الرئيسية » نقد » ادب » موج يوسف : مضمر الهوية في الرواية العرفانية ( منازل ح 17 ) للروائية رغد السهيّل

موج يوسف : مضمر الهوية في الرواية العرفانية ( منازل ح 17 ) للروائية رغد السهيّل

الروائية رغد السهيل

مضمر الهوية في الرواية العرفانية ( منازل ح 17 ) للروائية رغد السهيّل
موج يوسف
في الوقت الذي تصارعت فيه الهويات وتعددت في الخطابات الأدبية نجد أن الرواية العرفانية أو الصوفية تضمر في سردها هوية ثابتة غير قابلة للتجزئة ولا بد من الإشارة أن الرواية الصوفية هي التي تندرج ضمن خانة الرواية التاريخية حيث أنها تنهل مادتها من التاريخ وتعمل على مستندات تراثية ، لكن هذا لا يعني اطلاقاً أنها بتاريخ محظ. الروائي يستعيد بناء التاريخ في نصه وينتقي مادته ثم يعبر عن رؤياه للعالم موظفاً خياله وإبداعه ، ويضفي عليها بعداً حيوياً يجعل منها بؤرة تؤطر ( سؤالي الكينونة والوجود الإنسانيين فرداً ومجتمعاً) وبهذا تخلق الرواية الصوفية عالماً انتقائياً اذ تعمد على كسر افق القارئ وتبني انتظاراً جديداً . الروائية رغد السهيل في منازل ح 17 الصادرة العام الحالي عن دار المؤسسة العربية للدراسات والنشر ، كانت ناجحة في استعمال الشخصيات الصوفية وانتقاء المادة التاريخية واضفاء الخيال عليها ممّا جلعت القارئ يقع في افق الحدث وكأنه احد شخصيات الرواية حيث أن الكاتبة انطلقت من لعبة الأقنعة متماهية مع شخوصها في جمعها بين الواقع الحالي وقضاياه وبين عوالم خيالية وروحانية . فالشخصية البطلة كانت امرأة ثائرة فمنذ ولادتها الى هرمها اخذت منازل القمر، وحكمة الآلهة اذ صادفت ولادتها في ليلة عاصفة ماطرة غاب عنها القمر فتروي الأم قائلة ( أنها القمر الذي أنار سماء هذه الليلة المعتمة ، فسأسميها قمر الزمان .. ص 34 ) وهذا الاسم سيكون هوية صالحة لكل زمان ومكان كالقمر أزلي البقاء . ونشأت قمر الزمان في بيت له مكانة وقدر رفيع في ايران حيث يعد مرجعاً دينياً مهماً يتبعه الكثير من المريدين والطلاب ممّا جعلها تهجر طفولتها مبكراً ، في السابعة من عمرها حفظت القرآن ونهج البلاغة وخطت الالواح تحت شجرة التوت وبعد بلوغها درست الفقه واصوله وبرعت في الافتاء ، فبدأت تدعو الى توحيد المدارس الفقهية حين تركت المدرسة الاخبارية والأصولية التي هي اساس مرجع عائلتها ، فوقعت في صراعات داخلية ولا سيما عند اتباعها لنهج الاحسائي فقررت الرحيل الى كربلاء بدعوى من علمائها ولا سيما الشيخ كاظم الرشتي الذي اوصى بها خيراً ، واقامت مع أرملته ام فاضل وسكنت مكتبه وعكفت على دراسة جميع الكتب فجمعت بين الفلسفة والدين والعرفان واعتلت منبراً في الروضة الحسينية في كربلاء ـ واصبح لها اتباع وطلاب ومكانة في العراق وصيت قدير . رحلة قمر الزمان سارت في عتمة مليئة بالصراعات الدموية ، فكل مذهب كان متعصباً لهويته ولا سيما في مرحلة الاحتلال العثماني للمناطق العربية واحتلال الروس والانكليز ايضاً وحكم القاجار لبلاد فارس ، ممّا تحتم على قمر الزمان ان تدعو الى توحيد الاديان ، فتقول ( ما انا الا باحثة عن المشترك لا المختلف ، فإذا رغبت في السلام عليك التشبث وبهذا وبظهور المخلّص امر متفق عليه في جميع الاديان ، اما النبش في المختلف فلن يخلق الا التطرف والكراهية.. 187 )هذا نص حديثها مع ابي ثناء الآلوسي الفقيه البغدادي حين كانت مسجونة في داره بإمر من السلطة العثمانية . وبعد فك اسرها وترحيلها الى بلادها اطلقت دعواها هناك ( إن الدين واحد لا متعدد الشريعة تتعدد .. 207 ) ثم وقعت في سجن العائلة لكنها هربت فوقعت في سجن طهران واستمرت بالدعوة (لقد امطتُ اللثام عن وجهي وما عليكم الا اماطته عن عقولكم . انظروا إلي اختكم في الانسانية .. حرروا عقلوكم لتتحرر الارض من جوهرها إن احوال الزمان تتغير.. 237 ). وعند الشاه ناصر حين قال لها الشريعة لا تتبدل ردت ( الشريعة تأويل البشر والدين واحد لله .. 267 ). وحين وصلت الى منزل العرجون القديم في باب الحصاد الذي كان اخر باب لتظفر بحريتها ارسل لها الشاه كبار العلماء ؛ ليتأكدوا من صلاح عقيدتها فسألها احد العلماء عن ادعاء وحدة الاديان اجابت ( دين لله واحد وتلت ما كان ابراهيم يهوديا ولا نصرانياً .. فالدين تقيده النصوص والروايات .. 279 ) فنهرها احدهم وقال ملحدة . ممّا تقدم نرى ان جميع النصوص اضمرت هوية مركزية ، فظاهر النصوص يحمل هوية دينية قدمت بصورة ضيقة ومغلقة من قبل دعاة الدين ممّا خلق حالة نفسية وثقافية من الشعور بالحصار عند قمر الزمان ويبدو النص نفسه نصاً عنيفاً مخفياً ولا سيما حين اقترن الديني بالسياسي وبه تحولت النصوص الدينية الى صراعٍ مستمرٍ ولا يكتفي كل طرف بتأويله ويعلن أنه الاكثر صحة . وفي هذا السياق نرى ( إن الصراع على معنى النص في تاريخينا السياسي ــــــــ الديني يفتت المجتمع ) وهذا ما يؤكده التاريخ منذ القدم إلى حاضرنا ـ ففي الوقت الذي تآكل فيه الافراد في المجتمع العراقي وأصبح كل فريق يتعصب لدينيه ومذهبه اختارت رغد السهيل هوية مركزية لا تتجزأ ولا تتوزع انصافاً مكونة من العناصر التي شكلتها وفق معايير خاصة تتبنى كلّ الانتماءات . عالجت الرواية ازمة الهويات المتصارعة في الوقت الذي كان فيه التأويل الديني في المجتمع الاسلامي سبب في المزيد من الحروب من أجل تثبيت سلطة او معتقد او اتجاه بدلاً من ان يكون من أجل المزيد من الحرية . رغد السهيل كاتبة بارعة اذ جمعت بين التاريخ والشخصية الصوفية واللغة الابداعية في قضية الهوية وازمتها الدامية ، واضمرت فيها هويتها تاركةً القارئ الاختيار والبحث .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *