عوّاد ناصر:خصوبة اللامتوقع

awad_naseerلدى حنة أرندت، الكاتبة الألمانية – الأمريكية الكثير من المؤلفات بشأن أبرز عنوانات الثقافة السياسية والفكرية المتعلقة بتطور المجتمع البشري وفلسفة السلطة والمواطن والحقوق المدنية والدولة الديمقراطية، عدا مقالاتها ودراساتها ومحاضراتها العديدة،غير المكتملة، التي تركتها إثر وفاتها (ولدت في برلين عام 1906 وتوفيت في نيويورك عام 1975).. وإذ يشكل الصعود النازي في المانيا صدمة فكرية لها على المستوى الشخصى، كونها اعتقلت لأنها يهودية، حسب، فإنها من المعارضين للفكرة الصهيونية واعتبرت مقولة قيام إسرائيل على أساس “أرض بلا شعب لشعب بلا أرض” غير موجودة في الواقع.. وانتقدت مؤسسي الدولة العبرية لكونهم قوميين متطرفين لا يعترفون بحقوق الشعوب الأخرى في المنطقة.
تحاجج حنة أرندت، عبر نشاطها اليومي، الثقافي والسياسي، في تلك الموضوعات، التي تشكل محور أعمالها مع إيلاء اهتمام خاص، وكبير، للتأكيد على أن مفهوم الحرية لا يستقيم من دون أن يكون مرادفاً للعمل السياسي الجماعي بين أفراد أحرار ومتساوين، فلا تقيم وزناً للنشاطات الجماعية التي تعمل وفق ما تسميه “الصيغ اللفظية للعنف” التي لا تنير شيئاً في أعماق الفرد، الواحد والوحيد، مهما كانت براقة.
انطلاقاً من تجرتها الشخصية، كمثقفة ألمانية عانت بطش الغستابو النازي، أدركت هذه السيدة العنيدة أن الصيغة اللفظية للعنف، كما ترد على لسان مفكرين مثل جان بول سارتر أو فرانز فانون اللذين كانا، في وقتهما، من المنادين بالحرية، تشكل (تلك الصيغة) حاضنة للعنف الواسع الذي مارسته وتمارسه جماعات مدنية (طلاب أو جاليات سود) أو جماعات ومنظمات، رسمية أو غير رسمية. وتفند مقولات رنانة ذهبت أمثلة على ألسنة أطياف متعددة من الثوريين واليساريين، مثل ما كتب فانون مرة: “الجوع مع الكرامة لهو أفضل من الشبع مع المذلة” على افتراض أن أمام المرء خيارين فقط لا ثالث لهما وعليه أن يختار، حيث تزيح المقولة المذكورة اقتراحات أخرى ممكنة كي لا يخسر الإنسان حياته من دون أن يحظى بأي منهما.
على الرغم من أن ارندت تحيل أزمة العالم الحديث على التطور الفائق، بل المفرط لتكنولوجيا الحرب، هذه التكنولوجيا التي بلغت مستوى أكبر بكثير من أن تحقق أهداف المتحاربين السياسية فقط، لكنها تتمسك بنظريتها حول أزمة العالم بأنها تكمن في العنف، نفسه، وليس في أدواته.
تشير أرندت إلى ظاهرة التبجح السياسي، نظرياً وعملياً، عندما يسرد السياسيون (وقائع غير واقعية) لتدعيم منطلقاتهم وبرامجهم، الضع في العراق أفضل مثال اليوم) ولا يتحسبون لما يطيح كل تلك البرامج والمنطلقات التي اتخذوها سبيلا للتضليل، من خلال مفاجآت الواقع، حيث “خصوبة اللامتوقع”، حسب تعبيرها.
تنبأت هذه الفيلسوفة بما يحدث لعالمنا، اليوم، من انهيار اقتصادي سافر ناتج عن تمركز الثروة التي تبحث لها عن منفذ حتى لو كان عن طريق الحرب.. وتذكّر بأن الركود الاقتصادي أبان ثلاثينات القرن الماضي هو أحد الأسباب الرئيسة لاندلاع الحرب العالمية الثانية.. وما يجري في حاضر العالم اليوم لهو مستقبل القوة السالفة التي ما زالت تتمركز وتضغط على عقولهم وأحلامهم.. لتصل إلى القول بأن التعريف الكلاسيكي للحرب (في أبشع تجلّ للعنف) الذي وضعه كلاوزفيتش بأنها (الحرب) استمرار للسياسة ولكن بشكل آخر، لم يعد صالحاً للعمل حيث “أن السلم إنما هو استمرار للحرب ولكن بطرق أخرى”.
أسلوب أرندت لا يخلو من طرافة مثل قولها: إنها شعرت بالسعادة عندما قرأت عن بعض الحيوانات والحشرات الذي يقلد، بشكل أو آخر، حياة البشر وسبل تنظيمها، بينما استغربت أن يقلد البشر حياة وسلوك الحيوانات!.

تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

| مهند النابلسي : كيف تصبح كاتبا عظيما من وجهة نظر”ستيفن كينغ” …اضافة لوجهة نظري؟! .

  ابق متزوجا وانعم بصحة وعش حياة جيدة، امتلك الشجاعة للتخلي عن الأجزاء والجمل المملة، …

| بكر أبوبكر : النازية والصهيونية، ومحمود عباس .

ولد الزعيم النازي أدولف هتلر في 20 نيسان 1889 في مدينة براوناو النمساوية على نهر …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.