الرئيسية » مقالات » شكيب كاظم : ناجي جواد المحامي من أبرز كتاب أدب الرحلات

شكيب كاظم : ناجي جواد المحامي من أبرز كتاب أدب الرحلات

ناجي جواد المحامي من أبرز كتاب أدب الرحلات
شكيب كاظم
عجيب أمر هذه المصادفات أو التوافقات، على رأي من لا يقبل فكرة المصادفة، لأنها ما كانت بتدبير وتقدير وتقرير، وكأن الحياة على رأي من قال بالمصادقة، كحاطب ليل دامس بهيم، في حين أن الحياة تسير على قدر مُقَدَر؛ انا كل شيىء جعلناه بقدر.
أقول عجيب أمر هذه المصادفات أو التوافقات في هذه الحياة الدنيا، التي تجعلنا نوقن أن الحياة ليست خبط عشواء، وإلا كيف أفسر انشغالي بقراءة الجزء الأول من كتاب( من أدب الرسائل) للأديب والوجيه البغدادي المعروف ناجي جواد الساعاتي المحامي؛ المطبوع سنة ١٩٦٦، لأجد نفسي مصادفة ومن غير تدبير، أمام دارته الأنيقة ضحى أحد الأيام، فتمليت الدارة الأنيقة لأجدها على غير ما كنت أعهدها أناقة وجمالا ونظافة، مما يؤكد خلّوها من قاطنيها، إذ نما إلى علمي أن الأستاذ ناجي جواد المحامي، ذهب للعيش في لندن بُعْيد أحداث سنة ١٩٩١ الحربية.
أقول عجيب أن أكون مواصلا قراءة كتابه هذا، وأجد نفسي مصادفة أمام دارته المطلة على شارع أبي نؤاس ودجلة الخير،ضحى الأربعاء ٢٠/من مايس/٢٠٠٩، إذ انقطع الطريق بنا فتوجه سائق سيارة النقل العام،تخلصا من إلازدحام نحو شارع أبي نؤاس، ولأقرا نعيه في أليوم ذاته؛ هو المولود في محلة ( صبابيغ أ لآل من رصافة بغداد سنة ١٩٢٢، والذي امتهن صناعة تصليح الساعات منذ سنة ١٩٣٨ مثل كل إخوته: كاظم، وإبراهيم الذي كنت أشاهده في محله بالسوق القريب من المدرسة المستنصرية، فضلا عن المرحوم فخري الذي كان المستورد الوحيد لساعات (فلكا) السويسرية.
وإذ قرأت نعي هذا الوجيه البغدادي الذي غادر الحياة في لندن، وكان قد عانى اليتم في طفولته فرعاه شقيقه الكبير؛ كاظم جواد، عدت متمليا الصور التي زخر بها هذا الكتاب ( من أدب الرسائل) والتي جمعته مع رجال الثقافة والأدب فضلا عن التجارة والمال، إذ عرف عن الأديب ناجي جواد المحامي، شغفه بعقد صداقات مع الأدباء والوجهاء والمثقفين، كما شهدت دارته الأنيقة تلك لقاءات ومجالس أدبية وثقافية، وناجي جواد في هذه الخصيصة يذكرني بالأديب والشاعر العراقي المغترب حارث طه الراوي ( ١٩٢٩-٢٠١٤)، الذي أفاض في ذكر علاقاته وصداقاته مع الأدباء العراقيين والعرب، ولاسيما أدباء بلاد الشام، ودوّنها في كتابه الممتع ( من ذكرياتي الأدبية) الصادرة طبعته الأولى سنة ١٩٨٩.
ناجي جواد الحاصل على شهادة الليسانس- أي البكالوريوس في الإنكليزية- في القانون من كلية الحقوق ببغداد سنة ١٩٥٤، الذي اشتغل بداية حياته مثل إخوته كلهم في تصليح الساعات، ثم نفخ الله في اهابه فصيّره وكيلا عاما لساعات ( أولما) السويسرية في العراق، ولقد كان العراق ابان نهجه نهج الإقتصاد الحر، بعيداً عن تدخلات الدولة بجهازها البيروقراطي الكسول في العملية الإقتصادية، تجارة وإنتاجا وتسويقا، كان زاهرا هذا العراق بالمستوردين والوكلاء العامين لبضائع العالم المتقدم، قبل أن تعصف باقتصاده الغض تأميمات ١٤ تموز ١٩٦٤ إلارتجالية، التي جاءت محاكاة لتأميمات دول كانت تئن من هذه الإجراءات، فكان ناجي جواد مختصا بتجارة ساعات ( أولما) في حين كان ثمة من يتولى إستيراد ساعات ( جوفيال) و(جوهرة) وهو علي حسين الساعاتي- رحمه الله-، وثالث بساعات ( نيفادا) وآخر بساعات ( فلكا) وهكذا.
كما عرف عنه حبه للسفر، فإذ منّ الله عليه بخير التجارة، فقد انصرف لزيارة بلدان الدنيا، ولأنه كان يمتاز بحس الأديب الكاتب،فقد دوّن مشاهداته في كتب بعينها، فهذا كتابه ( من وحي السفر) الصادر سنة ١٩٦٦،فضلا عن كتابه ( رحلة إلى الأندلس) الصادر في السنة ذاتها، كما ألف أكثر من كتاب عن زياراته إلى المغرب العربي، إذ أصدر سنة ١٩٧٧ كتابه ( رحلتي إلى أفريقية العربية.ليببا.تونس) وكان كتابه الآخر الذي حمل الاسم عينه خاصا برحلته إلى الجزائر ، والثالث عن رحلته إلى المغرب، فضلا عن كتابه ألذي اهدانيه سنة ١٩٩٢،وعنوانه( سويسرة خيمة العالم) وفيه يقص وقائع رحلته إلى هذا البلد الرائع صحبة شقيقه فخري.
ولأنه عمل في الساعات تجارة وتصليحا،فلا بد أن يخص هذا العالم بكتاب بعينه سماه ( قصة الوقت)، ولأنه ينتزع وقته انتزاعا هو الموزع بين السفر والتجارة واستقبال الخلان، فقد أمضى هذا الوقت المنتزع في القراءة وليدون مااستوحاه من هذا المقروء، وما أفاد منه في كتابه الموسوم ( كتب قرأتها)الصادر سنة ١٩٦٢.
قلت: عرف الوجيه البغدادي الأديب المحامي ناجي جواد بسعة صداقاته وعلاقاته، وإذ أرجع إلى كتابه ( من أدب الرسائل) بجزئه الأول أجد قبسا من هذه الرسائل التي تبادلها مع: عبد الحميد سبع العبوسي؛ شقيق الضابط عبد الستار سبع العبوسي، وأحمد الصافي النجفي، ومحمد صالح بحر العلوم، وروفائيل بطي صاحب جريدة ( البلاد) الرائعة، والفنان التشكيلي جميل حمودي، وهاشم الخطاط، والكاتب الأديب محمد شرارة؛ أبو الدكتورة حياة، وبلقيس عقيلة المهندس المعماري المعروف رفعة كامل الجادرجي، وخضر عباس الصالحي، والناقد المصري محمد مندور؛ زوج الشاعرة ملك عبد العزيز، والشاعر اللبناني رشيد سليم الخوري؛ المعروف بـ( الشاعر القروي)، وميخائيل نعيمة، والبير أديب صاحب مجلة ( الأديب) اللبنانية، والشاعر الصدّاح جورج صيدح، والشاعر المهجري الياس فرحات، الذي ما زال بيته الشعري الجميل يرن في سمعي:
إذا كانت الدولات عشرا ليعرب– فكم دولة تستوعب الصين والهند
فضلا عن مراسلات مع الأديب العراقي وحيد الدين بهاء الدين، وجعفر الخليلي،والجواهري الكبير، ونزار قباني، والدكتور صفاء خلوصي، والأديب الأردني روكس بن زائد العزيزي،و،و…
برحيل ناجي جواد يكون أنجال جواد كلهم قد رحلوا عن هذه الدنيا تباعا.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *