الرئيسية » ملفات » الروائي برهان الخطيب: لا أميّز بين لغة شعرية وأخرى سردية، بل بين لغة صحيحة، وأخرى غير صحيحه (الجزء الأول)
حاوره: عدنان حسين أحمد (ملف/41)

الروائي برهان الخطيب: لا أميّز بين لغة شعرية وأخرى سردية، بل بين لغة صحيحة، وأخرى غير صحيحه (الجزء الأول)
حاوره: عدنان حسين أحمد (ملف/41)

إشارة :
برغم أن الروائي المبدع برهان الخطيب يُحسب على جيل الستينات إلا أنّ ما يميز منجزه الابداعي هو هذا التجدّد والتجديد في الأسلوبية وتناول الموضوعات مع ثبات بصمته السردية الجوهرية على خارطة الأدب الروائي العراقي والعربي. وقد أغنى عمله الصحفي وحياته الحافلة بالمتغيرات مخزونه التجاربي فأثرى المكتبة السردية العربية بأكثر من اثنتى عشرة رواية كل واحدة لها عالمها المستقل المتفرّد. يسر أسرة موقع الناقد العراقي أن تبدأ ملفها عنه متمنية على الأحبة الكتّاب والقرّاء إثراءه بالمقالات والصور والوثائق. تحية للمبدع الكبير برهان الخطيب.

الروائي برهان الخطيب: لا أميّز بين لغة شعرية وأخرى سردية، بل بين لغة صحيحة، وأخرى غير صحيحه
حاوره: عدنان حسين أحمد

( الجزء الأول )
لا يحتاج الروائي برهان الخطيب إلى تقديم نفسه فأعماله الروائية الرصينة دليل دامغ على فرادته وعمق مشروعه الإبداعي. لقد اطلع برهان الخطيب منذ وقت مبكر على نتاجات اساطين الأدب العالمي وتمثلها جيدا. لكنه لم يقع اسيرا لسطوتها، فعينه كانت تكشف الهنات والمزالق، وكانت ذائقته النقدية تفرز الغث من السمين اعتمادا على حدوسه الغامضة وبصيرته ومرجعياته المعرفية المتنوعة. فمن الصعب أن يعلن اعجابه بهذا العمل الأدبي أو ذاك اللهم إلاّ بعض الأعمال الأدبية الخالدة التي هزت الضمير الإنساني في كل مكان..
وبالرغم من أن بعض النقاد الكبار أمثال علي جواد الطاهر، صالح هويدي، قيس العزاوي، عبد الرحمن الربيعي، وفاطمة المحسن قد تناولوا نتاجاته الأدبية بالدراسة والتحليل إلاّ أنهم لم يستبطنوا عوالمه الداخلية المعقدة، ترى متى سينال هذا الرائد الستيني العملاق حقه من النقد والرواج والشهرة التي تتناسب مع موهبته الأدبية الفذة؟
(الحوار المتمدن) حاور الأديب برهان الخطيب في موضوعات شتى وفي ما يلي نص الحوار الذي ينطوي على اختلافات جوهرية بين السائل والمجيب حول جوهر العملية الإبداعية وزوايا النظر والمقاربات ولكن هذا الاختلاف ليس دليلا على التناقض بقدر ما هو ملء للفراغ القائم بين وجهات النظر. ولكي نحيط القارئ الكريم علماً بالمنجز الإبداعي القصصي والروائي لبرهان الخطيب فقد ارتأيت أن أدرج طياً سيرته الذاتية والإبداعية لكي تكون مدخلاً لعالمه الإبداعي، وكشافاً للجهود الخلاقة التي بذلها ليس في الجانب السردي حسب، وإنما في فن الترجمة، وكتابة المقالة النقدية وما إلى ذلك. كما أطرح بقوة، في الوقت ذاته، سؤالاً مفاده: أين النقاد العراقيون من هذا المنجز السردي الكبير، ومتى يغادروا كسلهم لينغمسوا في الرصد والدراسة والتحليل، وأخص بالذكر منهم نقاد المنفى على وجه التحديد كي لا يلوذوا بالظروف الشاذة التي يعيشها نقاد الداخل وعراقيوه برمتهم؟
( برهان الخطيب، خريج كلية الهندسة عام 1967. تخلى عن الهندسة بعد إيفاده إلى روسيا عام 1969، حيث درس الأدب أكاديمياً وعمل مراسلاً لمجلات أدبية عدة. عمل أكثر من عشر سنوات محرراً ومترجما في الأدب. يقيم في السويد منذ العام 1987. صدرت له في القصة والرواية ما يلي: ” خطوات في الأفق البعيد، ضباب في الظهيرة، شقة في شارع أبي نؤاس، الجسور الزجاجية، الشارع الجديد، نجوم الظهر، حب في موسكو، ليلة بغدادية، بابل الفيحاء، ذلك الصيف في إسكندرية، الجنائن المغلقة، وقد انتهى من روايته الأخيرة ” على تخوم الألفين ” وينتظر نشرها من قبل إحدى دور النشر المصرية. وفي الترجمة: ” بخارى، قصص، دهر التقدم 1978، المنتصرون، رواية، دار التقدم 1979، تلك الأفراح، رواية، دار التقدم 1980، أملاك، قصص، دار التقدم 1980، سوتنيكوف، رواية، دار التقدم 1981، آخر العنقود، قصص، دار التقدم 1981، قصص من طاجيكستان، قصص، دار رادوغا 1982، حكايات لأدباء روس، قصص، دار رادوغا 1982، الشاطئ ، رواية، دار رادوغا 1984، نجم السهوب، رواية، دار رادوغا 1985، عندما تعشوشب الصخور، رواية، دار رادوغا 1985، الفارابي، بحث، دار التقدم 1986. ” وفي الآتي نص الحلقة الأولى من الحوار:
1. رصدتَ تاريخ العراق الحديث عبر منجزك الروائي، وكشفتَ عن مساحة معينة من تأججه الداخلي الذي لا ترصده العين العابرة، ويبدو إنك كنت متنبئا بموت الإيديولوجيا التي تبنتها كل الأنظمة السياسية التي تتابعت في حكمها للشعب العراقي، هل أردت القول بأن هناك لعنة قديمة قد حلت بهذه البقعة الساخنة من الأرض؟
ـ كل منطقة من العالم لها ظروفها التي تحدد كيفية مسار التأريخ فيها، تضاريس أرض مثلا تحدد مسار وتعرجات نهر، هذا لا يعني أن الشعوب أسرى واقعها دائما مثلما النهر أسير مجراه حتى يتدخل الإنسان، ولا أن التأريخ يكتب تلقائيا أو أوتوماتيكيا حسب ما تمليه الجغرافية التي لها تأثير كبير جدا على التأريخ، كلا. الشعوب تساهم بفكرها في صنع تأريخها، وتحقق انتصارات حين تتحدى ظروفها وهزائم حين تستسلم لها، أسلوب التحدي حاسم لأنك بالتحدي البليد تدمر نفسك وبالتحدي المبدع تبنيها، دور العقل فعال إذاُ في بناء تجربة شعب وأمة، كلما كان العقل مغيبا أكثر كان اندحارها أقرب إلى الحتم، وحين أتكلم عن الظروف أعني بالطبع الموقع الجغرافي والعلاقات مع الجوار والثروات الوطنية وغير ذلك، والعراق لموقعه على الرافدين، الأحرى لنشوئه من الرافدين، وتوسطه بؤرة تماس أمم كبيرة كالفرس والعرب والأتراك، وظهور النفط فيه بكميات ستراتيجية الذي يغذي شريان الحضارة المعاصرة كما هو معروف أصبح بؤرة أيضا لصراع بين أقوام وهذا طبيعي جدا وليس لأن أهله أهل شقاق كما قيل ولا لأن جوه يخلق مزاجا ثوريا ولا لأن لعنة قديمة أو جديدة نزلت عليه، على العكس لقد نزلت عليه بركات السماء والأرض من مياه الرافدين والزابين وغيرها ومن أول قانون سن فيه إلى آخر إمبراطورية سمحاء أقيمت عليه حيث كان المسلمون والنصارى واليهود والصابئة وغيرهم أخوة فيه، لكن عقول غير المخلصين للوطن قدر إخلاصهم لأنفسهم وعشيرهم حول تلك البركات إلى لعنات حين بددت الثروات العامة في مغامرات طائشة وترك الأخ يضرب أخاه، وما فعلته في رواياتي أنني لم أتنبأ فقط بموت الأيديولوجيا حسب وهذا كلام بت أسمعه هنا وهناك بل وحاولت أن أبين جذور وأسباب الكارثة التي مضينا إليها وبعضنا راض بل ومتحمس لها وما زلنا نمضي فيها للأسف في هذا القطر وذاك كأننا لم نتعلم شيئا حتى الآن من كل النكبات التي أصبنا بها طيلة أكثر من ثلاثين عاما مما يجعلني أتخيل أني وغيري من ذوي النوايا الحسنة كما يقال نعزف في الهواء الطلق ولكن الجمهور أوصد على نفسه غرفة! استلمت اليوم مثلا دعوة من مجموعة كتاب عراقيين إلى لقاء ثقافي مرفقة ببيان مكتوب بلغة تثير دهشة لا تؤسس إلى لقاء حقا بل إلى فراق! لكن هذا موضوع آخر.
رواياتي نفسها، والدعوة الإنسانية في ثناياها والروح الاستقلالية التي كتبت بها وفيها، دليل على أن هذه اللعنة التي تتكلم عنها ليست أبدية. في الجنائن المغلقة روايتي الجديدة التي تصدر قريبا جدا ترى أن ما يمكن أن نسميه بلعنة حلت بهذه البقعة، أي حين نفشل في تأسيس تفاهم بيننا ليس هو سوى عمل من رجسنا قبل أن يكون من رجس آخرين..
في ظرف تتفاقم فيه مشكلة ليس هناك أسهل من المعاداة أو المبايعة فأفكارهما وحوافزهما جاهزة حولنا وهذا ما يلجأ إليه أصحاب عقول كسولة وإن وجدتها في قمة هياج، بل الهياج عينه دليل عجز وكسل في العقل، أما الإتيان بقول جديد على طريق جديدة ثالثة فهو من الأمور الصعبة فيما يكون هذا المنحى بالذات هو الذي نحتاجه للخروج من مشكلتنا، ومما يعسر ولادة الأفكار هنا تضافر المعادي والمبايع على النيل من مفكر الطريق الثالثة ونجاحهما غالبا في تدميره مما يبقي المشكلة تراوح في مكانها.. رواياتي نشأت وترعرعت واكتملت على تلك الطريق الثالثة ثم وجدت مناصرين لها في هذا الطرف وذاك مما يقنعني أن هذه اللعنة القديمة في طريقها إلى زوال.. أو هذا هو بعض آمالي من كتابتها..
2. هل تصنف اللغة إلى لغة شعرية مكثفة مقرونة بنبؤة الخيال، ولغة نثرية مرتبطة بشفافية السرد وعفويته وانسجامه،. ألا ترى معي أن عجلة الأدب العربي قد صدئت من روتين السائد والمكرور، وهل تعتقد إنك قد فركت الصدأ عن اللغة وارتفعت بها من مدارج السرد إلى كثافة اللغة الشعرية؟
ـ اللغة مخلوق حي كما أتصور يخلقها الناس كل يوم ولكنها تستقل أيضا عنهم كل يوم وتأخذهم إلى رحابها فرادى فتعطيهم أكثر مما تأخذ منهم، تعطيهم ليس المفردات فقط والتعابير الجاهزة بل المفاهيم والمشاعر وبذلك يرتقي المواطن على سلم الكون في اعتقادي بقدر استخدامه لغته وانتفاعه بها، واللغة العربية كما نعرف محيط مترامي الضفاف وهي كما أشعر من أجمل اللغات في العالم لكنها مهملة للأسف رغم كثرة الحديث فيها وعنها بل هي تحنط كل يوم وتحول إلى قوالب وقيود وربما في هذا بعض أسرار التخلف العربي، نحن نستخدم لغتنا سواء في اتصالاتنا اليومية أو في لغتنا الأدبية باحتقار خفي كالاحتقار الخفي الكامن في الرجل الشرقي للمرأة الشرقية، بل لنفسه، وهذا الاحتقار يتمثل في عدم إعطاء المفردة حقها، معناها الحقيقي، ومكانها المناسب وتوقيتها المطلوب عند الاستخدام، وهذا متأت من طبيعة تفكير غير علمية تبنت مناهج غيبية وخرافية في تصورها للكون وانعكس ذلك في تصورها للمجتمع وحقائقه عموما، رسخت لدينا أنماط من التفكير تمنع عنا رؤية العالم كما هو، بل كما نريد أن نراه، فباتت حقيقة فردية أو خاصة حقيقة لمجتمع برمته أو هكذا يراد لها، حقيقة باتت تستولي على معاني الكلمات وتجعلها حكراً لتصوراتها فتفقدها رنينها وحيويتها وجمالها، كل كلمة هي قوس قزح لكنها عند جهلة بلون واحد، كل كلمة لها عشرات الظلال لكنها مظلمة صماء عندهم، فتحولت حتى الكلمات القدسية العالية مثل الله والوطن والشعب والحب والحكم والمواطنة والتفاهم والصداقة إلى قوالب عندهم لا تستوعب سوى ما في مخيلة ضيقة من مفاهيم محدودة للأسف وانعكس هذا على العلاقات بين أفراد ومواطنين بالطبع فأصبح كل من يقدم تفسيراً ولو بعيداً قليلا عن تصوراتهم مشبوها ينبغي الحذر منه، فهزمنا أنفسنا بأنفسنا قبل أن يهزمنا الآخر..
تعقد الحياة الاجتماعية يخلق أنماطا معقدة من التفكير وهذه الأنماط تحتاج إلى دقة كبيرة في استخدام الكلمات للتعبير عن المقاصد والمعاني المطلوبة التي تتقاطع غالبا مع غيرها عند السامع أو تتوافق معها حسب تقارب أو تباعد المتكلمين بعضهم عن بعض، هذا يفهم كلمة الإخلاص مثلا نقيضا لفهم آخر لها رغم أن كليهما مخلصان للوطن مثلا، فعند هذا يمر الإخلاص إليه عبر الالتزام بالدين وعند ذاك عبر الالتزام بغير ذلك، بعد لحظات من كلام قد تسمع هذا يقول لذاك أنت غير مخلص للوطن، وهذا يقول لذاك بل أنت غير المخلص، تعقد الحياة الاجتماعية نتيجة لتعقد عمليات الإنتاج والتوزيع والاستهلاك ودور الفرد ومكانته فيها، أحدهم سوف يقول برهان الخطيب ينظر ميكانيكيا أو ماديا إلى الحياة، وهذا مثل آخر على اغتصاب الكلمات وممارسة قسر معها لأن القائل في هذا الحال لا يحاول أن يفهم ما يقال له بكلمات بل أن يخضع ما يقال لمفاهيمه الخاصة وهذا يعني أن الكلمات لم تعد تنقل معانيها إلى المتلقي ليس بسبب عجز في التعبير عند المتكلم بل بسبب عجز في المخيلة عند المتلقي، وهذا مرتبط بحالة التأخر التي نعيشها للأسف نحن العرب، لقد توقفت حدود مخيلتنا عند كتاب ألف ليلة وليلة، وظل مجتمعنا العربي في طور متدن ماديا وروحيا رغم كل ما يقال عن الثراء الروحي لأمتنا، ويتبدى هذا الفقر روحيا في العلاقات المتشنجة أو الرخوة بين أفرادها، إذا كنت من غير طينتي فبيننا الحذر والاحتقار، وإذا كنت منها فبيننا السلام والمجاملات الهشة، علاقات الرئيس والمرؤوس دائما، أما العلاقات الإنسانية المستقيمة الصريحة القائمة على المساواة في الجدارة والكرامة فهي نادرة للأسف، وأما ماديا فمجتمعنا العربي لا ينتج حتى غذاءه بل يستورده، دع عنك كل وسائل قوته الأخرى وراحته رغم وجود أكبر معين للطاقة على أراضيه، التي يستخدمها في تدمير نفسه بحجة الحق في الدفاع عنها!.. حتى العقل إذا لم يكن لابساً العقال رأيناه مروقاً من جهة أو تخلفا من جهة أخرى إذا لبسه، وكلا النظرتين خطأ لأن المهم جوهر هذا العقل لا ما عليه!
لم يعد أبناء الوطن يتفاهمون مع أبنائه بل يتضاربون وهذا مفهوم لأن الثروات الوطنية رست على بعضهم ولم توزع بعدل أو حتى بلا عدل بينهم بينما حاجاتهم وعددهم في تنام مستمر، ونتيجة لهذا ولغياب الحوار بالتالي وكذا الاستقرار تأخرت اللغة لأنها لم تستخدم في حوار شامل، ربما الآن نعيش نحن بعض بداياته مع اتساع وسائل الاتصال العام مما سيؤثر لاحقا على تطور اللغة العربية. لكنها اليوم، بخاصة لدى العامة، في طور متدن فالمفردات المستعملة فقيرة بسبب تدني مستوى حياتهم الاجتماعية وبالتالي تدني حاجتهم إلى لغة عالية فاكتفوا بما يعبر عن وضع روحي ومادي محدود، أما لدى الخاصة فهي متطورة كما وشكلا ومتخلفة مضمونا إلاّ لدى مثقفين يخرجون غالبا عن شرطهم الاجتماعي وأطره ويحققون استقلالا فكريا عن انتماءاتهم القديمة، لذلك من السهل أو هكذا أتصور أن يتفاهم مثقف من أقصى اليسار مع قرينه من أقصى اليمين، ويتبادلان الاحترام والمودة رغم اختلافهما لأن كليهما متفهم لمكانته في المجتمع ودوره في توازنه، من يمثل ولماذا الاختلاف مع غيره، وهذه بادرة أرى لنضج اليمين واليسار في المجتمع العربي، وصولا به إلى حالة استقرار منشود سوف تساعد على إنماء اللغة حتما على كافة الأصعدة والتخلص من حالة تراكم الصدأ التي تكلمت عنها.. قد تقول هذا حديث في المجتمع وليس في اللغة فأقول أعدك بأني لن أتكلم في المجتمع عندما أرى مجتمعي العربي في ازدهار.. اللغة العربية نفسها تكون وقتها في ازدهار..
نصل إلى لغة التعبير المكتوب التي هي أرقى أنواع اللغة لأنها قائمة على التفكير المتزن ومراجعة النفس وهنا تجد لدينا نوعين من اللغة، أو هذا هو الظاهر، أدبية وعلمية، الأولى مؤسسة على أخيلة والثانية على حقائق ” مختبرية ” لكني أجد أن اللغة الأدبية تصبح علمية حين تبلغ أرقى صورها وتطورها أي أن أخيلة تصبح لدقتها ووضوحها ومنطقيتها لدى المبدع الأرقى بديلا عن حقائق مختبرية لا سبيل لدحضها أو نقضها وهنا تأخذ اللغة بعدها الشعري أي المطلق، أنا لا أميز من ناحية المبدأ بين لغة شعرية وأخرى سردية، بل بين لغة صحيحة وأخرى خطأ، أقصد صحيحة من ناحية التركيب والتعبير عن الجوهري، وهذا لا يستبعد احتمال وقوع أخطاء نحوية مثلا رغم أن هذا يخل في الحال بجمالية اللغة والمعنى ويظهر على السطح..
اللغة الصحيحة في الكتابة الروائية في تصوري هي اللغة التي تعبر عن موقف في أدق وأوجز تعبير، ليس مصادفة أن قال تشيخوف: الإيجاز أخو الموهبة! وتكون اللغة عندي شعرية شفافة إذا كان الموقف والشخصية القصصية في حال يستدعي هذا، وتكون حديدية إذا كان الموقف صعبا، وسريعة إذا تنامي التوتر، وهكذا.. أحد الأدباء قال لي مرة أنت تمسك باللغة من أذنها! والأديب الفاضل فاضل الجاف كتب مرة بالسويدية التي يتقنها جيدا عن لغتي في روايتي “بابل الفيحاء”: قراءتها متعة. فمن أين يأتي الاستمتاع بلغة؟ أعتقد من استخدامها صحيحا، ومن أين يأتي استخدامها الصحيح؟ أعتقد من التفكير السليم، ” إذا كنت أفكر هكذا ” ومن أين يأتي هذا؟ أعتقد من التمسك بالمنطق الذي يلزمني بأن للآخر نفس الحقوق والواجبات التي علي.. وهذا أساس منظومة أخلاقية تقوم عليها شخصيتي الأدبية وشخصية المجتمع الذي أحلم به لأمتي، ولعل دراستي للهندسة والرياضيات والفلسفة وقراءاتي للشعر الجيد أحيانا لقلته فضلا علي، وأنا لا أدري في تصويب لغتي وتقريبها إلى الصورة التي وجدتها في أعمالي الروائية..
3. في روايتك” الجسور الزجاجية” ثمة بناء إشكالي معقد يؤطر العلاقة بين مزعل ابن الخبازة وشمسة من جهة، وبين شمسة وصلاح عبد الستار من جهة أخرى، هل كنت تستغور الأبعاد النفسية لأبطالك كنماذج ملتبسة للأسرة العراقية، أم كنت تتقصى انهياراتها الفكرية حينما كان الانخراط في العمل السياسي آنذاك يمثل نيشانا يزين صدور الرجال والنساء على حد سواء؟
ـ يمكن الرد بطريقتين على أي سؤال وربما بأكثر، الأولى في الرد المباشر على السؤال، ولهذه الطريقة طريقتان أيضا الأولى في الرد دون اعتبار لما إذا كان السؤال مصاغا بطريقة صحيحة، أو ما إذا كان ملغوماً أو مفخخاً للإيقاع بالمستفسر منه، وهذا يؤدي في رأيي إلى تكرار السؤال في الحقيقة ولكن في صيغة جواب! وهنا ينعدم الحوار لأن دائرته تنتهي حيث بدأت، أي حيث بدأ السؤال، وهذه الطريقة غالباً ما لجأ إليها مثقفون ومتعلمون على صفحات إعلامنا وشاشاته الناطقة بالعربية حيث تسمع الكلام المنمق الجميل وفي النهاية ترى إنك ما حصلت منه سوى على “بيض لقلق” كما يقال! تطلع من الحوار هب بياض الله وكيل! أي كل شئ فيه جميل مرتب مرصوف بعناية لكن عقلك لم يحصل من جماله سوى على ألوان وإيقاعات خالية من معانٍ وإيحاءات، لم يلتقط “الكشمشة” كما يقول مثل روسي أي الجوهري، الجديد فيه، لبه، ‎أي الإضافة التي يجب أن يقدمها المستفسر منه على السؤال..
والثانية هنا، بالرد والانتباه في نفس الوقت إلى أن السؤال موضوع خطأ أو مصاغ بشكل لا يبلور محوراً أو رأياً يستدعي معالجة أو رأياً مضاداً حقيقياً في حوار بناء هدفه توضيح لبس لا تأكيده، وهذا سائد أيضاً في إعلامنا، بسبب أن أغلبية المتحاورين يريدون التعبير مرة واحدة عن رأي ومصلحة أمة بكاملها أو الإنسانية بكاملها كما يعتقدون إنما ليس التعبير عن نقطة معينة هي جزء في أفضل حال من كل قد يمثل رأي أو مصلحة أمة أو الإنسانية، متصورين أنهم يكبرون بقدر تكبير ما يقال، والنتيجة أن السؤال والرد يكونان كبيرين حقا إلى درجة إنك لا تستطيع رؤية صورة أو موضوع بوضوح..
أرى إن علينا معرفة موقعنا داخل حوار يدور في وجدان الأمة والإنسانية، أو الأدب في حالنا هذا، أو السياسة أو الاقتصاد في حالات أخرى قريبة أو بعيدة من حالتنا هذه لنعرف كيف نجعل الحوار تنمويا أي ديناميكيا خلاقا لا يشبه لعبة ” بينغ بونغ ” يتبادل السائل والمجيب فيه الضرب على شئ واحد ولكن لتسجيل نقطة ضد هذا أو ذاك! أن يكون حوار تنموياً خلاقاً تلقائياً يعني أن نحدد ونعرف موقعنا جيدا في حوار. إذا كان كلامي معقداً أوضحه كالتالي: يسأل غيرك أو تسأل أنت هل كنت تستغور الأبعاد النفسية.. الخ.. أم كنت تتقصى انهياراتها الفكرية.. الخ..؟ لا أدري لماذا لم تفترض منذ البداية أنني أخذت مثلا كلا هذين المحورين، النفسي والفكري، في الاعتبار عند كتابة الرواية! بل المفروض أن يكون الحال عند الكتابة هكذا، لأن الرواية بناء من مواد مختلفة في الأقل، هذا ما فعلته في الحقيقة. يجب أن يكون سؤال في رأيي، أي سؤال، صياغة لإشكال يطلب حلاً، كشفا لتناقض، سبراً لغموض، طرحاً لنقيض، بينما يجعلني سؤالك لو تمسكت به حرفياً أمام خيار: هل تشرب شاياً أم قهوة؟ لكنه يظل سؤالا بالطبع، مشروعاً، سوف أعود للرد عليه بعد قليل، إنما لأنهي جملتي الأولى حين قلت هناك طريقتان للرد إحداهما بالرد المباشر.. أكمل فأقول: الأخرى بالرد غير المباشر، أي بعدم الالتزام بصيغة السؤال وهذا ما أجد نفسي مدفوعا إليه، أي اتخاذ السؤال ذريعة للكلام في هذا وذاك من أمور قريبة أو بعيدة إلى محاور السؤال وهذه طريقة يلجأ إليها ساسة ودبلوماسيون عادة، وهي تمنح فرصة جيدة لهروب من موضوع السؤال بخاصة في حالة عدم فهم السؤال أو خوفاً من مجابهته أو رغبة في إيصال رسالة معينة إلى جهة ما.. أو.. أو..
أعود الآن وأقول: العائلة هي صورة مصغرة لمجتمع كما نعرف، أو لجزء كبير منه بتعبير أدق. الكتابة عنها أو عنه أمر واحد عندي، لذلك يجب أن تستوفي الكتابة الروائية وتستوعب الأبعاد النفسية والفكرية وغيرهما لها وله، لعلاقة أي من هذين البعدين أو الأبعاد بعضها بالبعض الآخر، المفلس لا يمكن أن يكون فرحاً إلاّ إذا كان فيلسوفاً مثلا، ولا مؤمنا بعدالة الوضع الاجتماعي الذي هو فيه إذا كانت له طموحات ويجد صعوبة في تحقيقها،، بعكسه الغني بخاصة إذا كان ضميره مخدراً، أسوق هذا المثل للبرهنة على علاقة الوضع النفسي لفرد بوضعه الفكري مثلا وبالتالي بالوضع السياسي للمجتمع عموماً. لا تقل لي رجاء هذا تنظير ماركسي، تباً لكل النظريات، أنا روائي وإنسان واقعي وبعكس هذا أكون غبياً. العائلة العراقية هي من أكثر العائلات التي تعرضت لتأثيرات السياسة سلباً وإيجاباً كما نعلم في الوطن العربي وربما في العالم كله مما يجعلها نموذجاً فريداً يستحق الإطلاع على تجربته في صورته التي عكستها النماذج الأدبية الناضجة القليلة التي كتبها أدباؤنا سواء كانوا في المنفى أو الملفى لنرى في الأقل، إضافة إلى المتعة الفنية بالطبع عند القراءة وهي الحافز الأهم في رأيي لقراءة، كيف يمكن أن يكون الإنسان إنساناً حين يقدّر له أن يكون موجوداً في هذا الطرف أو ذاك من الجحيم الذي عشناه..
لقد أصبت يا عدنان حين لاحظت أن في روايتي “الجسور الزجاجية” ثمة بناء معقداً فالقضية في الرواية هنا ليست واحدة، هي ليست وضع المرأة فقط في مجتمع متأخر، ولا العلاقة بين الجنسين بعد قيام ثورة، ولا وضع العائلة الملتبس كما تقول في ظرف ملتهب بالسياسة، هذه كلها مواضيع كبيرة طبعا، ولا صراع طبقات على مسار وقوميات وفئات اجتماعية على مسار آخر في اتجاه بلورته سلبيا للأسف والانهيارات الفكرية التي بدأت منذ حين تفجر الثورة، حتى اصبح انهيار كرة الثلج انهيار جبل برمته كما رأينا في انهيار الاتحاد السوفيتي لاحقا، لا تدهش من ربط ما حدث للثورة العراقية بما حدث لثورة أكتوبر لاحقا أقصد الانهيار، اضطرابات الهنود في المكسيك أثر في اقتصاد المكسيك سلبا وهذا أثر على الاقتصاد الأمريكي فأثر هذا على اقتصاد العالم وهذا عاد وأثر في اقتصاد كل بلد على حدة! عالمنا يعيش توازناً قلقاً يشبه توازن سطح بحيرة إذا رميت فيه حصاة انتشرت موجات على السطح كله، وهكذا هو حال أي موضوع.. حين تلقيه في جوف الإبداع الأدبي يهتز وجوده كله، فالشكل المعقد للجسور الزجاجية الذي هو مبسط كثيرا في الحقيقة إذ تجسد في صورة حدث يستوعب كل تلك الموضوعات التي ذكرتها والتي تبدو في الحياة الواقعية منفصلة بعضها عن بعض، بل ومتباعدة بعد المكسيك عن ماليزيا مثلا لكنه يربطها بخيوط الحدث المرئية وغير المرئية بعضها في بعض ويجعل منها نسيجاً واحداً، حكاية مروية بفن لا ترى منه إذا لم تتمعن فيه جيداً سوى سطحه، مثلما أنت ترى الرسم في سجادة لكنك لا ترى تشابك الخيوط في نسيجها بسهولة، مع فرق أن أية سجادة تصنع بميكانيكية تقتل الروح الإبداعية لخالقها بينما تظل الرواية عصية على الخلق حتى تنتهي من آخر كلمة فيها بعد عام أو عامين أو ثلاثة من العمل المتواصل المضني فيها ليلا ونهاراً وربما بعد أعوام كثيرة كما هو حال عملي على أغلب رواياتي..
الجسور الزجاجية قرأت جيداً في الوطن العربي، المغرب مثلا، قال لي أديب مغربي: رأينا ما أدت إليه الثورة والجمهورية في روايتك من انهيار للمجتمع العراقي فلم نعد نرغب فيهما! لكنه في رأيي استوعب بهذا نصف الدرس لأن بقيته لما تزل خافية في عمق البحيرة كتسعة أعشار كتلة الثلج العائمة في أعالي المحيط التي تحدث عنها همنغواي تنتظر ناقداً ذا عدة وبصيرة وصبر للغوص عميقا في الموضوع واكتشاف الخافي والمستور تحت سطحه..
البناء المعقد للجسور الزجاجية يعكس تعقيد صورة معقدة على مرآة، بخاصة وهي بانورامية، فهذه الرواية وكذا غيرها من أعمالي أردتها أن تكون مرآة حقا أدبية للإنسان والمجتمع العراقي، بل العربي والإسلامي والشرقي عموماً، في مراحل معينة لها دلالات عديدة مستقبلية، لذلك جاء بناؤها إشكالياً كما تقول معقدا قد يكون بتعقيد بناء بؤساء هيغو مرآة الإنسان والمجتمع الغربي في ظرف ثورة أخرى تفجرت في باريس ليست أقل دموية ولا اضطراباً من ثورة بغداد وثورة بطرسبورغ..
سيكمل كتابة ما أقوله الآن يوما ناقد وآخر مع كل احترامي وتقديري العالي لما كتبه نقاد حصيفون عن “الجسور الزجاجية ” كالناقد البارع المتمكن د. صالح هويدي والدكتور الجليل قيس ” العزاوي ” والأديب المعروف عبد الرحمن مجيد الربيعي والناقدة الرصينة فاطمة المحسن وغيرهم.. ما زلت أشعر أن ما كتب عنها لم يفتح بعد كل بواباتها أمام أعين القارئ وهذا مفهوم في عالم السرعة الذي نعيشه.. دكتور هويدي يقول عنها أنها تقف بثبات في مستوى رواية ” الرجع البعيد ” لفؤاد التكرلي التي تتناول المرحلة نفسها والأجواء عينها حسب قول الدكتور الفاضل في كتابه عن الترميز في الفن القصصي بينما نعرف نحن أن ” الجسور الزجاجية ” نشرت قبل خمسة أعوام من نشر ” الرجع البعيد ” فأية من هاتين الروايتين تقف في مستوى الأخرى؟ هذا يحتاج إلى فحص أدق في رأيي.. بل أن روايتي الأخرى ” شقة في شارع أبي نواس ” التي تتناول مرحلة وأجواء رواية الأستاذ الكبير التكرلي هذه منشورة قبل رواية التكرلي بثمانية أعوام، وكان الطاهر دكتور علي جواد الطاهر قد نقل لي منتصف السبعينات إعجاب التكرلي بها وهذا ما أشار له الأستاذ التكرلي نفسه مؤخرا في رسالة موجهة إلي بعد فوزه بجائزة العويس وقد هنأته على فوزه بها عن جدارة واستحقاق لدوره المتميز في القصة العربية منذ الخمسينيات. هنا في السويد سمعت عن خبراء ثقافة لهم سمعة دولية مديحاً كبيراً في (الجسور الزجاجية) لا أريد الإتيان عليه..

*عن الحوار المتمدن

… يتبع

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *