طلال حسن : جنجل وجناجل (حكايات شعبية) (5)

إشارة:
يسرّ أسرة موقع الناقد العراقي أن تبدأ بنشر كتاب جديد للمبدع الكبير “طلال حسن” عنوانه “جنجل جناجل” وهو مجموعة من الحكايات الشعبية العراقية ضمن مشروعه المهم عن أدب الأطفال. وقد نشرت أسرة الموقع العديد من الكتب للمبدع سابقاً في غزارة صحّية باهرة لهذه القامة المبدعة الكبيرة التي تُعد ثروة من ثروات وطننا. نهنىء الأستاذ طلال حسن على هذا المنجز الجديد ونتمنى له الصحة الدائمة والإبداع المتجدّد.

القدر

” 1 “
ــــــــــــــــــــ
أرق الملك ذات ليلة ، فخرج متنكراً من قصره ، وراح يتجول وحده في المدينة ، حتى وصل حيّاً لا يسكنه غير الفقراء والمعدمين .
ومن أحد البيوت الفقيرة ، خرج شيخ يشع النور من وجهه ، وملابسه بيضاء كلها ، وكذلك عمامته ، وكأنها منسوجة من شعاع القمر .
وحدق الملك فيه متعجاً ، وقال : لم أرَ شيخاً مثلك في مملكتي من قبل .
فابتسم الشيخ ، وقال : أنت ترى الآن .
وتساءل الملك : من أنت ؟
فردّ الشيخ قائلاً : أنا القدر .
وصمت لحظة ، ثم قال : رُزق صياد السمك بولد ، فكتبت قدره على جبينه .
وقال الملك : وماذا يمكن أن تكتب ؟ إنه ابن صياد سمك ، فلن يكون ، حين يكبر ، إلا صياد سمك .
وسار الشيخ مبتعداً ، وهو يقول : بل سيكون زوجاً لابنتك ، التي ستولد بعد أسبوع .
ووقف الملك مذهولاً يتمتم : ابنتي ! هذا محال .

” 2 “
ــــــــــــــــــ
بعد اسبوع ، رزقت زوجة الملك بطفلة جميلة ، وصُعق الملك ، وتراءى له الشيخ ـ القدر يقول له أمام بيت صياد السمك : سيكون زوجاً لابنتك ، التي ستولد بعد أسبوع .
وهبّ من مكانه صارخاً : هذا محال .
واستدعى جلاده في الحال ، ودله على بيت صياد السمك ، وأمره قائلاً : خذ ولدهم الصغير ، واذبحه في الغابة ، وجئني بشيء من دمه .
وانحنى الجلاد للملك وقال : أمر مولاي .
ولم يهدأ للملك بال ، حتى عاد الجلاد من الغابة ، ومه شيء من الدم ، قدمه للملك ، وقال بصوت مضطرب : هذا دمه ، يا مولاي .
” 3 “
ــــــــــــــــــــ
مرت السنون ، وكبرت الأميرة ، حتى تفتحت شابة جميلمة ، كما تتفتح الزهرة الفواحة ، وغدت في سنّ تؤهلها للزواج .
وكان الملك يأمل أن يزوجها أميراً ، من عائلة ملكية ، تدعم حكمه ، وتقوي مملكته ، في مواجهة الممالك العدوة ، التي تحيط بمملكته .
وذات يوم ، خرج الملك للصيد في الغابة ، ومعه عدد من الحرس والمرافقين ، من بينهم الجلاد ، وأبقى وزيره المخلص نائباً له على الحكم في غيابه ، كما أوصى المربية العجوز ، أن ترعى الأميرة الشابة ، وتحرص على راحتها ، حتى يعود .
وتوغل الملك وحرسه في الغابة ، وراء الطرائد وخاصة الغزلان ، وفي اليوم الثالث ، وقد توغلوا كثيراً في إعماق الغابة ، رأى حطاباً كبير السن ، أسود البشرة ، ومعه شاب وسيم ، أبيض البشرة .
وتوقف الملك محدقاً في الشاب ، وقال للملك : أيعقل أنّ هذا الشاب ابنك .
ورد الحطاب العجوز متلعثماً : إنه في الحقيقة ليس ابني ، ولكني ربيته كابني .
وقال الملك ، وهو مازال يحدق في الشاب : لا أفهم .
فقال الحطاب العجوز : منذ سنين ، سنين عديدة ، جاء رجل إلى هذا المكان ، ومعه طفل يريد أن يذبحه ، ولكن بدل أن يذبحه أعطاه لي .
وأشار الملك إلى الجلاد ، وقال : أهذا هو الرجل ؟
ولاذ الحطاب بالصمت ، فتقدم الجلاد من الملك ، وانحنى بين يديه ، وقال : الأمان ، يا مولاي .
فقال الملك : لك الأمان ، تكلم .
ورمق الجلاد الشاب بنظرة سريعة ، وقال : كان طفلاً بريئاً ، يا مولاي ، فلم أستطع ذبحه ، وذبحت بدله أرنباً برياً ، وجئتك بدمه .
وهمهم الملك ، وقد امتقع وجهه ، وتراءى له القدر ـ الشيخ يقول : سيكون زوجاً لابنتك ، التي ستولد بعد اسبوع .

” 4 “
ـــــــــــــــــــــ
كتب الملك رسالة إلى وزيره ، وطلب من الشاب ، أن يحملها إليه على جناح السرعة ، وعلى جناح السرعة ، ركب الشاب حصانه ، وانطلق به إلى الوزير ، حاملاً معه رسالة الملك .
وعند منتصف الليلة التالية ، وصل الشاب على حصانه قصر الملك ، لم يكن الوزير موجوداً ، فاستقبلته الأميرة ومربيتها العجوز ، فأخذتا منه الرسالة ، وقرأتها الاميرة خفية ، فهالها مضمونها .
وتساءلت المربية العجوز : ماذا يقول الملك للوزير ، يا سيدتي ؟
فردت الأميرة قائلة : يقول له ، عندما تصلك رسالتي ، اقطع رأس حاملها فوراً .
وشهقت المربية العجوز هلعاً ، وقالت : يقطع رأس هذا الشاب ؟ يا للهول .
وأمسكت الأميرة الرسالة ، وقالت ، وعيناها الجميلتان تلمعان : سأغيرها .. وسأتزوجه .
وصاحت المربية العجوز : ماذا !
فقالت الأميرة : هذا الشاب قدري .

” 5 “
ــــــــــــــــــ
عاد الملك من الصيد ، وفوجىء بالقصر يتلألأ بالأفراح ، وأقبل الوزير يستقبله ، وفي أثره أقبلت الأميرة والشاب ، ويد كل منهما في يد الآخر ، وقد غمرهما الفرح الشديد .
وهمس الملك للوزير غاضباً : ماذا فعلت !
فردّ الوزير قائلاً : ماطلبته مني في رسالتك بالضبط ، يا مولاي .
واقترب الملك من الأميرة ، وقال : بنيتي ..
وقاطعته الأميرة قائلة : كلّ وقدره ، وهذا قدري ، يا أبي ، أرجوك باركني .

شاهد أيضاً

حوارات مع أديب الأطفال المبدع الكبير “طلال حسن” (1)

إشارة: بين وقت وآخر يتحفنا المبدع الكبير “طلال حسن” بنتاج إبداعي جديد في مجال أدب …

النملة ورفيقتها
قصة للأطفال
بقلم د ميسون حنا

قالت نملة لرفيقتها : منذ الصباح ونحن نجوب أرجاء هذا البيت ولا نعثر على شيء …

طلال حسن: إنسان دلمون (إلى الأديب خزعل الماجدي)
(مسرحية للفتيان)

شخصيات المسرحية ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ 1 ـ كنكالا 2 ـ ليم 3 ـ أم ليم 4 ـ …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *