الرئيسية » ملفات » سيف الدين كاطع : رسـم المفــارقة في ” إزدهارات المفعول به ” للشاعر سلمان داود محمد (ملف/48)

سيف الدين كاطع : رسـم المفــارقة في ” إزدهارات المفعول به ” للشاعر سلمان داود محمد (ملف/48)

إشارة :
سلمان داود محمّد – وببساطة شديدة جدا ولكن معقّدة – هو “عاهة إبليس” في المشهد الشعري الراهن ؛ العراقي – وحتى العربي لو هيّأ له الأخوة النقّاد “الأعدقاء” فرص الانتشار. وكمحاولة في إشاعة فهم بصمة روحه الشعرية المُميزة الفذّة التي طبعها على خارطة الشعر ، ارتأت أسرة موقع الناقد العراقي الاحتفاء به عبر هذا الملف الذي تدعو الأحبة الكتاب والقرّاء إلى إغنائه بالدراسات والمقالات والصور والوثائق.. تحية لسلمان داود محمد.

رسـم المفــارقة
في ” إزدهارات المفعول به ” للشاعر سلمان داود محمد

سيف الدين كاطع

عادة ماتتسلح الذاكرة الشعرية بأبعاد التمعن الفائق كي تسبر غور بواطن المسافات التي تمتد باتجاهات افقية، محققة التعالي العميق، لكلمات تستعير من كاتبها انجذابه بين الشعر والزمن المتماهي مع الحلم،تلك الكلمات التي تبدو للوهلة الأولى نابعة من تطور العلاقة الكلية بين رؤى الشعر وطابع الوجود الإنساني المنفتح على واقع الفاجعة الدائمة.
وبحسبي هذه واحدة من أوجه العلاقات الرئيسة المتبادلة بين شعرية المعنى وحركية المبنى اللغوي الذي تتشكل في اطاره طبيعة المفارقة والثنائية المستقرة في كل حين، اذ تعود لتنبني على وفق الصورة التي يدركها الشاعر، وكذلك تلك التي يحددها الزمن بتداول متداخل تنظمه مسيرة الشعر واتساع آفاقه، غير أن الشعر وحده لايمكنه التوهج وتتبع الأثر، لاسيما اذا كان ممثلاً بنص يسعى أصلاً لبناء قصدية تحدد المعنى الذي يكون رؤية الشعر والنص معاً، عبر ممارسة لغوية تحاول أن تدرك الإزدراء لهذا الزمن-الواقع- وانعطافاته المرسومة بتوتر شديد يكاد أن يكون فيها النص الشعري جامعاً غريباً لأشد أشكال الحادثة الإنسانية وخصالها المنبعثة من لغة يراد لها أن تطاوع المأساة وتندغم في تياراتها وصورها غير المتحققة سواء عن طريق بث المفارقة والحادثة والتكوين ومراقبة جريانهما المدهش في تاريخ الوجود الإنساني – مقدمات ونتائج وأبعاد – عبر شريط الزمن المتوالي الخالي من تثبيت رقعة الحلم، النافر أصلاً من تحقيق المعادلة الموجودة في الرؤوس حصراً.
بهذه التوطئة المستوحاة من أفق تجربة الكتابة الشعرية، لابد أن ننظر للنص وهو يستعيد صورته التي تتداخل بحميمية مع الوجود الإنساني وهذا ما يمكن تلمسه في نصوص سلمان داود محمد المحتشدة في ظل عنوان (ازدهارات المفعول به)، ومن هذا الإعلان الذي يشكل في تراتبيته أسس المفارقة اللغوية، منحنياً على القيم المستخلصة من غمار الحدث الإنساني المدهش، يكشف لنا الشاعر طبيعة دوران نصوصه، محاولاً رسم ايماءات وايحاءات ووقائع من شأنها أن تشكل الإنتباهات المتكررة والمؤشرات التي تدعم أهمية هذا الرصد وعلى النحو الذي يجعلنا نهتف بدواخلنا للعلامات والإشارات التي تربض على جسد النص، والذي يحسسنا بأشياء وأمكنة وأهواء نبعت وانتعشت وغاصت هي الأخرى في امثولة النسيان والتناسي وبقيت ماثلة في سكينة واقع مهمش، فيما حمل بعضها الآخر راهنيته المتواترة دائماً، الى جانب ذلك تأتي النصوص بحد ذاتها لتصدمنا بواقع صور مختارة، قد عشناها أوقاتاً معينة، يمكنها أن تخلق فينا نفساً متعادلاً لعوالم مبهرة، تتفوق على وجودنا المحسوس، ولنا أن نتسابق مع واقعنا المتخيل والمفترض لغوياً وكذلك حقيقة وجودنا.
– حالات وخيارات – اي بمثابة الحادثة الإنسانية التي لها سمات الصراع والإحتدام الوجودي والسايكولوجي والحياتي، وفي هذا يمكننا تقدير معاني الإقتراح اللذيذ المنبعث من السطر الشعري الذي يشكل بناء النص جوهرياً الى ضرورة النظر في دفع اللحظة المتشكلة من خلال مفاهيم المساءلة والمراجعة والتذكر والتشكك والإختلاف المعنوي والدلالي :..
( سأرى حتماً: بقايا قنبلة تتظاهر بمزهرية
وصايا تمارس الظلمات للفوز بمروحة
وذكوراً يمرغون الأحلام بهواء أحمر
لحفظ الذكريات من التلف، هنالك البومات في ثلاجة
ثم أميرات بلا واقيات
على صلة بسماوات فرت من الخدمة العسكرية
فما أن تكف الكهرباء من الثرثرة
حتى تتوهج احداههن بإسهاب :
– سأحوّر (سوق الصدرية) الى برلين
وأشاغل أيامي بهناء معقوف) ..
اذن، ثمة مأزق يتبناه النص، يظل يدور في فلك الحيرة الإستجوابية عن قصد وازدراء، وفي هذا التصور ينبثق بدرجة أولية معنى التيه الملموس، اذ ليس بمقدور الشاعر الإبتعاد عن عناصر انشداده نحو الحادثة الكلية – حادثة الحلم الآفل – وهو يشهد انسحاقه الزمني عبر مستويات اللحظة المرئية وغيرها من تقديرات التصنيف المعرفي الإستقرائي للواقعة وأبعادها وتأثيراتها في كينونة الحياة برمتها وشيء من خيط لذات الشاعر وتمزقه وانفلاته في الزمان والمكان الخالدين في ذاكرته المبطنة بعوامله المعاشة :
( وفقاً لركاكة النصوص فازت الخوذة بالأبدية
وعاد المنصوص عليه الى وحشته نادماً
ينتحر المياه أمام رهبة اللا أحد
ويكسر أنف العدو بعفونته الباسلة
يوم ذاك – تعثرت الصواريخ بحقائب مدرسية
والعقارات كما ترى عالجت الأمر برخام وجلنار ،
البدر هو الآخر نفدت بطاريته في تجفيف غسيل مدمّى ) …
كذلك تمنحنا بعض النصوص دخولاً بصرياً هادئاً، هذا الدخول تكتنفه أحياناً فجوات ربما يستأثر بها الشاعر، ليرصدها وهي تتصاعد وتنتشر، ورغم هذا المزيج المتداخل بالحيوات، فان نصاً ما يكاد من نصوص سلمان داود محمد أن يحاول طرد حماسته خارج المعنى، وربما لكي يتجذر على نحو جديد ويتنامى كالموت والمصالح وأقيام الإتصالات وبرامج العيش الرغيد :..
( صرت الرحيم بلا استشارة من جيوبي
والكريم على نحو.. تلاحقني الضرائب
ها انت ذا- شريكي زوراً في ارتكاب (العراق)
أي.. حصتي قملة في صلعة الشريف
وارثك في الصفقة
مافقدناه في معدة البندقية .. ) ..
يمكنني في هذا التتابع أن أرى سلمان داود محمد، بمقدوره الوصول الى حيز المحايثة المنفعلة بصور ونتائج الواقعة الحياتية الممتدة باضطراد على ملمس الذاكرة الحية المشتبكة بنمطية العوامل التي أسهمت بتكوين ملامح معادلة الدخول والخروج والضنك والتحسس والتهميش والتآكل والتماس مع مايفرزه عنق الظاهرة الإجتماعية الداكنة والممارسة الذاتية غير المستوية، كذلك استطاعت بعض النصوص الوثوب في صحيح المركز الذي يشكل نبض الواقعة والإتيان بصور نشر الغسيل المدوي في أطر المزاج العام والممارسة الكلية والزاوية المرتبكة في الحياة، وجميع تلك المفردات الثرية بالتناقض والمفارقة، تتوضح من خلال انزياحات أسلوبية اعتمدها الشاعر، مبتعداً عن التنميط، متوخياً المناورة المقصودة بغية ايجاد المفردة المعبرة ودفعها الى مناحي المدرك الذي يشير الى معالم الأزمة واشكاليتها المترامية الأطراف.
إن نصوص المجموعة تؤشر كذلك، لغاية توضيحية هي محاولة مسك حجم الإنكسارات وهي تتشكل في ثنايا حياتنا، سواء أكنا قرب الواقعة أو بعيدين عنها قليلاً، الأمر الذي يمنحنا احساساً ما بحقيقة واقع أغطيتنا وتجعلنا بمواجهة صقيع وجعنا وفجيعتنا وسيرنا المتوقف، وسط لهاث صادم وبنبرة تحاول تقديم عرض لحياة تزدري خطواتنا فيها بدهشة.. كما يمكننا تحسس هذه النصوص عن قرب، لأن لها نكهة وطابعاً خاصاً، فهي النصوص التي تحرر نفسها من محاولات الصعود على الواقع ومن التسربل باتجاه الحلم وبناء المخيلة وكذلك تعطينا صورة بهية وجريئة عن الدخول بجميع أعبائها في مربع العمل المحترف في مسيرة الشعر العراقي المعاصر..ولكل هذا، تظل (ازدهارات المفعول) تحتفظ بذات التخوم التي تجعل من كاتبها يتقيأ حزنه على الملأ، عبر صعيد شعري يحظى بقراءة خاصة تستلزم الإحترام الأكيد للجهد النبيل للشاعر القابع في أتون المغامرة الشعرية المتلاحقة والمنضوي تحت ظل كينونة الصدق والإحساس بنسغه المتصاعد في الشعر والحياة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *