إعداد “حسين سرمك حسن” : المثقفون والإحتلال : ألبير كامي وجان بول سارتر أنموذجا

من المشكلات الخطيرة التي يواجهها مثقفو أيّ بلد هي مشكلة احتلال وطنهم. حصل هذا الأمر في الكثير من البلدان مثلما يعيد التاريخ نفسه ويحصل مثل هذا الأمر في العراق الآن. وعلى الرغم من أنّ مشكلة الاحتلال مرفوضة من قبل أبناء أي شعب وهي مدانة قانونياً وسياسياً إلاّ أنّ المعضلة التي تحصل بين المثقفين تعود إلى حساسيّة المثقف وقدرته على النظر إلى جوانب مختلفة من الموضوع المطروح ووفق زوايا نظر متباينة ومتضاربة من ناحية، وقدرته على تأطير وتبرير أشدّ السلوكيات انتهازية بفعل المستوى المعرفي والمهارة اللغوية والموقع الاجتماعي له من ناحية أخرى.
يهمني أن أقدم في هذا الإطار أنموذجان شهيران هما: «جان بول سارتر» «وألبير كامي»، المثقفان الفرنسيان اللذان حدّدا اتجاهات الفكر العالمي طوال الحرب الثانية ومرحلة الحرب الباردة التي تلتها. أقدمهما كحالة تطبيقية للصراع الذي ينشب بين المثقفين حول موضوعة يفترض أنّ الموقف فيها محسوم وقاطع وهي موضوعة الاحتلال الألماني لفرنسا خلال الحرب الثانية معتمداً على أحدث كتاب صدر في هذا المجال وهو «كامي وسارتر» «لرونالد أرونسون» والذي ترجمه الأستاذ «شوقي جلال».
لقد عارض «كامي» الحرب منذ البداية، ويمثل موقفه هذا لحظة هي الأكثر إثارة للاستغراب والأقل حظاً في التعليق على مدى حياته، ولذلك فقد أجهد نفسه طويلاً بسبب رفضه الحتمية الملحة لمحاربة النازية، وقد أدى ذلك إلى نشوب نزاعات وقطيعة مع الأصدقاء. لقد دعا إلى وضع نهاية للحرب عن طريق التفاوض مع «هتلر» وتصحيح أخطاء معاهدة «فرساي». وعرض الصيغة التالية لإنهاء الحرب: «لا للخضوع في مذلّة وإنما لنحاول أن نفهم، لنجرد «هتلر» من الأسباب الأساسية التي تعطيه مكانته، ولنسلم بكل ما هو عادل ونرفض كل ظلم. ولنراجع معاهدة «فرساي»، ولنحترم في الوقت نفسه بولندا وتشيكوسلوفاكيا ولنتبيّن الأمر في وضوح، وننبذ التدّرب للعداوة والبغضاء. ولندعم ونؤسس التضامن الإنساني والأوروبي». وقد عمل «كامي» جاداً للانخراط في سلك الجندية للتضامن مع إخوانه الجنود واستبد به الغضب لأنّ إصابته بمرض السلّ قبل ذلك أفقدته أهليته للخدمة.
يقول «أرونسون»: إنّ «كامي» قد اتخذ هذا الموقف في العام 1939 وهو لم يتجاوز السادسة والعشرين من العمر. وهذا يعبّر عن قوته السياسية المشهودة، إذ بدا له من الطبيعي أن يتخذ موقفاً غير مقبول شعبياً وإن أدى إلى وقوف العالم كله ضده. كان مستقلاً وشجاعاً وكان بوسعه وحده أن يكون حزباً إذا كان لزاماً عليه أن يفعل ذلك ويناهض جميع اتجاهات التاريخ مادام مؤمناً بأنه على صواب.
اعتقد «كامي» في البداية أنّ في الإمكان تأسيس حياة عادية كثمرة للتعاون مع الألمان. سافر إلى الجزائر في العام 1941 ليتعافى من مرض السلّ ثم عاد إلى فرنسا في العام 1942 لا ليحارب وإنّما ليكمل تعافيه من السلّ، واستقرّ في باريس قبل الانضمام إلى المقاومة. وفي يوليو من العام 1943 قدّم أول مداخلة له في زمن الحرب وتمثلت في أربع رسائل من «رسائل إلى صديق ألماني»، وفيها يشرح «كامي» لصديق ألماني مفترض لم يره منذ خمس سنوات لماذا وقعت هزيمة الفرنسيين، ولماذا جاهدوا ببطء ومعاناة وحملوا السلاح ضد المحتلين، ولماذا سينتصرون؟ يرى «كامي» أنّ الشعب الفرنسي آثر الابتعاد عن الحرب وهي على مقربة منه لأنه يكره الحروب جميعاً. ولذلك استغرق الأمر وقتاً لكي يقرّر الفرنسيون إذا ما كان من حقهم قتل البشر وأن يسمحوا بإضافة بؤس إلى ما يعانيه العالم من بؤس. لقد التمس سبيلاً لدعم معنويات المقاومة بأسلوب بارع غير مباشر وتحدث بلسان من له أصدقاء ألمان يكره هو وهم شنّ الحروب. وأكثر من هذا نراه يردّ سقوط فرنسا إلى ميزة فرنسا الأخلاقية: خسرنا الحرب بسبب شكوكنا إزاء جدوى القتل، الأمر الذي سيدعم قوتنا المعنوية ويهيئ لنا أيادٍ طاهرة للمعارك القادمة. ولكنّ «كامي» اعتبر كل هؤلاء الذين أبوا الانتظار وشرعوا في المقاومة منذ اليوم الأول للاحتلال وأكثرهم ممن التفوا حول «ديجول» ومن الشيوعيين، هؤلاء المقاومين جميعاً وكذلك كل من قاتلوا في ساحة القتال قبل سقوط فرنسا لم ينضجوا بعد، أو غير أنقياء تماماً بحيث انخرطوا في العنف بسهولة ومن ثمّ تلوثت أيديهم. ولم يعترف «كامي» يوماً أنه على خطأ.
أمّا بالنسبة «لسارتر»، فمع إعلان الحرب والتعبئة كان جندياً يقضي وقته في القراءة والمشاهدة والكتابة أكثر مما كانت الحال في الحياة المدنية. ثم حدث سقوط فرنسا وأصبح «سارتر» أسير حرب. وكان يطلب من  أصدقائه عدم التعاون مع الألمان . وعُرف عنه في المعسكر أنه عنيد في رفضه للتعاون. وعاد إلى باريس بعد إطلاق سراحه من المعسكر 1941 لأسباب صحية غير صحيحة. ثم عقد العزم على تشكيل فريق للمقاومة وأنشأ «الاشتراكية والحريّة» مع «بوفوار وموريس ميرلو – بونتي» جازف الفريق بالعمل على طبع وتوزيع منشورات مناهضة للألمان. ولكن نظراً إلى أنّ الاتحاد السوفيتي كان لا يزال في حالة سلم مع ألمانيا النازية فقد اتخذ الحزب الشيوعي الفرنسي موقفاً مهادناً بدرجة أو بأخرى مع الاحتلال حتى 21حزيران من العام1941. وقد حاول الفريق إقناع كتّاب مثل «أندريه جيد وأندريه مالرو… وغيرهم» للارتباط بهم لكنهم رفضوا جميعاً وكان أحد الأسباب هو أن تاريخ «سارتر» في السلبية السياسية لم يوحِ لهم بالثقة. عاد «سارتر» إلى باريس وحلّ الفريق. وبعد الفترة الوجيزة التي عاشها فريق «الاشتراكية والحرية» لم يعد ثانية يلتمس سبيلاً مباشرة لمقاومة الألمان شأن من انضموا إلى المقاومة الفرنسية السرّية. لقد أخذ الالتزام والعمل باعتبارهما إحدى قضاياه الفلسفية والأدبية الرئيسية. ولأنه ضد النازية وحكومة «فيشي» فقد دعي للانخراط ضمن فريق كتّاب المقاومة وبدأ يكتب في الصحف السرّية. كان «سارتر» في الدرجة الثالثة من سلم المقاومة. إنه يرفض الذنب والتوبة ويدعو إلى القصاص وقتل القتلة كما جسّد فكره في مسرحيته الشهيرة «الذباب».
كان «سارتر» يتكلم ليس باعتباره عضواً في المقاومة، بل باعتباره «كاتباً قاوم » فكيف له إذن أن يحاول وضع نفسه مع «كامي» باعتباره أحد كبار المتحدثين عن المقاومة وباسمها؟ المشكلة أنه – أي «سارتر» – الـذي فعـل قليلاً من أجل المقاومة حاول في مقالته «جمهورية الصمت» أن يربط من عملوا قليلاً، وهو منهم، بأولئك الذين ناهضوا بشراسة النازي وحكومة «فيشي». كان يحاول وضع نفسه في صدارة صفوف النخبة التي كانت نشطة في حركة المقاومة. ولكي ينجز هذا الهدف الماكر أشار في مقالته – وبشكل غريب – إلى أنّ أيّ واحـدٍ من الصامتين يستطيع تحت ضغوط الاستجواب أن يكشف حقيقة المناضلين. وهكذا أعاد – بدهاء – تعريف المقاومة باعتبارها «جمهورية الصمت» الواسعة النطاق. بعد ذلك وفي مقالة عنوانها: «باريس تحت الاحتلال» طرح «سارتر» وجهة نظر غريبة حيث ناقش المقاومة باعتبارها «حلاً فردياً» رمزيـاً، ولم يرَ فيها عملاً له تأثيره في الأحداث أساساً. لقد أخطأ «سارتر» في فهم المقاومة، ربّما لأنّ وعيه السياسي بالالتزام لم يكن قد تطوّر بعد على نحو ما اعترف هو نفسه بعد ذلك بثلاثين عاماً.
ننتقل هنا إلى مناقشة موضوع في غاية الحساسيّة وذي صلة بموقفي «كامي» و«سارتر» من موضوعيّ الاحتلال والحريّة وهو موقفهما من العنف والشيوعية. في نوفمبر 1951 ألقى «كامي» قنبلته عن الشيوعية. في يوليو 1952 أقسم «سارتر» بالتزام كراهيته لطبقته الاجتماعية مدى الحياة والانحياز إلى الشيوعية. وحدّد كتاب «كـامـي» «المتمرّد» هدفه السياسي بأنه تطوير معادلته السابقة التي ساوى فيها بين الشيوعية والعنف، وتضمنت مقالة «سارتر» هذه المعادلة ذاتها إلى حدّ بيان أن مثل هذا العنف مشروع وحتمي. وإذا قرأنا الاثنين اليوم – كما يقول «أرونسون» – بل وعقب الحرب الباردة، سيكون عسيراً تجنّب التشبث بهذا الاتجاه أو ذاك. من كان على صواب «كامي» أم «سارتر»؟
في كتابه «الإنسان المتمرد» وضع «كامي» «كوجيتو» جديداً مقابلاً «للكوجيتو الديكارتي» وهو «أنا أتمرد إذن أنا موجود» ورأى أنّ التمّرد التاريخي ضارب بجذوره في التمّرد الميتافيزيقي، ويفضي إلى ثورات تسعى إلى استئصال العبث عن طريق السيطرة الكاملة على العالم. ويمثل القتل أداتهم الرئيسية. ورأى «كامي» أن الشيوعية هي التعبير العصري لهذا المرض الغربي.
طبعاً نحن لا نستطيع إنكار حقيقة أنّ «كامي» كان عضواً في الحزب الشيوعي الفرنسي لمدّة عامين، ابتداءً من خريف 1935 وحتى خريف 1937، وكان عضواً عاملاً نشطاً. وإذا تأملنا إحجامه في خمسينيات القرن العشرين عن مساندة جبهة التحرير الوطني الجزائرية – وكذا استبعاد رواية «الغريب» فيما يتعلق بجريمة «مورسو» وقتله لشاب عربي دون مبرّر – يصبح لزاماً الإشارة إلى خروج «كامي» من الفرع الجزائري للحزب الشيوعي الفرنسي. إذ أنّ الحزب طرده لرفضه الالتزام بخط الحزب الذي يقضي، وفقاً للتفسير الاستعماري للجبهة الشعبية، أن يقلل من الدعم السابق للحزب الشيوعي الفرنسي للقومية العربية. ويشدّد «كامي» في كتابه «الإنسان المتمّرد» على أنّ كلاً من جاذبية الشيوعية وطابعها الشرير نبعا من مصدر واحد.
أمّا «سارتر» فيكفينا القول إنه كان مناصراً «مستقلاً» أو «رفيق طريق» للشيوعية. كتب في عام1952:
«إنّ المناهض للشيوعية كلب.. وليس في وسعي أن أرى مخرجاً غير هذا ولن أجد. وبعد عشر سنوات من التفكير والتأمل ملياً بلغت نقطة اللاعودة. وأقول بلغة الكنيسة ها هنا بدّلت عقيدتي وإيماني.. وباسم هذه المبادئ التي غرستها في نفسي، وباسم دعوتها إلى الإنسانية وتوجهاتها الإنسانية، وباسم الحريّة والمساواة، أقسم للبرجوازية بأن أحمل لها الكراهية التي لن تفارقني حتى الموت.. ها أنذا واصلت الليل بالنهار وكتبت الجزء الأول من مقال: «الشيوعيون والسلام».
لقد نذر «كامي» كل طاقاته للكتابة ضد العنف خاصة العنف الثوري، في حين نجد أنّ «سارتر» تبني تدريجياً العنف ودافع عنه خاصة العنف الثوري. كان «كامي» يتحدث – دائماً – عن معسكرات الاعتقال في الاتحاد السوفيتي، في حين كان «سارتر» إمّا أن يدافع عنها أو يتجنب الحديث عنها. ولم يرَ «كامي» في تحول «سارتر» تجاه الماركسية أي التزام بالحرية التي نادى بها الأخير طويلاً، بل تطلعا للخضوع. إنّ الوجوديـة، خاصة أن نقطة انطلاقها هي الحرية الإنسانية كانت على نقيض الفكرة الماركسية بشأن الضرورة التاريخية. وصل الأمر «بسارتر» إلى حدّ أنه دفع التعويضات المالية لمنع عرض مسرحيته «الأيدي القذرة» رغم أن أحداً لم يطلب منه ذلك والسبب هو أنّها من الممكن أن تؤول كهجوم على الشيوعية!!. ولم يحرّك «سارتر» ساكناً أمام «مؤامرة الأطباء المفتعلة ولا المحاكمات الصورية التي صفّى فيها «ستالين» رفاقه.. ولا قتل العمال المضربين في ألمانيا الشرقية.. إلخ».. والمصيبة أنه لم يصحو حتى بعد أن ألقى «خروشوف» «الخطاب السرّي» الذي فضح فيه جرائم «ستالين». الغريب أن «سارتر» لم يصحو إلاّ بعد أن غزا السوفيت المجر حيث كتب العديد من المقالات ضد هذا الغزو في الوقت الذي كان قادة الحزب الشيوعي الفرنسي يبرّرون الغزو. قال «سارتر» بصورة مدوّية: «ليس بالإمكان، ولن يكون بالإمكان أبداً إعادة تأسيس علاقات مع من يقودون الحزب الشيوعي الفرنسي الآن. إنّ كل جملة نطقوا بها، وكل إيماءات أشاروا بها هي النهاية لثلاثين عاماً من الكذب وتصلّب الشرايين». ورغم ذلك كان لا يزال يؤكد أن الاتحاد السوفيتي كان، وبوسعه أن يكون ثانية، قوة دافعة إلى الاشتراكية: «هل لابدّ للاشتراكية أن تكون هذا الوحش الدموي الذي يقطع أوصال نفسه إلى أشلاء ؟ أجيب في غير تحيّز: نعم. هكذا كانت الاشتراكية في طورها البدائي. لم يكن هناك بديل آخر، ربّما غير مدنية «أفلاطون» الفاضلة في السماء، وعلينا أن ننشدها كما هي أو نعزف عنها تماماً».
نتناول الآن معضلة جسيمة أخرى ترتبط بمواقف «كامي» و«سارتر» وتثير الدهشة بصورة أشدّ من مواقفهما تجاه موضوعة الاحتلال والحريّة ومسألة قمع الإنسان في ظلّ الشيوعية. هذه المعضلة تتعلق بسلوكيهما كتابةً وعملاً في ما يخصّ الاحتلال الفرنسي للجزائر. فخلال العام 1956 تزايد عدد رجال المقاومة في جبهة التحرير الوطنية من حوالي (6آلاف) إلى (20ألف) مقاتل، بينما زادت القوات الفرنسية في الجزائر من (180ألفاً) إلى (400ألف). بدأ الثوار يتجهون إلى مهاجمة المدنيين الفرنسيين والجزائريين المتعاملين مع قوى الاحتلال، وكان الردّ الفرنسي هو التعذيب والإرهاب والإعدامات العشوائية. كان «كامي» يرى أنه من الضروري عقد مصالحة بين أكفاء تحت العلم الفرنسي. أما «سارتر» فكان يرى أن العنف الاستعماري الفرنسي لن ينتهي إلاّ بعنف من جانب جبهة التحرير الوطنية. كان في الجزائر آنذاك مليون فرنسي لديهم مصالحهم وسبل حياتهم ودعا «كامي» إلى ضرورة تعايشهم مع الجزائريين. لقد دان الغزو السوفيتي للمجر ولكنه صمت إزاء محنة الجزائر. كان البعض يصف «كامي» بأنه «مستعمر حسن النية».. فاز «كامي» بجائـزة نوبل وفي استوكهولم وبعد تسلّم الجائزة عقد ندوة هاجمه فيها شباب جزائريون فقال: «دنت دائماً الإرهاب ويجب أن أدين أيضاً الإرهاب العشوائي في شوارع الجزائر – على سبيل المثال – الذي يمكن في يوم ما أن يضرب أمّي أو أسرتي. إنني  أؤمن بالعدالة، ولكنني سأدافع عن أمي قبل دفاعي عن العدالة». كان «سارتر» في هذه الأثناء يكتب عشرات المقالات عن تعذيب الجزائريين على أيدي جنود المظلات الفرنسييـن. في 4يناير 1960 قُتل «كامي» بعد أن دهمته سيارة أودت بحياته وكان في السادسة والأربعين من عمره وأذهل موته المبكر باريس والجزائر والكثيرين في العالم. بعد ذلك هبّ الفرنسيون في الجزائر ثانية في ثورة بدأت تعتمل نيرانها بعد أن واجه «ديغول» من تآمروا عليه بجرأة وتصميم، ولكن «سارتر» المتمّرد مع غيره من المشاهير وقعّوا بياناً يحرضون فيه جنود الجيش العاملين على ترك الخدمة وشرعت الحكومة أيضاً في اتخاذ إجراءات قانونية ضد الموقعين على النداء، وأصبحت العملية كلّها قضية ذائعة الصيت، حتى أن المتظاهرين بدءوا يصيحون:
«أطلقوا النار على «سارتر».
ولكن «ديغول» أٍسقط الاتهامات حين قال: «ليس بوسعكم أن تسجنوا «فولتير». ثم استهدفت أول قنبلة لمنظمة الجيش السرّي «سارتر» وذلك في يوليو 1961 ولكنها وضعت خطأً فوق أرضية الحجرة التي تعلو الحجرة التي يعيش فيها.. ألقيت الثانية في يناير، ودمّرت شقته، وتصادف أن «سارتر» و«بوفوار» يبيتان في شقة أحد معارفهما بينما «أم سارتر» كانت في البيت ، ولحسن الحظ أنها كانت داخل الحمام وقت انفجار القنبلة ولم تصب بأذى. يعلّق «أرونسون» على ذلك تعليقاً ماكراً بالقول: «إنّ «كامي» أعلن عن قلقه وضيقه من عنف جبهة التحرير الوطني الجزائرية ضدّ أمّه ، ولكن «أم سارتر» هي التي كانت على بعد شعرة من أن تلقى حتفها بسبب عنف منظمة الجيش السرّي». … والآن هل نستطيع وضع معايير محدّدة لموقف المثقف من موضوعات الاحتلال والعنف والحرّية حسب الشواهد السلوكية التي قدمناها عن «ألبير كامي، وجان بول سارتر» ؟ لقد رفض «كامي» – في بداية الاحتلال الألماني لبلاده – العمل المسلّح ودعا إلى التفاهم مع «هتلر» لتجريده من ذرائعه.. ثم تحوّل إلى العمل المقاوم الأصيل.. ووقف ضد مصادرة حريّة الإنسان في ظلّ الشيوعية لكنه – ويا للعجب – لم يقف موقف المساند الحازم لموقف الشعب العربي الجزائري في مقاومة الاستعمار الفرنسي والتخلّص منها!!.. أمّا «سارتر» فإنّه قد لعب دور «كاتب مقاوم» وحاول بعد التحرير تسفيه جهود أبطال المقاومة وعمل على تجيير هذا النضال لصالحه بمكر ونفاق.. ثم اندفع في مساندة الشيوعية وعنفها حتى أنّه اعتبر كل من يقاوم الشيوعية «كلباً»!!.. ولكنه تحمّل التضحيات والمخاطر المميتة من أجل مساندة شعب الجزائر للتخلص من الاستعمار الفرنسي – فكيف نحسم هذه المتناقضات؟ وهل من المطلوب من الجهات المرجعية السياسية الصبر مع المثقفين في أيّ موقف يتخذونه لأنهم سرعان ما سيتخذون نقيضه؟ وأخيراً وهذا هو الأهم – هل يمنحنا هذا الغليان في السلوكيات تجاه مشكلة محسومة ، العبرة والدروس في التعامل مع ما يماثلها في مناطق أخرى ؟
ألا تستحق هذه القضية أن نطرحها للمناقشة؟

تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

| فازع دراوشة : “واستقبل الكاتبُ مندوبٌ” .

قد يكون هذا العنوان من أغرب  العناوين التي اخترتها لكتابة من كتاباتي. الجمعة، الأول من …

| عبدالكريم ابراهيم : الألعاب الشعبية تودع ذاكرة الأطفال .

تعزز الألعاب الجماعية مفهوم الوحدة والتماسك، وتزرع روح التعاون بين الأطفال فضلا على تنشيط الجهاز …

2 تعليقان

  1. علي عبد العال

    د. حسين سرمك المحترم

    ألف تحية وتقدير
    ، بأعتقادي وحسب تجارب الشعوب السابقة والمعاصر ة لا يوجد شعب من الشعوب يقبل باحتلال أرضه، من أقصى القرى النائية في أفريقيا حتى شمال القارة الأوروبية. تبقى المعضلة الرئيسية بالقدرة الفكرية والأستعداد النفسي للتعامل مع المحتل وفق الأمتيازات الخاصة والشخصية أي المنفعية البحتكما يحصل في عراق اليوم. عدا عن ذلك يبقى التنظير والتفكير كله عبارة عن دجل ولغة غريبة عن طبيعة الإنسان في جميع الأوطان. ربما أرّحب شخصيا بزيارة ألف وفد علمي وتكلوجي للعراق لكنني لا أقبل وجود جندي أجنبي واحد يعتمر خوذة عسكرية عليها علم بلده. الخوذة العراقية هي وحدها من توجد على أرض الوطن. المثقفون يلعبون دورا كبيرا في هذا المأزق البشري والوطني، ولأنهم يمتلوكون هذا الموقع المميز فهم يتعرضون للضغوط والرشوة ومن يقبل الرشوة منهم يتعرض لإبتزاز والترغيب والترهيب ومنح الجوائز العالميةز البير كامو نال جائزة نوبل ونالها أيضا جان بول سارتر وكلاهما نالها لأسباب سياسية وليست أدبية.
    المثقفون العراقيون أكثر وعيا من البير كامو وسارتر بالنفاق السياسي والفكري والأدبي وكلهلم يستحقون الجوائز العالمية وجائزة نوبل بالذات، لكنهم بارعون بالنفاق فقط وليس في الأدب.

  2. جابر خليفة جابر

    اراه من اهم مواضيع الحاضر العربي عموما والعراقي فيما يخصنا/ لنرى اولا ما هو الاحتلال؟ الاحتلال ثلاث مستويات اذكرها من الاقل خطورة الى اخطرها/ الاحتلال العسكري وهو ايسر مستويات الاحتلال وعادة ما تهب الشعوب لا المثقفين لمقاومته/ بل المثقف الان في وادي والشعب في واد اخر/ وقد تثور ثائرتنا لامر ما تافه وعادي وشخصي لكن حين تمر على البلاد ازمات نغيب او نستظل بثوب الحاكم وربما بملابسه الداخلية/ اشعر بالقرف من مواقفنا على كل حال/لم اسمع صراحة من اي مثقف معروف وعضو في المؤسسات الثقافية وقوفه الصريح ضد الاحتلال الامريكي الغربي لبلادنا/ ويؤسفني ان المثقفين العرب لم يعرفوا الشعب العراقي الى الان على حقيقته / عموما هذا الاحتلال قد يولي قريبا من العراق لكنه في اغلب بلاد العرب باق على شكل قواعد واساطيل لذلك كطنت اتمنى لو ان اتحاد ادباء العراق بدلا عن فرحهم برفع التعليق عن عضويته ان يشترط خروج الاساطيل واغلاق القواعد قبل ان يوافق على العودة/ المهم ان نسافر عن اي اساطيل اتحدث!/ المستوى الثاني هو الاحتلال الاقتصادي وهذا اخطر من العسكري لانه يرهن الارادة السياسية حتى وان كانت نظيفة ووطنية للاخر المتفوق اقتصاديا والمتحكم بنا وما التعويضات وديون نظام الطاغية الا حلقات قوية من سلاسل تكبل العراق الان واضيف اليها السياسة الاقتصادية الحالية وما ستكبل البلاد به/ اتحدث عن العراق اما حال العرب قاسوا بكثير / ودعك عن بطولات فارغة ورحم الله مظفر النواب وبه اكتفي /اما الاحتلال الاخطر فهو الاحتلال الثقافي وهذا ما تدور الان على ارضه معارك سرية طاحنة / المؤسف ان كثيرا من الادباء والفنانين والمثقفين عموما يخوضونه ضد بلادهم مع عدم العلم بذلك عند اغلبهم وهم الشرفاء/ لكن الشرف وحده لايكفي نحتاج الى الوعي الوعي الحاد ونحتاج الى الاخلاق!/ لم يقل هنري كيسنجر كما قال النازي غوبلز/ اذا سمعت بكلمة مثقف اتحسس مسدسي / لاوانما قال / اذا سمعت بكلمة مثقف اتحسس دفتر الصكوك/ لكن الثقة بشعب العراق العظيم قولا وفعلا كبيرة وسيبقى العراقي عراقيا لا مؤمركا ولا مؤربامهما طالت التعويضات والسرقات وغلظت القيود// شكرا اخي العراقي الاصيل الدكتور حسين سرمك/ ولكن وسط هذا الضجيج هل يسمعون واذا سمعوا هل يفهمون واذا فهموا هل يقدرون على الفعل العراقي الجميل والشجاع/ اشكبكلمة مثقف ان ترتقي لاداء شعب العراق.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.