عدنان الصائغ : في الإرهاب الثقافي

.. وأنظر ما فعل المتعصبون حين رموا أبن رشد بالكفر، لمجرد اختلافه معهم في تأويل النص الديني، بما يتلاءم أو يتواءم مع البرهان العقلي، فأحرقوا كتبه، ونفوه إلى قرية أليسانه.
وكانوا في تكفيرهم لإبن رشد، يستندون على منهج الغزالي، في نقد التأويل، وتكفيره لمن يتبع ذلك.
 وسَيَتعَرض الغزالي نفسه إلى التهجم عليه واتهامه بالكفر، بسبب كتابه “أحياء علوم الدين”.
وكان القاضي أبو الحسين بن الاشناني الذي حاكم الحلاّج، وأمرّ بصلبه، يستند في حكمه على الشريعة الإسلامية، مفتتحاً جلسة المحاكمة بقوله تعالى: “إن جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون في الأرض فساداً أن يُقتلوا أو يُصلبوا، أو تُقطع أيديهم أو يُنفوا من الأرض، ذلك لهم خزي في الدنيا ولهم في الآخرة عذاب أليم – سورة المائدة)..
و”باختيار هذه الآيات – يقول الصادق النيهوم – يكون القاضي قد أدان الحلاّج سلفاً وعلق في عنقه الجرائم التي ارتكبتها الإيديولوجية الإسلامية ضد شرع الإسلام الجماعي بموجب نص من القرآن نفسه. فالحلاج الأعزل الذي ينادي بحق الناس ضد الدولة والمؤسسة الدينية أصبح هو عدو الله ورسوله”.
بل أن الحنابلة الذين تعرضوا للاضطهاد الفكري على يد المعتزلة الذين خالفوهم الرأي، سيمارسون الدور نفسه على خصومهم أيضاً حين تسنح لهم الفرصة.
ويحدثنا أبن الأثير كيف منعوا دفن المؤرخ الكبير الطبري، لأنه لم يعترف بأبن حنبل كفقيه. مما اضطر أصحابه إلى دفنه في داره، تحت جنح الليل.
 وكان المتعصبون قبل ذلك قد حرضوا العامة – في حياته- على قذفه بالحجارة حتى غطت البيت.
وانظرْ تأريخ الطبري نفسه، وانظرْ أبن الأثير، وأبن كثير، وأبن خلدون، وأبن خلكان، وأبن الجوزي، وأبن عساكر، وأبن الأنباري، وأبن النديم، وأبن عبد ربه، والأزدي، والأصفهاني، والأربلي، والخطيب البغدادي، والزركلي، والسيوطي والبلاذري، وياقوت الحموي، والمسعودي، واليعقوبي، ترَ العجبَ العجابَ مما تعرض له أصحاب الفكر والمذاهب والمثقفون والشعراء على مرّ العصور دليلاً على أن الإيديولوجيا المحددة بأطرها تضيق بتجاوزات الفكر الخلاق وثورته المستمرة لاختراق المألوف.
وإلاّ فاسأل المؤرخين واحداً واحداً أين انتهى كتاب “الحاسة السادسة” للشلمغاني بن أبي العزاقر.
بل واسألْ أبن خلكان بعد أن تنتهي من قراءة “وفيات الأعيان” عمن بقي من أصدقاء الشلمغاني وكتبهم، ومنهم إبراهيم بن أبي عون الذي صُلب معه، ولماذا أحرقوا كتبه إذا كانت ذات “تصانيف مليحة” – كما يصفها أبن خلكان نفسه – ولماذا قتلوه شر قتله!؟…
واسألْ أبن حوقل مؤلف كتاب “صورة الأرض”. واسألْ الرحالة ناصر خسرو مؤلف كتاب “سفر نامه” عما تبقى من تراث الكاتب شيلمة الذي أحرقه المعتضد دون أن يقرَّ على مكان كتبه فدُفنتْ معه تحت طيات الأرض.
وابحثْ في فهرست أبن النديم عن مصير مئات الكتب لعبدان ودندان والحلاج وسليمان بن حسان النصيبي وآلاف الكتب لغيرهم، واسأل البيروني عما ترك لنا من الأدب السري وما دونه من أخبار الحركات السرية التي أهتم بها قبل أن تلحقه تهمة الانتماء إليها فيضطر للتخفي عن العيون والهرب.
واسألْ مؤلفي طبقات الشعراء كلهم عما حفظوا لنا من قصائد الشاعر عبد الله بن عمار الذي “قُطع لسانه ومُزق ديوانه”، وعن أشعار الذين على شاكلته، ومن وجدوا أنفسهم – لسبب أو لآخر – معلقين على صلبان قصائدهم.
وتعالَ معي – قبل أن يجيبوك أو لا يجيبوك – نزرْ مقابر الشعراء التي اندرس أغلبها وضاع فلم يعد لها أثر، ولنرَ من خلالها نهايات الشعراء الذين انتهى أغلبهم بين نفيٍّ وقتلٍ وسحلٍ وسلخٍ وصلبٍ والخ..
فمات امرؤ القيس غريباً ضائعاً، ومات أبو الفتح البستي منفياً، وانتهى الابيوردي مسموماً، والمنخل اليشكري غرقاً، وعبد يغوث الحارثي نزفاً، ويزيد بن ربيعة العمري سلحاً، وسحيم عبد بني الحسحاس حرقاً، وأبن المعتز مخلوعاً، وأبن الرومي مسموماً، وعمر بن قميئة ضائعاً، وضابي البرجمي سجيناً، وأبن حمديس الصقلي غريباً، وعبد الله بن عجلان النهدي عاشقاً محروماً، وطرفة بن العبد دفن حياً، وأبو الحسن التهامي قُتل في سجنه، وتوبة بن الحمير أهدر دمه ومات قتلاً، وأبن الصفاء المارديني قتله التتار، وأبو فراس الحمداني قتله أبو المعالي بن سيف الدولة، وعلي بن جبلة العكوك قتله المأمون، وأعشى همدان قتله الحجاج، وعبيد بن الأبرص قتله النعمان بن المنذر، ولسان الدين أبن الخطيب قُتل متهماً بالزندقة، والعرجي قُتل لتغزله، والطغرائي قتل بتهمة الإلحاد، وانتهى أبن هانئ الأندلسي مقتولاً وكذلك يزيد بن الطثرية، والمتنبي.. والخ والخ من مسلسل التصفيات الذي لن ينتهي أيضاً طالما ظل السيف بيد الحاكم أصدق أنباءً من الكتب بيد المثقف الذي وجد أن شعراء المديح سبقوه إلى الكدية والتصفيق والطرب السياسي وجرّأوا السلطان على الشعب إلى حد قول كبيرهم:
“لو استطعتُ ركبتُ الناس كلهم      إلى سعيد بن عبد الله بعرانا”
وهذان الاثنان: 
صاحب “السيف”.
و
صاحب “البعران”.. 
هما عمودا الشعر العربي – بلا منازع – على مر تأريخه، فما بالك بالآخرين.
لكن لا عليك، ولا عليهم، فلكل جواد كبوة سيدفع ثمنها الثاني مضرجاً بدمه في دير العاقول على يد أحد “البعران” وهو أبن ضبه الذي لم يسكت على هجاء الشاعر لأمه..
وأتركِ الأَعلام وأذهب إلى الكتب، ستجد أن الإرهاب لم يقتصر على نفي المفكرين وقتلهم بل شمل إحراق المكتبات أو إبعاد الكتب التي لا تروّج للفكر الإيديولوجي الحاكم، لكن النتيجة واحدة فعندما تحرق الكتب – كما يقول هيجل – فأنك تحرق الرجال، أو كما يرى الشاعر الألماني هاينريش هاينة أن “من يبدأ بحرق الكتب ينتهي بحرق الرجال”، وذلك ما انتهى إليه المغول حين رموا مكتباتٍ بكاملها في النار أو في نهر دجلة.
وما انتهى إليه – أيضاً – السلطان محمود بن سكتكين الذي نفى المعتزلة من الري إلى خراسان وأخرج سائر كتبهم في الفلسفة والنجوم وعلم الكلام وأمر بحرقها، “وكان في الري مكتبة عظيمة – ذكر البيهقي – أنه دخلها فوجد فهرست كتبها وحده يقع في عشر مجلدات. وقال أن السلطان محمود أخرج كل ما فيها من كتب الكلام وأحرقها”..
ويذكر أبو شامة في كتابه “كتاب الروضتين في تأريخ الدولتين” أنه “عند سقوط الدولة الفاطمية أقام صلاح الدين البيع في القصر الفاطمي، ومما بيع “خزانة الكتب” وكانت من عجائب الدنيا لأنه لم يكن في جميع بلاد الإسلام دار كتب أعظم من الدار التي بالقاهرة (..) ويقال أنها كانت تحتوي على ألفي ألف وستمائة ألف كتاب”..
لندرك – بعد كل هذا الذي مرَّ ويمرُّ( ) – كم ضاع من تراث الأمة، وأُهدر من الفكر تحت سيف الإرهاب المسلط على رقاب المبدعين، والخ..

ــــــــــ
فصل من كتاب “القراءة والتوماهوك، وبليه، المثقف والإغتيال”، عن المؤسسة العربية في بيروت 2010. 

[1] – من أطرف ما يُروى عن مصادرة الكتب في عهد السلطان العثماني عبد الحميد الثاني، أنه تم منع تداول وتدريس كتاب الكيمياء في المدارس، لاحتوائه على الرمز الكيمياوي H2O  حين فسّرها الرقيب العثماني على أنها شفرة سرية ضد السلطان، محللاً H بأنها تعني الأسم الأول من السلطان “حميد” و  2 هي “الثاني”، أما الصفر 0 فتعني أنه يساوي “صفراً”.

تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

| فراس حج محمد : علامات الترقيم وفوضى الاستخدام.

علمتنا المدرسة، في زمن ما، الأمور ببساطة ودون تعقيد، وتخرجنا ونحن نفهم ما علمنا إياه …

| زيد شحاثة : قواعد الإشتباك في الزمن الأغبر .

يقصد بمفهوم ” قواعد الإشتباك” بأنها النظم أو الأطر أو المبادئ التوجيهية, التي يجب أن …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.