الرئيسية » ملفات » نجاح الجبيلي : ثلاث قصص قصيرة جدًا (ملف/27)

نجاح الجبيلي : ثلاث قصص قصيرة جدًا (ملف/27)

إشارة:
جماعة “البصرة أواخر القرن العشرين” جماعة فريدة ليس في تاريخ السرد العراقي فحسب بل في تاريخ الأدب العراقي عموما. فهي لم تكن “الجماعة القصصية” الأولى في تاريخ العراق فقط بل كانت مشروعاً تثويرياً في النظرة إلى دور السرد خصوصا في واحدة من أخطر المراحل التي عاشها العراق بانعكاساتها الهائلة على رؤية الأديب ورؤاه. اقتنصت هذه الجماعة الإمكانية العظيمة لفعل الكلمة المقاوم حبن ترتدي أثواب الفن الباهرة فيمكنها أن تكون ماسة تلمع وتقطع في الوقت نفسه. وإذ تنشر أسرة موقع الناقد العراقي تراث هذه الجماعة وما كُتب عنها فلأنها “ظاهرة” تستحق الدراسة لاستنباط دروسها. تحية لجماعة البصرة أواخر القرن العشرين. ويهم أسرة الموقع أن تتوجّه بفائق الشكر والامتنان إلى الأديب الأستاذ “محمد عبد حسن” مؤرّخ هذه المجموعة وواحد من المساهمين المهمين فيها لأنّه زوّد الموقع بأغلب نصوص هذا الملف.

ثلاث قصص قصيرة جدًا
نجاح الجبيلي

1- الغورنيكا تحترق:
(1)
أنفاس موسيقى “القدر” الصاخبة تتموج في أعطاف المشغل وتدبّ في سمع “بيكاسو” تتناغم مع ضربات الريشة بيده المعروقة وهي تضع لمسات نهائية على لوحة “غورنيكا”..
عندما تمور الألحان سريعة نحو حركتها الأخيرة يمرر “بيكاسو” ريشته بنبضات متتالية تذوي مع سكون الموسيقى يخطو إلى الوراء بضع خطوات ويمعن النظر في فضاء اللوحة الواسع المغمور بحشد الأشكال والأشلاء والأوصال الممزقة وقد عاث بها الموت.
(2)
يصر الباب ويلج ضابط شاب يؤدي التحية إلى الجنرال وينطق بصوت أجشّ”
– سيدي لقد أكمل “بيكاسو” بناء “غورنيكا”.
يمتقع وجه الجنرال فيصدح صوته:
– لتتوجه الطائرات حالًا وتدمرها..
(3)
مشغل “بيكاسو” متهالك تغشيه غلالة كثيفة من الدخان الأسود، ومن خلل كومة الحجر المنسحق والخشب المتفحّم تبرز كسرة صغيرة من اللوحة يطلّ منها ذلك الوجه الذي يعصره الألم فاغرًا فمه بصرخة فزعة معذبة بينما الذراعان تمتدان للأعلى وتخبطان في الفراغ الرمادي..

2- مسخ الدم:
تمت المأساة دوى الصمت نزل الجزارون الثلاثة من معاقلهم أشرفوا على منظر الدم المسفوك صرخ فيهم هاجس لشرب تلك الدماء تآلفوا على جمعها في قنان لارتشافها في الغد..
أحدهم جمع دم الولي قبل أن يسف عليه ويجففه هجير الغاضرية..
الآخر جمع دم الحلاج المستقطر من جسده المنكأ بالجراحات..
الثالث جمع دم لوركا الشاحب قرب “عين الدمع” من جبينه الموسوم.
أركن كلّ واحد منهم قنينته على منضدة آووا إلى مضاجعهم ناموا قريري العيون.
في الصباح هبّوا من نومتهم ألفوا الدم معجونًا بالثرى وقد نبتت في كل قنينة زهرة لوتس..

3- شهية:
تهدر الحافلة.. ترتج وتتقيّأ الراكبين يعبون أول نسمة محلّقة في سماء المدينة ثم يتفرقون في اتجاهات متصالبة احدهم بملابس رثّة ذات لون حائل يحمل كيسًا يكاد ينسلّ من تحت إبطه.. قدماه تطآن الرصيف بنعل مرقّع يلج سوق الفاكهة والخضار حدقتاه تدوران على السلال المنتصبة.. الألوان تبهر.. الروائح تعبق.. يضج نبيذ الشهوة في معصرة الروح ثم ينكص عندما تتسمر عيناه على القطع السود الصغيرة التي تركن في السلال.
يغادر السوق ويعرج على شارع فرعي ينزوي في نهايته مرفق صحيّ عام أبوابه الخشب كأشداق متوثّبة، يقذف بنفسه ويصفق درفة الباب بشدة يستلّ قلمًا صغيرًا ويخطّ على الخشب كلمات راحت تتعفن وتهمي على هامات نخرة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *