الرئيسية » نقد » ادب » خلدون الموسوي : شعر قصي الشيخ عسكر (دراسة موضوعية وفنية) (6)

خلدون الموسوي : شعر قصي الشيخ عسكر (دراسة موضوعية وفنية) (6)

د- الأساليب اللغوية :
برزت أساليب لغوية متعددة في شعره ، أبرزها هي : ( الاستفهام ، النداء، النفي ، النهي ) ، وتظهر هذه الأساليب في بدء القصائد أحياناً ، أو في متنها ، ولعل اسلوب الاستفهام أبرز الأساليب وروداً في قصائد الشاعر، فقد وجدنا هذا الاسلوب متكرراً في قصائده كثيراً ، فهذا إن دل على شيء فأنه يدل على حيرة وتساؤلات تملكت نفس الشاعر تجاه الحياة ، وتجاه مامر به على مر الأيام من كل أنواع الهموم .
وبسبب طول انتظار الشاعر وعدم تحقيق مايرنو اليه من تحقيق بعض الأماني وسأمه من طول ذلك الانتظار ، وكأنه يسأل هل من مغيث ؟ ونتيجة للسأم الذي لازم حياته فقد جاء الشاعر يستفهم ( بمتى ) التي تدل على الزمان وهي هنا عند الشاعر خرجت للاستبطاء فيقول :
متى ينجاب لي الأفق
وأرضٌ مالها طرق ؟
متى أصحو لألقاني
يحطُّ على يدي الشفق ؟
فأبصر خضر أحلامي
بجمر الليل تحترق
وأسقط خلف آثامي
كما يغتالني الأرق( )
ويقول في قصيدة أخرى مستخدماً ( متى) للزمان :
هذي الريح تعاويذ الغربة والآلام
فمتى تنزع عن سيف الموت قراب
الأشجار ؟ ( )
فالشاعر هنا يتمنى أن تنتهي غربته ويتخلص من آلامهِ فإلى متى يبقى يصارع الهم والألم .
أما في هذه الأبيات فقد جاء كلام الشاعر وهو يستفهم عن الحال بأداة الاستفهام (كيف) حين يقول :
كيف سألقيك بصمتي ؟
وأجنبك الريح وظلي
وأعودُ إليك وحيداً وغريباً ؟ ( )
فالشاعر يصف لنا حالة الوحدة والإحساس بالغربة وما ينتج عنهما وانعكاسهما على حياته ونفسيتهِ.
أما أداة الاستفهام ( من) – فالشاعر قد استخدمها كثيراً في قصائدهِ وجاءت في كل نص تدل على العاقل حين يقول :
من يخلعني من هذي السعة الضيقة ؟
من يقطع عن نظري تلك الآفاق
القلقة ؟ ( )
ويقول :
من حاول أن يمضي بيني والاسطورة ؟
من حاول أن يفتك بالكون المصلوب على أسفاري ؟
من كسر صخر الكلمات ؟
من حطم أوثان النسرين بمعبد أحلامي؟ ( )
ويقول في قصيدة ( لغة الاقدار) :
من أنا ؟ من أكون ؟ أين اتجاهي ؟
ولماذا يثار حولي الفضول ؟
كيف أصبحت محوراً للقضايا ؟
أنا عنها بغيرها مشغول ؟ ( )
الشاعر يتناص مع يليا أبي ماضي في قصيدة ( الطلاسم ) ومطلعها :
جئت لا أعلم من أين ولكني أتيت
ولقد أبصرت قدماي طريقاً فمشيت
وسأبقى سائراً إن شئت هذا أم أبيت
كيف جئت كيف أبصرت طريقي لست أدري( )
الشاعر هنا استحضر( من) للسؤال عن العاقل ، وجاء السؤال هنا عن ذاته وهذا دليل بأن الشاعر حياته في اضطراب وضياع وقلق يبين أنه نسى حتى اسمه ومن يكون، واستخدم ( أين) وهو يسأل عن المكان وهو هنا تائه لامكان محدد يستقر فيه ، واستخدم (ما) وجاءت لغير العاقل و(كيف) وهو يتكلم عن حالهِ وهموم نفسه المتعبة ، وكأن الشاعر هنا في دوامة من الأسئلة المحيرة التي يطرحها بينه وبين نفسه أو ذاتهِ وهذا إن دل فإنه يدل على عدم توازن واستقرار حياة الشاعر .
أما أداة الاستفهام ( كم) التي هي للعدد فقد جاءت في هذا النص الشعري وهي تعد الأيام والأشهر والسنين التي فارق فيها الشاعر أهله ووطنه ومدينته حين يقول :
لوجهك القديم ( )
قافلة من الأرق
يحدو بها الندى لآخر المطاف
كم زخة من السنين
مرّت على ترابك الموثوق بالغيوم ؟
وكم وكم
تساقطت ولم تبل عشقك القديم
وقد استخدم (هل) وهو هنا حقاً في حيرة وارتباك وعدم استقرار في ذاته حين يقول :
هل أنسج لي وطناً آخر ؟ ( )
يذكرني طفلا
لا أفهم معنى اليوم الآتي ؟
فجاءت ( هل) دالة على عمق سؤالهِ ، وتيهه عن ايجاد إجابة شافية . وقد استخدم الشاعر اسلوب النداء ، الذي يعبر عن الحالات والانفعالات الخاصة سواء أكان ذلك النداء للقريب أو للبعيد ، فيقول منادياً الليل الذي يعتبره الشاعر مركز تكالب الهموم والأوجاع والآلام حين يقول :
ياليلي
يامسمار الخوف بحائط أحلامي
انزع جلدك مثلي
وإنسج يا ليلي
موال العشق سلاماً
وجناحاً
ياليل : اكتب
عنواني عينان ترقان على جرح ٍتتثاقل منه السنوات
والدرب طويل( )
أما في هذه الأبيات فقد استخدم الشاعر النداء للقريب ، فيقول منادياً المتاهة :
أيتها المتاهة المختنقة
تعطرت مرآة قلبي بالسراب
وارتحلت
عنك الى عوالم العطور( )
فهو هنا يصور لنا تيهان طريقه وسراب ( الوهم) أيام حياته ، وعدم الوصول الى غايته فهو في وهم واضطراب .
كما ورد استخدامه اسلوب ( النفي ) وهو هنا ينفي عن روحه الأمل وعدم الجدوى في البحث عن الذات ( ذات الشاعر) لأنه في ظلام .
لاجدوى
في أن يبحث هذا الليل القاتل
عن مأوى
يُخفي فيه
جثمان الصبح المقتول على
شرفات العشق( )
ويقول في قصيدة أخرى :
ولمّا لفت عهودي
تجلى الغروب عقارب همت
بلدغي
فلا خوف الاّ نداء السكونْ
ولا شوق الاّ الحجر( )
وقد استخدم الشاعر اسلوب النهي وقد جاء هذا الاسلوب معبراً عن الشاعر وحالة الغربة والحزن التي يعيشها ، حيث يقول في قصيدة ( ظلال الصمت) :
لاتمسحن على الأحزان غربتها
فقد يعود بها للغربة الشــفق
حيث الظلال عطور في تفتقها
تغزو القلوب فلا حرَّ ولاحـرق( )

المبحث الثاني : الصورة الشعرية
تعد الصورة الشعرية عنصراً مهماً من عناصر البناء الفني للقصيدة والصورة الشعرية( تشكيل لغوي يكونها خيال الفنان من معطيات متعددة يقف العالم المحسوس في مقدمتها) ( ) ، وهذا العالم يستمد منه الفنان أجزاء صورته التي هي عبارة عن انطباعات في الذاكرة يتدخل فيها الخيال في تركيبها بالصورة التي تروق له ، وتشكل الصورة الشعرية مع النص الأبداعي كلاً متكاملاً ، أو كائناً حياً يتكون من أجزاء مرتبة ترتيباً دقيقاً( )،بمعنى يحصل تأثيرها على المتلقي حين لايشعر بأن الصورة جزء متجزيء عن بناء النص الشكلي ، فإنْ شعر بذلك فقدت تأثيرها على القاريء ، ومن ثم فشلت في ايصال الفكرة المرسومة لها ، وهي تعد جوهر القصيدة وروح الشعر ، ومن دونهما يفقد الشعر أحدى المقومات الأساسية في بنائه الجمالي( )، والصورة الشعرية أساس مهم من أسس التركيب الشعري( ) ، فهي إحدى وسائل الشاعر في ايصال رسالته للقاريء ، ( المتلقي) .
وعلينا أن لانغفل ما للصورة الشعرية من مكانة بارزة ومهمة عند النقاد قديماً وحديثاً، فقد أعتمدت المفاهيم النقدية القديمة الصورة أساساً مهماً في المفاضلة والتمييز بين الشعراء فما من شاعر قدم على غيره الاّ ان كان سبب تقديمهِ متعلقاً بمدى تمكنه من دقة التشبيه أو حسن الاستعارة ورجاحة الكناية ، ويظهر ذلك واضحاً في تقديم أمريء القيس وبإتفاق نقدي حين كانت مبررات تقديمه أنه أول من بكى واستبكى وقيد الأوابد وشبه النساء بالبيض( ).
فمن هنا اهتمت الدراسات النقدية القديمة والحديثة بالصورة الشعرية وكثرت حولها الدراسات وتعددت مفاهيمها واصطلاحاتها ، ونحن نتفق الى ماذهبت اليه الشاعرة نازك الملائكة في عدها الصورة عنصراً مهماً من عناصر الحركة في النص( )، فالصورة الشعرية بناء جمالي قائم على الحركة – حركة الخيال لدى المبدع والقاريء .
والصورة الشعرية اليوم تتداخل في بنية القصيدة أكثر من أي وقت سابق( )، بمعنى أن الشاعر المعاصر يحاول أن يدمج عناصر القصيدة دمجاً لايشعر معه القاريء بتفكك النص الشعري داخل القصيدة .
والصورة الشعرية مزيج بين دلالة اللفظ ،وإيحاء المعنى ، لذا فهي تتحقق بذلك نموذجاً أدبياً متكاملاً يجمع ( اللفظ – والمعنى ) ( ).
وهذا مايعطيها أهميتها في النص الشعري ، والشاعر يلجأ الى الصورة دائماً في نقل تجربته الشعورية ، بوصفها الوسيلة الجوهرية لذلك النقل( ).
وسيقف الباحث في دراسته للصورة في شعر قصي الشيخ عسكر عند نوعين هما :
الصورة الثابتة ،والصورة المتحركة .
الصورة الثابتة :
تطغى ملامح السكون على عناصر الصورة الثابتة ، فهي بالتضاد مع الصورة المتحركة ، فجو الصورة المتحركة نراه يعج بملامح الحركة بعكس الثابتة ، ولعل الشاعر من خلالها أراد رسم أجواء التأمل في عمق الأشياء ويثير تساؤلات كما هو معروف عن ( قصي الشيخ عسكر ) فضلاً عن جانب رسمه لملامح خاصة بتجربته الشعرية ، فيعمد في ذلك الى اتخاذ الأسماء جسراً له أواتخاذه من الأفعال المستلبة الدلالة طريقاً يرسم من خلاله صورته الشعرية ، فالأفعال حين تنحو منحى سلبياً بمعنى سلب الأشياء دلالتها ترسم بذلك جوّاً من الثبات والسكون الداخلي على الرغم من حركتها الخارجية( ) .
فنأخذ مثلاً على ذلك قول الشاعر :
ولسور الوحدة أُسْنِدُ ظهري( )
ورمال الدرب تطويني( )
فالفعل جاء مستلباً لدلالة المعرفة ، حيث جاء فعل (الوحدة ) مردفاً بمفردة (أُسندُ ظهري) مّما أضفى جوّاً من السكون والثبات على النص ، والذي يتمعن في النص يُدرك معنى الشاعر جيداً هنا ، وأما قولهُ ( رمال الدرب تطويني) فالفعل (طوى) جاء بدلالة سلبية لدلالته الأولى وهي التواصل ، بإضفاء ملامح الرحيل وطول الطريق الذي لاينتهي بالنسبة إلى الشاعر .
ومن صورهِ التي تبدو عليها ملامح السكون ظاهرة قوله :
واقفةً في الصدر
تموت الأسرار
لا تتعرّى حتى للأحلام
قد
تسند غربتها
لجدار من ضجر
لكن لا تتهاوى( )
فقد رسم الشاعر هنا صوراً ثابتة لاتنم عن أدنى حركة فقوله ( واقفة في الصدر ، تموت الأسرار ، تسند غربتها ، جدارٍ من ضجر ، لاتتهاوى ) .
