الرئيسية » نقد » ادب » خلدون الموسوي : شعر قصي الشيخ عسكر (دراسة موضوعية وفنية) (8 / الأخيرة)

خلدون الموسوي : شعر قصي الشيخ عسكر (دراسة موضوعية وفنية) (8 / الأخيرة)

تكرار الكلمة
عمد الشاعر الى تكرار كلمة بعينها في أكثر من موضع ناظراً في ذلك الى تأثير التكرار في قصائده ، نأخذ قوله:
من بين الرؤيا والصمت
تمضغ عن بعد شرفة قلبي النظرات
إن أصمت فالعالم لي وحدي
أو أنثر أحزاني أشواقاً تحفر في الأرض نبوءات عن قلبي
والماء وبعض الخوف من الأسماء وتلك الرائعة المدعوة لبنى
أو ليلى أو سلمى والمجهولة لي
هو ذا صمتي يعرفني( )
فاتكأ الشاعر في تكراره على كلمة (الصمت) وجاءت هذه المفردة ذات أفكار ورؤى وتساؤل للشاعر نفسه يطرحها للمتلقي ، وناظراً في دلالة واقعة في تأثيرها على السمع – وكما قلنا سابقاً – أن هذه المفردة كان لها حصة كبيرة من مجموعات الشاعر الشعرية فقد تكررت في مواضع كثيرة جداً وهي في كل موضع وردت أكثر من مرة .
فنراه يقول في نص آخر :
الخوف صقيع النفس
قالت لي خاطرتي التعبى أن أسكن صمت الليل
ولأن الصمت عميق
ولأن الصمت تاريخ الحزن وعنوان الأفكار
ولكون الصمت وعاء العالم
فماحدّ الحزن وقد كان الصمت مفاتيح الغيب
الآن انقلب الصمت غريباً
وغزا واحته الأحياء
منذ سنين( )
فجاءت مفردة ( الصمت ) مضيفة دلالة معينة على القصيدة ، كما أنها لم تجيء مقحمة في النص ولامشوهة لمعناه ، بل جاءت وفق عناية ودراية من قبل الشاعر ، وضمن اطار رسمه الشاعر لتؤثر في السمع .
ويقول في قصيدة أخرى نراه مكرراً مفردة الخصم :
خاصمني أخرج من صوتك يوماً
خاصمني أدخل في رؤيتك الأخرى
خاصمني أخرج من عينك يوماً
خاصمني أدخل في نبرتك الأخرى
خاصمني فيك فلوني
رائحة فيك تواري( )
فجاءت مفردة ( الخصم ) وقد انتقل بها من معنى لآخر ، ليوصلها الى مستوى عال قاصداً من خلال تكراره لها التأثير الأيقاعي في الذهن كما كرر الشاعر مفردة ( القلب) في قصيدته ( اختلاف الفصول) معرفاً المفردة تارةً ، ونافياً لها تارة أخرى وهو هنا يشير الى حياته .
يشع بعينيك عطر الغموض
فيدركه القلب نبعاً
تفرد فيه الهجير
فكان القلب اخضرار الفصول
فكيف تضيع المسافات في
واحة القلب بعد التداني ؟
ولّما يلف حرير الأسى بعد لحناً
سيهجر قلبي
الى حيث يغفو هناك
على جرف نبعٍ
يسمى
اختلاف الفصول ( )

فالشاعر كرر مفردة ( القلب ) وهو هنا له بعد دلالي يرسم لنا الشاعر هذا البعد من خلال التأثير الإيقاعي في الذهن .
الجناس :
يعد الجناس من الأساليب الأخرى التي استعملها الشاعر إثراءً لموسيقى النص الداخلية ، و(الجناس) هو (( أن يورد المتكلم كلمتين تجانس كلّ واحدة منها صاحبتها في تأليف حروفها)) ( ) .
ويكثر في شعره الجناس غير التام ومن أمثلته قوله :
هل تعرف أني أكره كل الأصوات
أنفر من زمني
أسقط في كلّ الأوقات( )

فقد جاء الجناس غير التام بين المفردتين (أصوات ، أوقات) ، والأختلاف وقع في حرفين وهو (الصاد ، والواو) في كلمة (صوت) ، و(الواو ، والقاف) في (صمت) غير أن الموسيقى الداخلية بدت واضحة من خلال جناس المفردتين مــع اختلاف الـدلالة بيـن
المفردتين – يقول :
الماء وما يحملهُ
لايعرفني من صوتي
بل يعرفني من صمتي( )
فجاء الجناس غير التام بين المفردتين (صوتي ، صمتي) ، والاختلاف وقع في حرفٍ واحد وهو (الواو) في كلمة (صوت) ، والميم في كلمة (صمت) ، إلاّ ان الموسيقى الداخلية واضحة من خلال جناس المفردتين مع اختلاف المعنى بينهما – ونراه قائلاً :
قلبي
ينساب وحيداً قبلي
حتى يلقاك بعيداً من دوني
فأنا مسكون بشكوكي وظنوني( )
فمفردتي (قلبي ؟، قبلي) جاءتا متقاربتين من ناحية الأصوات ، غيرّ أن صوتاً واحداً جاء مختلفاً بينهما وهو (اللام) في كلمة (قلبي) ، و(الباء) في كلمة (قبلي) ، مما جعل من الجناس جناساً غير تام مع فارق المعنى بينهما .
الطباق :
هو (الجمع بين الشيء وضده في جزء من أجزاء الرسالة أو الخطبة أو البيت من بيوت القصيدة ، مثل الجمع بين البياض والسواد ، والليل والنهار والحر والبرد) ( ) ، وتطابق الألفاظ وتضادها ينشيء جواً موسيقياً داخلياً في النص الشعري ، ممّا يؤثر ذلك على سمع المتلقي ، لما يخالفه التطابق من تناغم إيقاعي داخلي ، والطباق كفن يلازم فن الجناس ، فيندر أن يستطيع الشاعر التفريق بينهما( ) ، وفي دراستنا لشعره سنقف عند الطباق بنوعيه (طباق الإيجاب ، والسلب) ، ومن القصائد التي ورد فيها طباق الإيجـاب
قوله :
ولأنت الأول والعاشر
تتخاصم فيك الأشياء
الأبيض والأسود
والحب يساوي كرها( )
فجاء اللون بتضاده حاملاً معنى طباق الأيجاب ، فكان لون البياض بالضد من السواد، مما يعني اشتغال النص بتضادية اللون ، مضفياً هذا التطابق على النص ايقاعاً خاصاً أغنى فيه النص ، ولعل لذلك دلالة تمت الى نفس الشاعر بصلة وكيف أخذت الأشياء تتصارع في خلجات نفسه ، كذلك جاء طباق الايجاب في ( الحب والكره ) .
ونراه قائلاً في نص آخر :
ما أبعد الأشياء ياسيدتي
لقربها الشديد
ما أبعد العاشق عن عينيه والفوائد
كم غيّر أسمه وبدلّ الدّروب
وحول الليل الى قصيدة
وامتشق النهار( )
فالطباق جاء في اللفظتين ( ليل ، نهار ، البعد ، القرب ) فهذه المفردات بما تحمل من معاني التضاد أضفت جواً موسيقياً داخلياً خلقه الشاعر دون تكلف أو تصنع بل جاءت الألفاظ بسلاسة ويسر ، ويمكننا القول انها تبادلات ثنائية تعكس لنا براعة الشاعر .
ويقول أيضاً :
إقتلني إن شئت حياتي
فقديماً قالوا :
في الموت حياة( )
فالطباق حصل في المفردتين ( موت ، حياة ) ، وهنا استخدم الشاعر التبادل الثنائي بين ( الموت والحياة ) ودلالة كل واحد منهما في النص .
وقد جاء استخدامه لطباق السلب في بعض القصائد ، وهي قليلة قياساً بقصائد الإيجاب ، فنراه قائلاً في ذلك :
أراك
وقد لا أراك
اذا جئت يوماً
وخوفي يعانق ظلاً سواك
فأني سأخفي اشتياقي
على الجمر يخدش صمتي المياه
وأقفو خطاك( )
فجاء الطباق في قوله : ( أراك ، لا أراك ) فهو يؤكد رؤيته أولاً ونافياً له ثانياً مما أضفى جوّاً ايقاعياً داخلياً في النص جاء عن طريق تطابق المفردتين .
ويقول في قصيدة أخرى :
أعرفها تلك الفاتنة الحسناء
تهواني
أو
تكرهني
وفق الرقة واللون بعينيها
فأصير بفعل السحر الأخضر شيئاً
لا أعرفه( )
فالطباق حصل في قولهِ ( أعرف ، لا أعرف ) بمعنى بين النفي والإثبات .

المبحث الثاني : بناء القصيدة
يُعد بناء القصيدة من ميزات الشعر التي ربما تميزه عن غيره من عوالم الإبداع الأخرى – فالشاعر حين يقدم نتاجه الشعري يحرص على أن يكون تقديماً متقناً ، فالشعر رسالة ، يهدف الشاعر من خلالها توصيل هدف معين للقاريء ( المتلقي ) .
والقصيدة المتميزة هي القصيدة التي تتسلسل مع القاريء في الفكرة ، والصورة ، والخيال ، والمغزى أو الهدف …. ولا تعطي القاريء من الوهلة الأولى كل أهدافها لتظل خائضة في النهاية بما ينفر منه المتلقي ، بل لعل التدرج في ايصال المعنى من الأوليات عند الشعراء ، والقصيدة الجيدة هي أشبه بالكائن الحي، بعيدة عن البناء الجامد، أو الثابت( ).
والبناء في العمل الأدبي يعبر عن عالم صاحبه ، وكونه الشعري ، بمعنى يكون البناء عادة مرتبطاً بعالم الشاعر ، ومعبراً عن هواجسه الذاتية( ).
وفي دراستنا للبناء عند الشاعر سنقف عند مكونات البناء من: ( عنوانات ، مستهلات ،الوحدة العضوية ، الخاتمة في القصائد ).
العنوانات :
يعد العنوان رأس الهرم في العمل الأدبي ولايستغنى عنه ، وهو في ( النص الأدبي ليس كالإعلان لمنتج ما وإنما هو استدعاء للمتلقي أوالقاريء للولوج في حرارة ونبرات النص – والعنوان له طاقة موجهة من الإكراه الأدبي ويرمي بالتالي الى اخضاع المخاطب) ( )، ويشتق العنوان من صلب العمل الأدبي وليس خارجاً أو مقحماً عليهِ، ويكون مدخلاً لتحليل النص الأدبي ، فلن يفهم العنوان ( منقطعاً عن نصه ، ولا تدرك أشاراته الاّ عبر العلاقة بينهما ) ( ) فيدخل العنوان ضمن تشكيلة النص الأدبي ويُعد ( عنصراً نصياً موازياً يُراد به التعيين والإيحاء والإغراء ) ( ).
أما شاعرنا قصي الشيخ عسكر– فقد كانت مجاميعه الشعرية متميزة بدلالات العنوان وإيحائه كما طغى استخدامه للعناوين المكونة من كلمة على عناوينه المكونة من ( كلمتين أو ثلاث كلمات ) .
ومن أمثلة قصائدة التي تحمل عنواناً مكوناً من كلمة :
( الوطن ، بغداد ، البصرة ، انتظار ، رحلة ، ضباب ، وحدة ، تساؤل ، حيرة ، هموم ، غربة ، طريق ، عتمة ، صمت ، حزن ، تأمل ، غرباء ، حنين ، ذكرى ، عودة ، أمل ، مدينتي ، رؤية ، عزلة ، بحر ، غموض ، ترحال ، هرب ، فجر ) .
وبوقفة سريعة وبتأمل عند هذه العناوين ، انما يستدل القاريء من خلالها عن دلالات متنوعة ،يقف السؤال الباعث للقلق على رأس تلك الدلالات ، والاّ ما معنى ( وطن ، انتظار ، رحلة ، تساؤل ، غربة ، حنين ، صمت ، حزن ، أمل ، عودة ، عزلة ، ذكرى ، ……) ، وهل توحي دلالاتها بغير ماذكرناه من روح الشاعر القلقة المضطربة الحزينة التي غدت باحثة عن الأمان والاستقرار ، والركون الى إجابة تفض هذا العزف الذي أمسى منفرداً ، ورحيل غدا مستبداً بما حوله من كائنات .
ومن عناوينه التي حملت كلمتين نذكر منها :
( مملكة الصمت ، غابة الأحلام ، العطور الخرساء ، اختلاف الفصول ، احتضار اللهيب ، جزر الخيال ، ظلال الصمت ، قافلة الأبعاد ، القلق الوردي ، قدر الحياة ، مأوى الشجون ، دقائق العطش ) .
أما عناوينه المكونة من ثلاث كلمات منها ( رحلة الشمس والقمر ، سيدة الظل والنور ، اليك الحزن أقرب ، هَمّ لي وحدي ، ترنيمة الخوف والأمان ) .

وهكذا أمست عناوينه سمة تدل على الحرمان والشكوى ، فهي كما عند غيره من الشعراء توحي بدلالات الغربة والنفي في وطنه) ( ).
فالعنوان أمسى مكوناً دلالات معينة وإيحاءات خاصة حول النص قبل الخوض في أجزاء النص الإبداعي( ).
فنأخذ مثلاً على ترابط العنوان وايحائه للنص قصيدة ( غرباء ) .
لاتقولي كان عهداً وانقضى قد يكون الهجر أحياناً لقاء
انه الحزن بعينيك ارتمى وصحا في ذات يوم كبرياء
المسـافات له أغنية سكرت منها أحاديث الشتاء
كم عشقناه نعيماً دائماً خير ماجادت به كف العراء
فإذا للشـوق ظل دائم هام فيه الليل من دون انتهاء
قد نسجنا فجره من سرمدٍ وتجاوزنا به حـــد الفناء
نحن مذ كنا خلقناه فـلم تعرف الأرض سوانا غرباء ( )
فقد جاء العنوان مفتاحاً للقصيدة ومطابقاً اياها تطابقاً أشبه بالكلي ، فالقاري بمجرد أن يقف عند العنوان تتبادر الى ذهنه ايحاءات الوحدة ، والعزلة ، والغربة ، والنفي في عالم يضج بكائنات متفرقة فيتدرج الشاعر مع القاريء ليدله على ألم العزلة والوحدة .
وليس بالضرورة أن يتحدث الشاعرعن الغربة بما تعنيه من الهجرة خارج الوطن ، لكنه استخدم اللفظ مجازاً للتعبير عن غربة النفس وغربة الروح .
فهو غريب داخل وطنه وخارجه ، فالغربة بكل ماتحمل من دلالة ومعنى هي واحدة في الداخل أم في الخارج ، وبالتالي فإن عنوان القصيدة جاء مطابقاً لمضمون القصيدة ، لتجيء نهاية القصيدة متوهجة نحو عنوانها ودلالته ليقول :
نحن منذ كنا خلقناه فلم تعرف الأرض سوانا غرباء
فكان العنوان دلالة للنص الشعري ، ويكاد يتطابق معه كلياً .

المستهلات :
تعد المستهلات أبواباً لولوج عالم النص الداخلي ، وكلما اتسمت القصائد بمستهلات متينة ، أضفى ذلك على المتن قراءة متأنية ، وانشداد القاريء كنتيجة للبداية القوية ، والمستهل في القصيدة ليس ( عنصراً ملصقاً بالقصيدة ، وإنما هو جزء من كيان عضوي كلي يخضع لمنطلقات القصيدة الكلية ولبنيتها ) ( ).
أما المستهلات في القصيدة القصيرة وكذلك الغنائية فقد تحولت الى( كلمة واحدة أو صورة ، أو استعارة ) ( ).
وهذا ما وجدناه في شعر ( قصي الشيخ عسكر ) فأحياناً يصادفنا مستهل يبدأه الشاعر بكلمة واحدة ، وقد وقف الباحث عند أبرز مستهلات ا%