كريم الثوري: مصلى في مقر الحزب الشيوعي العراقي .. وطن حرٌ وشعبٌ سعيد .. بإسم الأب والإبن والروح القدس

(همنا في براري القومية والماركسية، نغترف منها ولكننا حين عدنا الى بيوت امهاتنا رحنا نردد نشيد الاصولية الخالد – احمد عبد الحسين). 
-1
كاني ماسي ، *مدينة العشق والجمال ‘ يطلُ الضياء من اعناق جبالها فيُذيب تخومها البيضاء مجبولاً بعـبقِ المطمورات‘ تتورد وجناتها من البرد ومبخرات المدافىء  فيتصا عد حفيف دخانها الأبيض، يكررهُ الارتطام المتبادل فيُحيله باحجار البيوت  الثقيلة الى بيوض نباتات ترتوي بمشيئة الطقس المُتقلب ومن جذوع الأشجار روحٌ  يترنح مزهوا بِإتجاه الذوبان، فيتسربل المكان بقسوته لزوجة ممزوجة بخوف الغرباء الذين جاءوا  لتدجين التمرد العصي على الممحاة ، كتخشبنا ذلك اليوم المشهود الذي اُخبرنّا فيه بربط الأحزمة للإقلاع تتعرج بنا عجلات الزيل الترابية لجهةٍ نجهل مصدرها بِناءاً على الأوامر العسكرية ، كان الوقت ثلجياً ، التحفنا باسمائنا ونحن نترنح داخل باكورة العجلات تسير ساعة وتتوقف أُخرى في دوامات سبات ازلي تتنامل كخيط نمل مُنقاد بغريزة البقاء، تلفنا حيرة المصير المشكوك ولاؤه ، كنت وإياه نستجمع حكاياتنا واغانينا المهزوزة (بكاروك) عقولنا الخاوي لنخلق توازنها النوعي بين حرية المؤمل ومعتقل التوضيف ، باسئلة اللجوج أين المفر؟
لم نكن نعلم المحطة اللاحقة ، فالسؤال ممنوع في حضرة العدم – نفـّذ ثم ناقش – تعويذة  اليوم الاول لدخولنا حبل غسيل الاموات ، أدمغتنا، يوم لقـّنونا سمفونية القدر، فرحنا نردد كالببغاوات إلغاء الأنا حصريا وإدغامها في العقل الجمعي لرئيس حضيرة الغاب ، يؤمنا رئيس العرفاء هاتفاً بارتعاش شواربه الكثّة مرددين خلفه بصوت اجش غير راغب – كلنا قشامر واولهم اني – نُساق كالاغنام يهشنا بعصاه الغليظة  كتلك الليلة الحمراء لحلبة النزال،  في ساحة العرضات حيث اقًلتنًا سيارات مخصصة لذات الغرض  لمعاينة قلَ من يتحملها  حيث القتل الجماعي لاشخاص فروا من خدمة العلم، تساقطوا فرادى ، لفوا بعدها باسمال وكُتب على نعوشِهم  بالاحمر القاني (خوَنَة  الوطن ) تلك منايانا المُرتقبة ، منذها تيقنت ثمة فرصة واحدة للنجاة ،وما بين الموت والموت المُباغت رعشة قلب واطلق عنانك للريح تاخذك ابعد مما خَزَنته ُايامك الحبلى بالاناشيد الكسيحة…
 
2
هدأت عجلات – الزيل  بإمرة الواز – روسية  الصنع، ثم تناثرت الاصوات الناشزة تعلن نهاية المشوار ليس الأخير، ترجلت وبطرس حنا ، نتوجس محطتنا بِِلامبالاة المترنحين فكان الضباب والجبال والثلج ما جعل إبن الشمس ينكمش، فيما عادت الروح لصديقي  المعجون برقاق خبز القوش * تفرد اجنحتها للتحليق بعيدا، فوجهتهُ الثلج وعيناه انسياب الينابيع الخضراء  تتعرج لتسقي الحرث والنسل ، طأطأت مقودي خجلا من البصرة، ماذا اقول لطلع النخيل وبويب السياب ،ورفع هامته ورفاة اجداده ِعلى مسافة أمتار…
 هتف بي وقد شق حنجرته نشيج جرح أوتاري الصوتية مُلوحا بإطرافه الأربع: إنها كاني ماسي رفيقي العزيز……؟
مسكني من معصمي فتبعته متبوعاً بفرحته ليُبدد  وحشتي والمكان… وكما يفعل سائق البغل العارف كنت انقاد خلفه، ومن لي سواه رفيق الدرب والظنك والتسكع، قادني وهو يتعرج بي حتى وصلنا لمنعطف حاد وألف سؤال برأسي: ترانا داخل الثكنة العسكرية او خارجها ، في جوقة الجيش او  قبالة عيون تترقب الظلام لتأخذ فرصتها لمقاتلتنا !؟، إستسهلني الفرح الغامر في عينيه الوضاحتين وقد اشرقت بعد ذبول دام طويلا، دخلنا بيتا كيفما اتفق، تكلم مع اهله بالسريانية بضع كلمات فانفرجت الوجنات ضحكاتها مجلجلة، فيما كان اخدود لم يبارح كاهلي المتعب مرده حبل التصحر جعلني ادمدم بضع كلمات خجولة وانا ارتدي زي القتال لمحاربتهم ! بعد دقائق أُعُدّت لنا مائدة قوامها خمر مُعتق وخبز  – رقاق – * وجبن معجون بالثوم معتق يبعث الدفىء والقوة ،وزيتون اخضر، شربنا حتى ارتوينا لنطرد شبح العقيد الركن محيميّد إبن تكريت قبيح العوجة ، ذلك الرعوي بفمه الاعوج وأوامره المُحَملة بنفس السلطة من اوطأ بقعة واقذرها في خارطة العراق المزيج ، حملنا حالنا نترنح ونغني ملىء اصواتنا لامجاد الوطن حتى نسينا غطاء الراس المعصوم – البيرية العسكرية – في موقع النشوة وكأننا قايضنا شرف العسكرية بقارورة عرَق مخصوص للثوريين (العصاة). حين يتقاطرون ليلا للتزود والهجوم على مقرات الجيش العراقي فكيف يكون – الزارع المزروع مصلوبا على نخلة رجال امنٍ يقتلون البرتقال، نحن البنادق المثقبة الثقوب – رددت هاتين البيتين وهذا كل ما اتذكره منذ 30 سنة….
 
3
دارت بنا الأحوال والامصار، انا في المعتقل بعدما قررت الفرار ابعد مما تتحملة راحلتيّ فامسكوني متلبسا بالجُرم المشهود ، فاودعت لإجل ٍ غير معلوم وهو متخفٍ يُدير خليته الحزبية بزوايا اكبر مكتبة في شارع المتنبي، يتجول بهويات مزورة  ، يوم فرقتنا الأيام ما فارقني خياله يوما وما بارحت مخيلته المليئة بالذكريات والصور، يوم إنهالت السياط على عظام جلد ناعم  ليستخرجهم واحدا تلو الآخر وما فعلها، فَحُكِم بالمؤبد فرحا، فيمَ كان بطرس يتحرى عنه في حانات ابي نوآس ووجوه ألفتها طرقات تسكعنا على الأرصفة وفي الأزقة حيث يعشعش الهاربون ببطاقاتهم المزورة وفي الفنادق التي لا تطلب الهويات بعد الثانية عشر ليلا، والبطانيات التي تشبه رغيف الخبز الجاف والقمل يتقافز منها مبهورا بدمائنا الرخيصة…
عرفت عن طريق الصدفة إنه في (مارلبورن) ومن خلال كتاباته وهو الحصيف شممت رائحة ايامنا وتشرذمنا فتابعت سكناته حتى وصلت اليه فخطفت ترحالي صوب صومعته :
 يأأأأأأأأأه كم كبرت ياصاحبي حتى شبهته بِاحدب نوتردام ممازحا ، فاسمعني نغمات صوته و ما تغيرت، فعرفت إن الوطن والصحبة بخير، فتبادلنا الذكريات والاماسي، الزيارات ، الاميلات والمراسلات وما صدمني حين صفعني على وجهي وأنا ارى خارطة العراق اعلى أميله وفوقها ::  (شارة الصليب)…
نعم شارة الصليــــــــــــب…
راجعت نفسي برويـّة، فوجدت من تدرجت معي صحبتهم يلقبونني بالشيخ الأحمر حتى كدت ارتطم معهم متنكرا بطاقية  لينين التي باعوها في السوق السوداء بابخس الاثمان…..
كان عليّ مراجعة نفسي قبل صاحبي إن كان ما يستحق اللّوم فكل شيء يتحرك بفرضية الزمان والمكان والمعطيات الجديدة التي خابت معها مصداتنا الحركية عند اول منازلة بعيدا في السبعينيات وقبل أن أُباغته وامسح بيديّ العارفتين تَصبب العَرق من محياه  خجلا منه او مني بادرته القول : أنت كما أنت  مازلت صديقي ورفيق دربي وما التلوينات إلا محطات في شيخوخة العمر ووهن الأعضاء فعرفت من حيث وجَد إن الشباب وكذلك جذوته لا تدوم مشتعلة  أمد الدهر، والأرصفة التي كانت تحملنا اليها اقدامنا كَستهّا المباني من حيث لم يبق مسافة شبر لمتسكع هاربٍ من اللوثيان وحصار رجال الأمن…
ياصاحبي كل شيء يتغير وما نحن سوى محطات خطت اجندتها وتفاعلت معها يوم كان نشاطها عنفوان الأشياء وقد شاخت وشخنا وعلينا ان نجد ملآذات جديدة ،إن كان في العمر متسع من الحلم والتفسير..
إنفرجت اوداج صاحبي وهو يحمل صليبه فوق خارطة الوطن، فيما كانت مئذنتي تحوم حول خارطة الوطن تجد فرصتها لتحط الرحال لتعلن صرختها المُغيبة.
ما جمعنا لن يفرقنا، فهو يحمل صليبه بشارة الوطن وأنا احمل هلالي اطوف به او يطوف بي ولكن الثابت لم يتزحزح فينا، عراق ديمقراطي تعددي، وما التلوينات الدينية والعرقية  إلا صيرورة الاشياء لما آلت اليه، وهكذا توحد التراث مع المعاصرة، فعرفنا كم كانت الشعارات قاصرة يوما حين ساقتنا بعيدا وخدرتنا ولم نتَحرَ  (شبابنا قبل شيخوختنا)  والقدر حماّل اوجه….
ملاحظة :
إنعطف توجه صديقي المُشار اليه  في الحكاية إلى إحدى التشكيلات المسيحية ضمن الأنساق الجديدة لعراق ما بعد التحرير…..
الحكاية لم تنتهي قريبا….
***
 
*كاني ماسي، هي إحدى مدن محافظة دهوك في إقليم كردستان العراق. يصلها طريقان: الأول قادم من زاخو مرورا بسهل سندي وبيكوفا، والثاني قادم من بامرني إلى كاني بلافي وبريفكا
**القوش : بلدة تأريخية عريقة تقع في الجزء الشمالي الشرقي لنينوى وتبعد 50 كم عنها ومعناها (إيل – سفح جبل اسمه مأخوذ من اسم البلدة) استمدت القوش عراقيتها من سين اله القمر مركز عبادة قوش والمعنى الأله القوي …

تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

| مهند النابلسي : كيف تصبح كاتبا عظيما من وجهة نظر”ستيفن كينغ” …اضافة لوجهة نظري؟! .

  ابق متزوجا وانعم بصحة وعش حياة جيدة، امتلك الشجاعة للتخلي عن الأجزاء والجمل المملة، …

| بكر أبوبكر : النازية والصهيونية، ومحمود عباس .

ولد الزعيم النازي أدولف هتلر في 20 نيسان 1889 في مدينة براوناو النمساوية على نهر …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.