فهذه كلها عبارة عن رؤى وأفكار يطرحها الشاعر للمتلقي ، وهي انعكاس لواقع الشاعر الذي يعيشه ، فكانت الصورة الثابتة بما تمثله من معالم السكون الاّ أنها تمت بصلة لمعالم الشاعر النفسية والتي يتصف بها ، فهو عندما يقول : ( واقفةً) فالوقوف دلالة على الثبات وعدم الحركة ، و ( تموت ) والموت دلالة على السكون و ( تسند ) والاسناد دلالة على الثبات على الرغم من أن الشاعر أردفها ( للغربة ) الاّ أن الأسناد هنا مجازي إشارة للشاعر نفسه .
و ( جدارٌ ، لاتتهاوى ) فهنا ثبات وسكون وعدم حركة فهذا كلهُ صورة حقيقية واقعية لحياة الشاعر ، وما تعتلج به نفسه من تساؤلات في هذه الحياة ، فشاهدة القبر علامة دالة ثابتة فوق القبر ترشد من يبحث عن ميته .
ونراه بقول في نص آخر :
شاهدةٌ القبر
بقايا من كتاب
بكلمتين تشطر الحياة
عاش ومات( )
فالشاعر رسم لوحة للقبر بصورة ثابتة – ساكنة توحي بها دلالات الألفاظ ( شاهدة القبر ، عاش ومات ) فالصورة هي لوحة القبر ، والقبر دلالته السكون هنا موفقاً بين هذه المفردة وماتوحيه ، وبين الجو العام للقصيدة والتي رسمها عن طريق ملامح الصورة الثابتة غبر المتحركة والساكنة، والشاعر يوصل لنا أفكاره بصورة مباشرة حقيقية غبر مجازية بأن نهاية كل شيء صائر الى الموت ، ويمكننا القول : أن هذا النص تفيض منه رائحة التأمل والحكمة وهي أن على الأنسان أن يكون مستعداً عندما يطرق الموت بابه ليأخذه من عالم الدنيا الى عالم الآخرة .
ويقول :
اسطورة الموت هي الحياة
تلمنا مع البذور في الربيع
تنثرنا بصفرة الأوراق
في الخريف
وفجأة
كصخرة راسخة السكون
تلعقنا
بصمتها الثقيل( )
تبدو كذلك ملامح الصورة المتحركة في هذا النص بارزة ( تلمنا ، تنثرنا ، تلعقنا ) ، وكذلك تبدو ملامح الصورة الثابتة واضحة ولايمكن نكرانها ، فقول الشاعر: ( اسطورة الموت ، كصخرة راسخة السكون ) ، فهي كلها دلالات ورموز تدل على الصورة الثابتة غير المتحركة ،وكما أسلفنا سابقاً أن الموت دلالة على السكون وانتهاء الحياة ، أما الصخرة التي استحضرها الشاعر كتشبيه مجازي على حياته وفناء أيام عمره ، بين الربيع الذي يمثل ريعان الشباب وربيع العمر وبين الخريف الذي يمثل ذبول الحياة وانتهاءها وهي بحد ذاتها تدل على الثبات وعدم الحركة ، ومما يعضد قولنا قول الشاعر :
كصخرة راسخة السكون
اذن يمكننا القول ان الشاعر في هذا النص أعطى صورة شعرية ثابتة مفادها أن الموت محتم ولابد منه ولايمكن للإنسان الفرار منه ، ويفرز لنا هذا النص عن حياة الشاعر وبيئته ، وكأنما زورق الحياة عنده يجري ولكن هناك من يرميه بالحجر ليوقفه ويقول :

بلادٌ ( )
حفر الفجر على جبهتها
تابوتاً
غولاً
لا يمكن أن يوصف
ففي هذا النص تتجسم لنا الصورة الثابتة غير المتحركة في أبهى توهجها كما ورد في قول الشاعر ( تابوتاً ، غولاً ) ، فدلالة التابوت دلالة ثابتة ساكنة وهي هنا دلالة مجازية استحضرها الشاعر ليشير الى عظم المصائب والنكبات والنكسات والظلم الذي مر به بلده وهو ( العراق) ، ونراه قد استحضر (الغول) وكما هو معروف أن ( الغول ) حيوان اسطوري خيالي لاوجود له لكنه استحضره رمزاً في النص دلالة على مدى الرعب والخوف الذي كان بلده يعاني منه خلال تلك الفترة من الزمن ، إذن في هذا النص رسم صورة شعرية ثابتة ، قوية الوصف ،فيها الكثير من المعاني ، من أجل أن يبين ظلامة هذا البلد وشعبه ، أما في هذه القصيدة فنراه قائلاً :
عادت بليلي شجوني لما مررت ببالي
أكان هجرك عمداً أم كان بعض الدلال
إن اعتذرت بعذرٍ ففي المنام تعالي
إذا زففت لقبري وغاب عنك خيالي
مري على القبر كيما تحس فيك رمالي
تبقى برجلك مني ذرات جسم محال
لازال حبي مقيماً حتى عقيب زوالي( )
في هذه القصيدة تتجسم الكثير من الصور وهي وإن دلت فإنما تدل على براعة الشاعر في كتابة نصوصه الشعرية ، وإختيار أقوى الألفاظ لإداء المعنى المطلوب ، فالشاعر في هذه القصيدة يصرح عن حبه وبصورة واضحة غير غامضة ويخاطب ويناجي المحبوبة.
أما مانلحظه عند قراءة هذا النص الشعري المثير ، فإن الشاعر قد استحضر ( القبر ) في أكثر من موضع ، والقبر دلالته السكون والثبات ، إذن فهو صورة ثابتة لاتنم على أدنى حركة .
لكنه قد استحضره ليزيد من بلاغة المعنى ، وإيصال مايجول في خلجات نفسه وقلبه وحاله المتعبة بصورة أسرع ، فبإمكان أي قاريء يقرأ النص يفهم حقائقه ، وتتكشف له خفاياه . ونراه يقول في نص آخر :
أحاور فيك اشتياقي الى الصبح يحكي الجليد
فرب الذي كان شوقاً سيعلن سرّي
وقبل السنين شواهد قبر
تعيد رسوم الزوايا
وأرقد في وجنتيك احتمال القرار
أغنيك بصمتي( )

في هذا النص ملامح لصور متحركة ( أحاور ، سيعلن سري ، تعيد ، أغنيك ) ، فقد كتب الشاعر هذا النص الى الحبيب الغالي بلده ( العراق ) ===> ( أحاور فيك اشتياقي الى الصبح يحكي الجليد ) .
وقد استحضر ( شواهد قبر ، وأرقد في وجنتيك ) ، والقبر كما أشرنا سابقاً دلالة على السكون وعدم الحركة ، ( وأرقد ) والرقود هو عدم الحركة والثبات وكأنه يتمنى أن يرقد في تربة وطنه ( العراق ) الذي فارقه وهو في ريعان شبابه وحياته الى الآن ، وقد أفاد الشاعر في هذا النص من استخدام شواهد عدة كما مر بنا سابقاً لأنه يضخم الأشياء ويعقدها !
الصورة المتحركة :
في هذه الصورة تبدو ملامح الحركة وعدم الثبات واضحة ، لتضفي بحركتها جو التفاعل مع القاريء ، ومضيفة كذلك جو التبدل والتغير بالنسبة للتجربة الشعرية .
وقد تكون الحركة مصدراً من مصادر القلق لدى الشاعر كما يعد عنصر الحركة ملمحاً من ملامح الحياة فلعل اختيار الشاعر لهذا العنصر ، وإبرازه في الصور الشعرية كان يقصد من ورائه جملة مقاصد منها تعلقه بالحياة والتفاؤل رغم كل مايحس به الشاعر من وحدة وانعزال ويأسٍ وحركتها الدائبة عامداً في ذلك التواصل مع المتلقي من خلال عنصر الحركة في النص الإبداعي – على حد تعبير أحد الباحثين – و (( العمل الأبداعي ( نصاً لوحه … .) يحمل قيمة تواصلية مع الآخر)) ( ).
وهكذا تعمل الصورة من خلال عنصر الحركة فيها الى بعث ديمومة التواصل مع متلقي النص ، ومد جسور التلاقي من خلال اعادة خلق الواقع بصورة متحركة .
يقول :
أراك تمرين خلف الضباب
وبين خطاك انكسارات وجدي
وكان الضباب استلاب المطاف
وظل المطافي لأبعد حد
وهذا المتاه انحسار الطريق
وهذا الضيّاع بقايا التحدي
تمرين رغم انبهار الفصول( )
فدلالة ألفاظ ( أراك تمرين ، وبين خطاك ، انحسار الطريق ، تمرين .. ) فهذه المفردات كلها تدل على صورة متحركة متواصلة غير ثابتة ، وفي هذا النص تبرز مشاعر الشاعر الوجدانية نحو وجد ما .
ولكننا لانعرف هذا الوجد الذي يشير اليه الشاعر ، ولكن كان مرور الشاعر مروراً مبهماً ضبابياً لارؤية خلف الضباب ولذلك فأنه لانهاية لتلك الرؤية لعدم ادراك الشاعر بلوغ ذلك المطاف لأن الضباب مازال يؤثر في عدم بلوغ الشاعر للهدف المرجو من تلك الحركة .
وهذا واضح لنا من أن غاية الشاعر وهدفه بعيدة المنال فهو غير مستقر لكن في ضياع وقلق لعدم ادراك هدفه وغايته من سفر ه هذا – ونراه يقول في نص آخر :
لأي انتصار دعاني الهجير
أقاوم هول الهزيمة وحدي ؟
أكاد أطيع حصار المصير
فيأبى عليّ اعتراضي وصدي
وأنت المصير اليه الرحيل
ستمشي خطاي على غير قصد
وأنتِ المدارات تلغي الإياب
وتلقي المشاة بطيش وتردي( )

فنحن أمام صورة مؤثرة رسمها الشاعر ، فالشعر رسم ناطق( ). وقد لعب الخيال دور اً في الصورة فهو عنصر رئيس في تصوير مشاعر الفنان( )، لتجيء الصورة محملة بدلالات عدة تأتي الحركة ونموها على رأس تلك الدلالات.
فقول الشاعر : ( الهجير ، الرحيل ، تمشي ، خطاي ، المشاة ، … ) فهي كلها مفردات تدل على الصورة المتحركة غير ثابتة ، فمعالم الحركة بادية على الصورة في هذا النص الشعري .
والشاعر هنا رسم لنا صورة الفراق ، متخذاً من جماليات الصورة المتحركة وجمالية الاستعارة طريقاً له في رسم صورته هذه فجاءت عباراته موحية بجو الحركة ( دعاني الهجير ، اليه الرحيل ، ستمشي خطاي ، وتلقي المشاة ) وهذه ألفاظ من دلالاتها الحركة .
ورغم شعور الشاعر باليأس المقرون بالهزيمة ، نراه يسأل كيف يدعوني من هجرني الى انتصار وهمي لأن الهجير تركه يقاوم هول الأنكسار والانهزام وحيداً الى درجة أنه تقريباً اقتنع بمصيره المجهول أمام شدة الحصار الفكري والنفسي بحيث لم يبق لديه أعتراض وصدّ للمجهول لأنه ( أي الشاعر ) ربط مصيره الأبدي على ذلك الهجير الذي ترك الشاعر ذاهباً إلى نقطة اللا عودة إلى درجة أن الشاعر يأبى العودة إلى نقطة الوعي إدراكا منه بأن لا مسار في طريق يكون الأياب فيه من حيث ابتدأ فيه لنفسه نقطة الرحلة ، أي بمعنى أدق وضع الشاعر نفسه بين مطرقة هجرة الحبيب وسندان اليأس .
يقول :
ربما قد عراك وهن فتهوي
هو صحو يقفو خطى الآمال
فجمال الحياة نسمو إليه
بمتاه وظلمةٍ وظلالِ
مغرب الشمس مشرع لهمومٍ
سادراتٍ بظنةٍ واحتمال( )
فهنا تبدو حركة الصورة من خلال توظيف الشاعر لألفاظ تنم عن حركة كدلالة قوله ( يقفو ، خطى الآمال ، متاه ، …) .
أما لو عرجنا نحو النص الشعري للشاعر فنجد أنه على الرغم من الألم والقسوة والشعور بالوحدة التي عانى منها الشاعر بسبب قسوة البعد والفراق نراه يلتمس الأعذار له وكأنه يتمنى أن الهجران وعدم الوصول ناتج عن قصور مرض كالتعب والوهن وهو في الوقت نفسه يعلم بأن الهجران كان عن قصد لا عن تعب أو وهن ، وهو يعلم جيداً بأن شمس حياته قد غربت ومسارات حياته قد سكنت وشراع سفينته الهوى والوجد قد هوت ولم يبق لديه سوى اللوعة والحزن وحلكة الظلام .
ويقول في قصيدة أخرى :
زئبقي هو هذا الفرح المحمول
في جنح الضباب
كنت مجهول الهوية
غير أني
أعبر الواحة من دون انتساب ( )
فهنا ملامح الصورة المتحركة تبدو واضحة للقاريء بدلالة ( هذا الفرح المحمول ، أعبر الواحة من دون انتساب ) ، وهو هنا يصف مشاعر الفرح لديه متحركة غير ثابتة ويأخذ هذا الحب الحركة الزئبقية التي تعني بأن تقلبات الحب لدية متحركة غير ثابتة ، فبلمح البصر يأتي الفرح وبلمح البصر يذهب الفرح ،إلى درجة أن الشاعر مجهول المشاعر والوجدان وما فائدة أن يجتاز الشاعر واحة الحب دون أن ينتسب إليها فهو كعابر طريق يرى واحة جميلة يستقر فيها لحظات لكن في نهاية المطاف لا مكان لديه في تلك الواحة .
أي بمعنى أدق أن هذه الواحة غريبة عن الشاعر وهو غريب عليها ، لا صلة روحية ولا جسدية بين الشاعر وبين الواحة والتي قد تعني ( الحب ) الأمل الضائع بالنسبة له .
يقول :
أبحر في زمن ماضٍ
ينبع من عينيك إلى ضجري
النور تعكر كالصمت بذاكرتي
والعالم مطبوع بربيع
ما كان بأكثر من ترحالي
لأحس بأني :
أفقد شيئاً ما …. لا أذكره
شيئاً ما …. أكبر مني
فأهاجر نحوه لا أدري
كم ستطول الرحلة
نحو المجهول( )
تتجسد في هذه القصيدة صورة الرحلة والسفر وترك الوطن والأهل من قبل الشاعر ، فقوله ( أبحر في زمنٍ ماضٍ ، ما كان بأكثر من ترحالي ، فأهاجر نحوه لا أدري ، كم ستطول الرحلة نحو المجهول ) فهنا صورة متحركة – مستمرة – غير ثابتة ولا مستقرة ، والمفردات تدل على حركة متواصلة وهي تعكس حال وواقع الشاعر المغترب الذي يبحث عن ذاته لايجدها ، فهو في بحرٍ هائج مهاجر نحو مصير مجهول لا يعرفه ، ولا يعلم متى ترسو سفينة ذاته في بحر الأمان ليحس أنه في أرضه وبلده وبين أهله وأحبته ، ورحلة الشاعر ما زالت مستمرة نحو المجهول ومن أجل هدفٍ لا يعرفه بدليل قوله : ( كم ستطول الرحلة نحو المجهول ).
ونراه قائلاً في صورة أخرى :
لك الليل فامضي أو ارحل
ستحمل كل انكسار الصفاء
الى حيث تأوي الشجون
فأن لبعض المياه التفات الهجير
وأن لبعض الهجير
هموماً سواك ( )
فصورة ( امض أو أرحل ، ستحمل كل انكسار الصفاء ، التفات الهجير ، وأن لبعض الهجير هموماً سواك ) صورة تتجسد فيها حركة دائمة متواصلة غير ثابتة وغير مستقرة ، وهي تمثل حركة الشاعر نفسه وهجرته من بلده ( العراق) ( لك الليل فامض أو ارحل ) .
وهو قد هاجر واغترب عنه مكرهاً لاطوعاً كما أشرنا من قبل عند تحليلنا لقصائد الشاعر في الدراسة الموضوعية ، وبالرغم من هذه الرحلة التي شملت الكثير من البلدان العربية والأجنبية الاّ أنه لم يعرف الراحة والاستقرار بالرغم من كل ما توفر له من سبل العيش والراحة لأنه مرتبط بأمه الرؤوم ( أرضه الطيبة التي لم ينس أيامه التي عاشها تحت كنفها ) .
فهنا الصورة متجسدة بالرحلة الطويلة للشاعر الذي لايعلم متى تحط راحلته ويستقر .
وكأن الهموم والآلام هي السند الوحيد للشاعر أثناء رحلته اللامتناهية فرحيله غدا معادلاً موضوعياً .
ونراه قائلاً في هذا النص الشعري :
يوم أزمعت أن أسير وحيداً ما عناني متى يحين الوصول
اذ تماسكت حينما رحت أهوي والمدى عند كبوتي مـذهول
ما اعتراني من الليالي فحيح اذْ مشى بي من النهار صهيل( )
فتبدو ملامح الصورة المتحركة في النص واضحة في قول الشاعر : ( أنا أسير وحيداً متى يحين الوصول ، حينما رحت أهوي ، إذ مشى بي من النهار صهيل .
فقوله أنا أسير وحيداً ====> دلالة على أن الشاعر بات وحيداً فريداً في رحلته وسفره لايعلم متى يحين الوصول ، وهي بحد ذاتها صورة متحركة – متواصلة – تعود على الشاعر نفسه .
أما قوله : حينما رحت أهوي ====> فهنا الصورة تفيض بالحزن والضبابية وعدم ادراك الطريق الواضح ، وكأنه في دوامّة لايعرف كيفية الخروج منها .
وأما قوله : إذ مشى بي من النهار صهيل =====> فهو هنا يشبه حركته ومشيه بصاحب الصهيل ( الفرس) المعروف بسرعة الجري ، وكأنه يقول لنا : أنا دائم الحركة والجري لا أعرف الثبات والاستقرار إذ يمكننا القول ان الشاعر صاحب صور شعرية فريدة في محاكاتها للواقع المؤلم الذي يمر به الشاعر ، وصاحب رؤى وأفكار يعرف كيف يعبر عنها بالصور الشعرية الرائدة الجميلة عبر القصائد الشعرية التي يكتبها والتي دائماً ماتكون انعكاساً لواقعه الذي يعيشه .

المبحث الأول : الموسيقى
تعد الموسيقى عاملاً مهماً في الشعر ، وهي من الأركان المهمة في البناء الشعري إذ أنها تقف وراء تذوق القاريء للنصوص الشعرية وتلمس جماليتها ، وترتبط موسيقى النص الشعري مع عناصره الأخرى (( وكان القدماء من علماء العربية لايرون الشعر أمراً جديداً يميزه عن النثر الاّ بما يشتمل عليه من الأوزان والقوافي ، وكان قبلهم أرسطو في كتاب الشعر يرى ان الواقع الأساسي للشعر يرجع الى علتين أولهما غريزة المحاكاة أو التقليد ، والثانية غريزة الموسيقى أو الإحساس بالنغم ))( ).
والموسيقى كانت ولاتزال عنصراً بارزاً من عناصر الشعر ، ولها أثر في القصيدة لايقل عن أثر الصورة ، لأنها تسهم أسهاماً فاعلاً في إقامة بناء القصيدة وتوحيده ، بوصفها عنصراً من عناصر الأحياء لأن الشعر في حقيقته (( ليس الاّ كلاماً موسيقياً تنفعل بموسيقاه النفس وتتأثر به القلوب )) ( )،ويرى الباحث ان الموسيقى ليس كلاماً بل كلام ومعنى ، وهي تلعب دوراً فاعلاً في استجابة أحاسيس وعواطف الأنسان للشعر .
إذ تعمل بصورة أو بأخرى على خلق توافق شعوري بين الموقف النفسي للشاعر وعالمه الخارجي( )، حين تتعرض النفس الأنسانية الى حالات من القلق والاضطراب ، والانتظام وبالتالي تحدث تجاوباً مع الشعر .
من هنا كان للموسيقى أهمية كبيرة في السمو بمشاعر الشعراء والتعبير عن عواطفهم وانفعالاتهم وخلجاتهم ، وهي من أهم عناصر الإيحاء في النص الشعري ومن مقومات بنائهِ ، فهي تساعد على تحريك عاطفة المتلقي( ).
والتشكيل الموسيقي في مجمله خاضع خضوعاً مباشراً للحالة النفسية والشعورية التي يصدر عنها الشاعر( ).
وتنقسم الموسيقى الى موسيقى خارجية ( وزن، قافية) ، وداخلية ( تكرار ، جناس ، طباق … ) .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *