تحسين عبّاس : عشبة الإبداع تتجلى شعراً

على طبيعة حالهِ يكون الشاعر مرآة البيئة التي تعكسُ واقعها المعاش فمرة يُدوِّنُ آلامَهُ وأخرى تدوِّنهُ من اثر اختلاجها في ذاتهِ  فيدور التأثير النفسي في فلكٍ من الوعي واللاوعي حتى لا ينفكُّ حيلةً عن كتمها في قفصه الشعري مما يؤدي إلى انشغال التنقيب النقدي لكشف الحقائق الإنسانية التي يعرجُ فيها الشاعر إلى فضاءِ الإبداع ففي قصيدة الشاعر طلال الغوار تنطلق المعاني التي احتشدت في صدر الشاعر كما يبسطُ الشكل فنَّه بإعلان الدهشة عند المتلقي فمن عنوان القصيدة (السماء تتفتحُ في أصابعي) نستشف فحوى موضوعتها الأدبية  في أسلوبها الصوفي من جملتها الخبرية ” السماء تتفتحُ في أصابعي ” هنا الحدث وضع الشاعر بموقع الواعظ والحكيم فالسماء كلُّ ما يدلُّ على الرفعة والسمو وكل من سما عن حدِّ معين فهو سماء فأراد الشاعر بالعنوان إيصال خطابهِ وإفهام المُخاطَب أنَّ هناك حقيقةٌ سوف تُكشف من خلال ما ترمي إليه إيماءة أصابعهِ كأنه يريد أن يفصح عن أمر شرعي التبسَ على العامة من الناس أو أمرٍ خفيَ عليهم من اثر تشويشٍ سفسطائي.
 وعلى طريقة شعر الصورة (الهايكو) قسَّمَ إشاراتهِ إلى رسائل ضمنية  : 
1- سؤال مفادهُ الاستنكار في المقطع الأول:(هل تجّلتْ لغيري فأصبح مثلي يلم الشموس) جاءت على خطابية ” إياك اعني واسمعي يا جارتي”
2-  لوم من استوجب عليه اللوم لتقاعسهِ في المقطع الثاني : (حينما لم تقل للغياب كن شجراً حانياً  في ثياب الصباح )
3-  الثبات على الحقيقة ونكران الواقع المُزيَّف في مخاطبة الحبيبة أو الحرية أو المبدأ الإنساني عن طريق لغة الاقلاب في آخر شطر من المقطع الثالث:( أنتِ كل الأقاصي أنت كل الجهات أين أغذِّ حنيني وامضي تسير إليك الجهات) وكأنه يقول دوام الحال من المحال ولا يصحُّ إلا الصحيح فلا مفرَّ من الاستيهام .
أما بلاغة القصد فقد تجلت في أول تركيب شعري استخدم فيه الشاعر الاستعارة ( عشبة الانتظار)  لوجود علاقة هرمونية ما بين موسمية إنبات العشب واعتماده على هطول الأمطار وبين معنى الانتظار  فكلاهما يشير إلى احتمالية الحدوث وقد يحيلنا هذا التركيب إلى مكان يلتقي فيه عاشقان فهل الأول ذاتُ الشاعر مع حبيبه الأنثى أم مع حبيبهِ الوطن؟ فالتركيب يثيرُ استفسارات متشعبة عند المتلقي تشده لمتابعة النص،  فصناعة التركيب بالاستعارة التي قام بها الشاعر منطقية ومسوغها حاضرٌ معها فأراد( الغوار) التنويه إلى أمر يدور في محيط الاحتمال كالوعود التي يدلي بها من يريد التمويه لأنه في المقطع التالي جعلَ للصباح شقوق إشارة منه في شكهِ في صدق الوعود التي كان من المؤمل لها أن تصنع التقدم ، لا بل أنها تفعل العكس (تسرق الخطوات)  :
عشبة الانتظار
دائماً
من شقوق الصباح
تسرقُ الخطواتِ
يستدرج الشاعر بيانه وتفاصيله الشعرية في وصف إشعاع وانتشار هذه العشبة التي تمثل الوعود الوجدانية أو السياسية بأنها تصيِّر نفسها حقيقة او دليلاً يستدلُ بهِ ( تتكوكب)وهنا انزياح لغوي رائع اختزل جملة كاملة قد تكون: تموهُ لي أنها كوكبٌ فلا ترد التحية للشمس ، فتتفتح من جرّائها وردة تعتاش على دماء المستضعفين ( حتى تتفتح لي وردة في الجراح ) إيحاء جميل وإيماءة شعرية عن الوعود الكاذبة :
وتبزخُ في شَكلِ إيماءة
تتكوكبُ حولي
لن تردَّ التحية للشمس
حتى تتفتحُ لي
وردة ٌفي الجراح
 يستأنفُ الشاعر بيانه في صورة أخرى حيث يشرح حاله مع هذه العشبة وكيف اجبره الواقع أن ينصت لها دون جدوى حتى أيقن بان الغياب قائم لا محالة بل منتشر بين قدراته (بين يدي) مما اضطره الأمر أن يصنع أملاً  قد لا يكون له وجود حينما استخدم اللغة الاقلابية في : (واحملُ نافذتي للمطر) وهذه غالباً ما تتكون من الهلوسة التي يعيشُها العاشق من اثر خلل اجتماعي أو سياسي حتى يُنهي المقطع الأول متسائلاً : هل تجلى لغيره ما رآه أم راح الآخر يصنع للوعود أعذاراً بدلاً من الأكفان ؟
مذ تماهت معي
عشبة الانتظار
وتآخت بروحي
صرت أشعل بين يدي
هشيم الغياب
وأحمل نافذتي للمطرْ
فكأن السماء
تتفتح زنبقة في الأصابع
والأقاصي
على رميةٍ من حجرْ .
عشبة الانتظار
هل تجّلتْ لغيري
فأصبح مثلي
يلمُّ الشموس
في صحون النهار .
في المقطع الثاني من القصيدة  أو الصورة الثانية أراد ( الغوّار ) أن يصفَ الحال الذي انبعث من عشبة الانتظار هو حال الضرير الذي لا تجديه المرايا نفعاً ولا تلك التي تحتضن دموعه(المناديل) فهو يوحي للمتلقي أنَّ الآخر لا يمتلك الأحاسيس والمشاعر التي يمكن لها أن تفتح الطريق نحو القلب ( وعلى قلوبٍ أقفالها) .
انتظار ضرير 
لا مرايا لها
أو مناديل طاعنة بالشموس
لا سماء لها
أو جناحْ
كل هذي الجراحْ
انتظار ضرير
حينما
لم تدعْ
حلمك ترتيلة لرياحْ
حينما
لم تقلْ
للغياب
كن لنا شجراً
حانياً
في ثياب الصباح
و ينهي الشاعر  قصيدته في الصورة الثالثة حين أفصحَ عن حالِ حبهِ لمعشوقه بأنه لا مفرَّ منه مها ولّى وجهه فثمة وجه الحبيبة/ الحرية، فأينما يذهب سيلقاها أمامه حتى انه قلب المألوف في محاولة إبداعية لثيمة زمكانية حين استخدم لغةَ الاقلاب في جملةِ جواب الشرط :( أين أغذِّ حنيني وامضي تسير إليكِ الجهات ).
سفر
أنتِ كل الأقاصي
أنتِ كل الجهات
أين أغذِّ حنيني
وامضي
تسير أليك الجهات.

تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

| احمد عواد الخزاعي : فنتازيا خضير فليح الزيدي في رواية ” يوتيوب “.

صناعة الشخصية الديناميكية المدورة، سمة امتاز بها الروائي خضير فليح الزيدي، فمعظم شخصياته الروائية، تكون …

| طالب عمران المعموري : تشكيل المكون الروائي في رواية “عاشقة من كنزا ربا” للروائي عبد الزهرة عمارة .

“أنت يا عليما بالقلوب وكاشفا للبصائر .. عيوني متطلعة إليكَ وشفاهي تسبحك  سبع مرات في …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.