظهورها بواجهات المكتبات ، إنـَّما تسوقني المصادفات العارضة لاقتنائها ، بعد نفادها إلا من أعداد متبقية تصير من المرتجعات بموجب تسمية أصحابها ، فيؤثرونَ تصريفها بسعر متدن ٍ ، مقداره عشرُ ليرات سورية ــ أي أقل من ربع دولار أميركي ــ للنسخة الواحدة ؛ وتهتم هذه المجلة ومثيلاتها الكثيرة التداول والمنمازة بكثير من التشويق ومزية إبهاج القارئ وإمتاعه وإفعام حياته اليومية بالاغتباط والأمل والمسرَّة ، بإطلاعه على شؤون السياسة وأخبار المجتمع ، وتنقل له أسرار البيوت بشيء كثير من اللوذعية ، وتلمُّس الوسائل الآيلة لفضِّ مغاليقها ، وكشف الخافي المحجوب من وراء الستار ، وعلى أنـَّها تنطوي في بعض أعدادها على معالجاتٍ وحلول لمسائل الأدب والثقافة ، أو الإلمام بأنشطة فكرية يدلُّ بها أعلامها من آن ٍ لآن ، ويصحُّ اتخاذها مثل مرجع توثيقي للمماحكات والصراعات الأدبية ، كهذا المبحث المعنون : ( من كتاب سياحات مع الشعراء والأدباء والفنانينَ ، لجان كميد ) ، والمنقول بنصِّه وفصِّه لهذه المجلة بوصفه شاهدا ً ودليلا ً على روعة الديباجة في أسلوب كرم ملحم كرم ، وهو بالأصل كلمة ألقاها جان كميد باسم جمعية أهل الفكر في مهرجان كرم ملحم كرم بجامعة ( آن دي يو ) ــ دير القمر ، وتضمَّنها كتابٌ أصدرته الجامعة المذكورة ، ولا بأس أنْ تحتفي أسرة المجلة وتستذكر آلاء مؤسِّسها ، وتشيد بمناقبه ، علما ً أنَّ عهدي بجان كميد يرجع إلى العام 1957م ، يوم رأس تحرير مجلة ( الرسالة ) اللبنانية الصادرة عن معهد الرسل .

        والآن بعد ذينك الاستطراد والتفصيل في ادِّكارات شتى لنصل ــ كما يقولونَ ــ ختام القصيدة بالمطلع ، أو لنستأنف القول بصدد التحقيق الصحفي ذاك ، والذي علمنا منه زيادة في عدم اكتراث المسؤولينَ بما يُطالب به الشعب لتسوية مشكلاته ، وتنقية حياته من الأدران والشوائب ، وإرسائها على جادة العدل والاستقامة ، بحيث ينتفي منها سخطه وتذمُّره ، ويطمئنُّ بعض الشيء إلى أنَّ الممسكين بمقاليد الأمور فيه أدرى بحاجاته ، وأحرص على الامتثال والعمل لمصلحته ، فلا يسرفونَ في تبديد ثرواته وإنفاقها في وجوه هو في غنية عنها أصلا ً ، وليسَتْ من الضروريات الملحة والعاجلة وبمسيس احتياجه لها ، فقد افتتح كبير مسؤولي أمانة بغداد ( دولاب الهواء الكبير ) في متنزَّه الزوراء ، مزدهيا ً ومتفاخرا ً أنـَّه ثاني أعلى دولاب هواء في الشرق الأوسط ! ، استنفدَتْ تكلفته ستة ملايين دولار أميركي !! .

       ألا تساءَل واحدٌ من ممتهني مهنة القلم في داخل العراق ، كم مدرسة سَتبْنى ؟ ، وكم مشفىً صحيا ً سَيُشَاد ؟ ، بهذه المبالغ الطائلة لو أحسِن إنفاقها على الوجه المعقول أو المقبول  ، ولو وعى مَن لا يُلفِي مأثمة ً واجتراحا ً في استهوانها وتضييعها في سبل غير مجدية كهذه ، فيضنُّ بها إلا على الأساسي والنافع ، أم ثمَّة صارفٌ عن التنديد والاستقباح والانتقاد ما يطغى على الجلسات الأدبية ــ وهي غير المجالس العريقة المعروفة ــ واطـِّراحٌ لزهو أصحابها واختيالهم كون الواحد منهم بمثابة وردة في صدور المضيَّعينَ والمحتربينَ في دنيا الكدح والعمل ؟ ، بحيث غدا الجهر والاعتراض من قبيل المُحَرَّم والمسكوت عنه ، وإلا كيف يتبجَّح الأديب بادِّعائه أنـَّه يعيش مع سواد الناس مُرهَقا ً ، ويحيا بينهم ساغبا ً لاغبا ً ، متعامينَ أنَّ للكلمة في تاريخ الشعوب فعلها في ترويض جماح المسرفينَ وصرفهم عن الشطط والاستكبار والغواية .
********
دمشق
MahdiShakerAlobadi@Yahoo.Com

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *