الرئيسية » ملفات » (الزمان) تنفرد بنشر أول كتاب غير مطبوع للمفكر عزيز السيد جاسم
منذ تغييبه سنة 1991 يعود بنتاج جديد: لماذا الفلسفة ؟(4) (ملف/11)

(الزمان) تنفرد بنشر أول كتاب غير مطبوع للمفكر عزيز السيد جاسم
منذ تغييبه سنة 1991 يعود بنتاج جديد: لماذا الفلسفة ؟(4) (ملف/11)

(الزمان) تنفرد بنشر أول كتاب غير مطبوع للمفكر عزيز السيد جاسم (4)

العرب يفتقرون إلى فلسفات واضحة تمنحهم عالماً فكرياً قائماً بذاته

منذ تغييبه سنة 1991 يعود بنتاج جديد … لماذا الفلسفة ؟

وهناك المدينة الفاضلة (يوطوبيا) (Utopia) لتوماس مور 1516 وكذلك (مدينة الشمس) (City of The Sun) 1623 لـ (كامبانيلا) (Campanella) اللتان انشغلتا ببحث القضايا الاقتصادية ومعالجتها.

ان الانسان سيظل ابدا باحثا عن الفردوس الأرضي، والسؤال الان هل ان مطامح الانسان ورغباته واماله ستظل مجرد مدن فاضلة واوهاما وعمارات من رمل ام انه سيجد لها صدى في عالم الجد والعمل والتطبيق؟

ان جواب ذلك متروك للأجيال وللتاريخ وعلى كل فالفلسفة ستلعب دورا هاما في الإجابة على ذلك السؤال مهما كانت نوعية الجواب وطبيعته.

السفسطة طريق الى المدينة الباطلة:

كما ان للعقل في جنوحه الى الوهم والخيال مدن فاضلة، فكذلك هناك مدن باطلة، ولكنها في عالم الواقع، حيث ان بعض الفلاسفة يحاولون قطف ثمار مطامعهم ومصالحهم فسخروا فلسفاتهم كلها لخدمة جاه زائل او طبقة معينة او فئة محدودة ابتغاء مرضاة السادة وأصحاب السلطة، فجاءت فلسفاتهم بعيدة عن العمق حيث انها سطحية تناقش الأمور نقاشا مظهريا بعيدا عن لب الحقيقة وجاءت بعيدة عن الاصالة حيث ليست لها جذور اجتماعية عريقة وليست لها مقدمات تولدها بتلك القوة والنماء، كما وانها تحاول استغلال بعض وجهات النظر الشائعة او المقبولة او تحاول ان تسرق عبثا مكاسب العلم والاختراعات لتجعلها في صفها ولتحوز كل ما من شأنه ان يمدها بالزاد حتى تستطيع ان تخلق مجالات وصولية واضحة لاصحابها الذين يسمون زورا فلاسفة او مفكرين، ولا تغيب عن بال احد (المكافيلية) التي كانت وسيلة لنيل السلطة وتحقيق شهرة الحكم، ان امير (ميكافيلي) لو شخصناه فلسفيا لقلنا بأنه درب من دروب تلك المدن الباطلة.

ان الإنسانية اعمق وارحب وانبل وارفع من كل مجد وقتي زائل.

ان الفيلسوف الباحث عن الشهرة والصيت الذائع ليس فيلسوفا بحق، فهو بهذا يؤكد على ان الأدوات التقليدية التي جاءته موروثة من اجداده ومن البيئة التي ترسم في اجسادنا رسوما منوعة للتذكير لاتزل موجودة ولم يقض عليها، ان الفيلسوف الحقيقي يهب وجوده ونفسه للإنسانية، وذلك البذل والعطاء المتزايد الذي لا يعرف التوقف انما لا يتم ببساطة وسهولة ويسر بل يتم عبر حلقات معقدة من التجارب والخبر والرؤى والعمل، ان انانية الفرد وشهوانيته ليست بالامر البسيط والسهل العادي الذي بمستطاع المرء ان يقمعه او يزيله، ان ذلك الرأي يحوي من المغالطة والخداع الكاذب مالا يترك مجالا لناكر في البرهنة والتثبيت، ان الانانية لن تزال من الانسان اطلاقا وانما من الممكن ملاشاتها عبر المسخ المستمر لها في بحر الحياة الاجتماعية الزاخر بكل صالح وعام وهادف.

ان الفيلسوف عندما يريد ان يذيع فلسفة ناجحة متكاملة لابد ان يرى شطحات فلسفية وزلات وهفوات بعيدة عن محتوى فلسفة الاجتماعي، وما تلك الشطحات الا تأكيد لانانية الذات ومطامعها التي لم يتمكن الفيلسوف من قمعها نهائيا الا بعد فترة من المعاناة والتطهير والتطعيم بكل ما هو خيّر ونبيل، ومع ذلك تظل للعبارات القديمة والسلوك البدائي والحيوانية القابعة في الأعماق بقايا تظهر في صفحة الفلسفة أحيانا كخطوط سود او رمادية تنفر ببروز من الوجه الفلسفي للفيلسوف. وتلك مآخذ تؤخذ على الفيلسوف الذي تسامى باعطائه نفسه للجميع وللتاريخ، فكيف بالفيلسوف الذي يعطينا نموذجا مكثفا ومركزا من الشعوذة والهرطقة والمطامع والفجور والتهافت الدنيء؟ انه حتما يستحق لعنة الأجيال الأبدية ولعنة التاريخ القاهرة التي لا ترحم، ان أولئك الفلاسفة قد يفرضون على تاريخ الفلسفة قسرا ان يذكرهم ويشيد بفلسفتهم مستغلين وجود مؤرخين نفعيين راكضين وراء الهبات والعطايا والصدقات والأجور، لكن التاريخ ينطق ولن يكون كلامه الا حكما صريحا قاسيا لا يعرف المجاملة ولا الالتواء ولا المساومة، ان اشباه الفلاسفة الذين هجروا جادة الصواب ونعيم الكرامة الجماعية الوارف الظلال لن يتمكنوا مهما بلغوا من الشطارة في النصب والاحتيال واللصوصية من نيل شرف اللقب العظيم الذي لايناله الا من قدم حياته واعصابه وعواطفه وجهوده وكل ما ملكه قربانا لهذا الشرف الذي لا يعدله شرف ولا يشبهه امتياز او رفعة.

قلنا اذن ان هؤلاء لم يستطيعوا أولا التخلص من لوثة العادات الرديئة المغروسة في نفوسهم فبقوا ولم يبدلوا انفسهم ولم يطوروها ومن لم يبدل سلوكه ويهذب طباعه ومن لم يغير ذاته يظل بلا ذات ومعدوم الضمير والوجدان وغير جدير حتى بلقب انسان.

وبالتالي فهم نسخ مشوهة لا لون ثابت لها ولا شكل تتقلب من شاطئ لشاطئ وتبحث من باب لباب وتستجدي من كل مكان ومن كل حثالة لتعطي فلسفات تدعم مآربها الدنسة اللئيمة، والطريق في ذلك الى تلك المدن الباطلة التي يريدون ان يشيدوها ليكونوا ملوكا وهميين لها، طريق المغالطة الفلسفية (السفسطة) وأول ما يستعملون بهذا الخصوص (الخداع المنطقي) مستغلين ما لديهم من براعة في المنطقية وذرابة لسانية تمكنهم من الاستهانة بالحقائق واللجوء الى هذا التزييف السريع الذي لا يتورع عن كل الوسائل من اجل تحقيق الكسب والفوز الجدلي بأي ثمن وصورة، والحوار الذي لا تربطه صلة بحقائق او بديهيات هو كل سلاحهم الشائن من اجل جمع الثروة، وقديما نشأ السفسطائيون كأنتهازيين عمدوا الى المراوغة الكلامية والدس الكلامي ليستطيعوا جمع المال كأسمى غاية وهدف لديهم، انهم لا يؤمنون بحقيقة غائية ولا بمقاييس ولا بنظم بل جل ما لديهم من اقيسة معتمد في حد ذاته على ملابسات معينة يستعملونها بكثرة، فهاك احدهم مثلا وهو يتحدث مع شاب في ملعب انه يقول له:

– هل ابرهن لك على ان اباك كلب؟

– وكيف ذلك؟

– هل عندك كلب؟

– اجل.

– هل للكلب جراء؟

– نعم.

– اذن فالكلب أب

– بكل تأكيد

– اليس الكلب لك؟

– بلى

– اذن الكلب هو اب وهو في نفس الوقت لك فالنتيجة ان الكلب اب لك. ولقد ذكر الأستاذ محمد جواد مغنية ان علماء الكلام قسموا السفسطائيين الى ثلاث فئات الأولى (العنادية) حيث تنكر الوجود وكل ما هو موجود وتعتبر هذا كله من قبيل الاخيلة والاوهام. والثانية (الضدية) حيث تجعل الفرد مقياسا لكل شيء اما الثالثة فهي (اللا ادرية) وتشك في كل شيء، واسلوبها الشك لدرجة انها تشك في شكها.

ويعتبر (بروثاغوراس) من كبار السفسطائيين وقد ولد في أبديره وهرب الى صقلية وغرق في اثناء قراره، وكان فراره نتيجة لاتهامه بالالحاد والكفر لانه هو القائل بان (اما فيما يتعلق بالآلهة فلا استطيع ان أقول انهم موجودون ولا انهم غير موجودين ذلك لان الموضوع نفسه غامض والحياة قصيرة لا تكفي للبحث في هذه المعضلة). ويعتبر بروثاغوراس من أوائل الذي ابتدأوا بالبحث في النحو وقال ان العقاب لا يستهدف الانتقام بل الردع والمنع واكد على ان الانسان هو مقياس قيم الأشياء.

والمعروف ان بروثاغوراس كان يتقن فنون الخطاب، وكذلك من السفسطائيين آنذاك، ان السفسطة في بداية نشوئها كانت ضرورية لانها تزيد من قوة الفلسفة ومراسها وتوطيدها. ان السفسطة آنذاك كانت خطوة لابد منها اما الان فأنها تمثل (الاحلاف) وتجعل من الفلاسفة قنا يملكه سيد متحجر ابله.

ان الفلسفة الان مدعومة بالعلم تقف على ارض صلبة وليست هشة ولذا فأن كل الاشكال الفلسفية التي تلجأ الى المماطلة والتسويف والرياء والسرقة مستغلة ما يسهل طريقها من قوة بلاغية واستعارات تشبيهية معينة لن تقوى على خوض المعركة لان مكانها ليست ساحات الوغى الجدلي بل مكانها ابار النسيان حيث تطمر هناك مجهولة منسية فالناس لا يبحثون عن فلسفة تبعدهم عن حقيقتهم وواقعهم المعاشي، وان هذه الفلسفة حتى وان كانت طريفة مشوقة تستعمل أسلوبا لطيفا قد يستحوذ على الالباب، لكن ذلك كله لوقت قصير جدا وسرعان ما تتهاوى تلك الفلسفة وتلك السقطة الكبرى هي مصير كل فلسفة شعارها البحث عن اقصى المنافع والمطامع الفردية. وتلك المدن الباطلة سوداء يزدريها المؤرخون، ونحن ما موقعنا بين هذه المدن والمدن الفاضلة التي لا وجود لها الا في الخيال طبعا موقف واحد هو الصحيح، هو ذلك الموقف الذي يعمل من اجل ان تصبح الأرض فردوسا بالبناء والتعمير والتجميل.

اللا فلسفة:

الفلسفة وكما هو شائع ومعروف تسعى لحل مشكلات العصر حاليا، ولا يتم هذا الحل بسذاجة بل في سلسلة من التتبعات والترصدات ومجموعة من البحوث القصد منها فهم حقائق الأشياء لان الفهم الصحيح يقودنا الى اجوبة صحيحة للمشكلات اما الفهم المخطوء فيسلمنا الى دروب مظلمة ومتاهات لا توصلنا الا الى التخبط وعلى هذا الأساس ظهرت الفلسفات بين مادية ومثالية وانقسمت الى فرق وأفكار ومذاهب ومبادئ شتى اختلفت وسليا ولكنها متفقة أصلا على البحث عن (سعادة الانسان).

ولكن نسمع بين حين واخر نشازا يقول: مالنا وللفلسفة. ان الفلسفة تعقيد ونحن نروم الهدوء والبساطة، فلنعش هذا العمر دون ان نورط انفسنا في اسلاك الفلسفة الشائكة التي تخلق مشاكل جديدة وآلاما جديدة!!

هذا هو ما نسمعه، ويردده البعض عن علم والبعض بدون علم، فأما الذين يرددون هذا القول بلا علم فهم معذورون لانهم لا يدركون بالسليقة انهم أناس ويقتضي الحال ان يكونوا انسانيين، ونظرا لعوزهم لهذا الادراك فهم يفضلون ان يحيوا هكذا بدون بحث واهتمام الا شيء واحد لا ينسونه هو القوت الذي يشغل كل حواسهم وكل تفكيرهم.

ان الذين يعلنون عداءهم للفلسفة عن علم فهؤلاء نستطيع ان نسميهم حملة فلسفة (اللا فلسفة). ان القرن العشرين جعلنا نقول بكل ثقة من ان التنظيم يسود كل شيء، يسود المجتمع والأفكار والاحاسيس والنفس والذين يشتون عن التنظيم متقصدين يعني انهم يحاولون إيجاد طرق تفكير جديدة تتلاءم مع مآربهم وطبيعة تكوينهم.

فمثلا يقول شخص ان المتعلمين والاذكياء السائرين في طريق الفلسفة يعانون آلاما عسيرة، انهم لا يأخذون الشيء كما هو بل يسألون عن ماضيه وظروفه ومستقبله وطبيعة تكوينه وكيفية وجوده.. الى اخر ما يمكن من الاستفسارات والتساؤلات، فهذا يعني الاما جديدة لهؤلاء الاذكياء ومتاعب ذهنية ترهق اعصابهم واجسامهم وبالتالي تسبب لهم اما انفجارا في الدماغ او ضعفا في الاعصاب ومن ثم عمرا قصيرا، اما الشخص العادي فأعصابه مستريحة وعقله هادئ وكل شيء متوفر لديه والموت يساوي بين فيلسوف وجاهل!

وفي الحقيقة ان مثل هذا المنطق لا يحتاج الى جواب فالاجوبة لن تكون الا للافكار الحية اما الأفكار الهامدة التي تحاول عبثا ان تشغل لها حيزا فهذه لا يجب الاعتزاز بها والمتاجرة معها، ان الانسان هو ابن المشقة والالم، اولم يأت الى الوجود نتيجة تقلصات عنيفة والام بلغت الذروة ومنتهى الضغط والايلام في جسد امرأة؟

وبعد ان صار طفلا هل تعلم المشي مباشرة ام انه بذل الجهد تلو الجهد يحبو ويقع وينهض ويتألم حتى استطاع ان يقف على قدميه ويسير؟ لو لم يتعب العقل الإنساني لما وجدت الانسجة والقماش ولا الملابس التي لبسها ويلبسها أعداء المعرفة.. ولو لم يتعب العقل الإنساني ويتألم ويسبب لصاحبه الشقاء والحرمان لما سمعنا الأغاني ولما بنينا العمارات ولما.. ولما..

ان في العالم اخيارا واشرارا، وكذلك الفلسفات فيها الخيرة وفيها الشريرة، والعقل الواعي يسند الفلسفات الخيرة ويقدر الجوانب النافعة منها، وكذلك يلعن الفلسفات الشريرة البغيضة، ولن يستطيع متعلم مدرك ان يقف حائرا صامتا لا ينطق ولا يعمل ولا يقرر موافقته او عداءه، فالمخلوق الحي يتمتع بخاصية التفاعل التام مع كل ما يحيطه أفكارا او مواد، اما العزل بين الكائن والاشياء التي تحيطه فهو مفتعل ومصطنع ووقتي ووراءه تكمن حقيقة ما.

وبهذا فأن (اللافلسفة) عندما ينطقها شخص مطلع اطلاعا علميا حسنا فأنما يحاول تحت هذا الستار امرار أخطاء معينة او الحد من نشاط فلسفات معينة، وغالبا ما تكون لاوساط معينة مصلحة كبرى في لقاء الجهلة ومحاربة الفلسفة حتى يتمكنوا من ان يفعلوا ما يطيب لهم بدون رقيب يحاسبهم ان لديهم فلسفتهم الوحيدة التي يقرونها ويؤمنون بها ولا يريدون لفلسفات أخرى ان تعايشها انهم لا يطيقون هذا ولانهم لا يؤمنون بالمباراة الفلسفية الحرة، وتحت دعاوى (اللا فلسفة) تمضي فلسفتهم كما تريد او تشاء، ولكن ذلك لا يستطيع ان يمكنها من السير لمدة أطول لان كل ما لا يأتلف مع الحقائق والتطور يفشل وينهار حتما.

وهناك من يقول ان الفلسفة جنون مطبق وبان الفلاسفة يعيشون انفصاما عقليا ويحلقون في أجواء غريبة لا صلة تربطها بعالم الواقع والاحساس، لذا تبدو اقوالهم اقرب ما تكون للهذيان والهذر الذي لا طائل من ورائه وهم يعدون هذا موضوعا للتندر والنكاية والسخرية المريرة، دون ان يدركوا خطورة ما قاموا به من تصرف مخز فالفلاسفة لانهم اكثر بني جنسهم ذكاءا وبعد نظر وامعانا فأنهم يسبقونهم الى ادراك الحقائق وفهمها ويعطون التحليلات والتفسيرات اللازمة على الاستجابات الانعكاسية لها، ومن المفهوم ان الانسان المتوسط والقليل الثقافة يعتبر ذلك نأيا عن الواقع وانفصالا واضحا عنه ونادرا ان نجد مثقفا يتهم الفلاسفة بالجنون، وقد يوجد بعض الفلاسفة وهم مجانين حقا او ينخرطوا الى عالم داجٍ من جنون فظيع بعد ان قطعوا شوطا طويلا من الهم والتفكير والاحتراق، ان الجنون أحيانا يكون نتيجة لانعدام كل الوشائج وروابط الانسجام بين العقل والواقع فيظهر العقل متنافرا تنافرا تاما مع الواقع وهنا فأن جنونا كهذا ليس مدمرا او مؤذيا بل هو مظهر من مظاهر السخط المكبوت والشك بالتشكيلات الحياتية وقوانينها السائرة بنمط خاص.

ان الاتهامات والطعون التي توجه الى الفلسفة يمكن تحديد معقوليتها او عدمها من معرفة طبيعة الجهة او المصدر الذي تصدر منه، والغاية من مهاجمة الفلسفة مهما كانت مبطنة القصد منها إبقاء الانسان عاجزا حبيسا في حدود الخمول واللا وعي والجهل المطبق.

ان الفلاسفة على اعتبار انهم هم اول من فتحوا دروب المعرفة واناروها بمصباح (ديوجين) السحري ليستحقون من الناس والدولة كل رعاية وتشجيع وعناية فائقة، وان القاء شبهات معينة على الفلسفة ومن ثم محاولة اظهارها بصورة البلبلة الفكرية المشوشة ان هو في الحقيقة عملية اغتيال واسع النطاق للمعرفة والفلسفة والعلم والخير، وعلى هذا فأن (اللافلسفة) هي مفهوم فلسفي معين له ابعاده الخاصة وغايته الثابتة، ولكن تيار فلسفة (اللافلسفة) اختار طريق الاستخفاء والكمون والعيش في الظلال نتيجة لضعف بنوده وفقر دمه من الناحية الفكرية ونتيجة لعدم واقعيته او رصانته او ايجابيته، انه طريق العاملين في الظلام والذين تخشى ابصارهم الرضوخ وتخاف عقولهم الصراحة والجرأة.

لذا فأن هذا التيار متقلص وضئيل ومحكوم عليه مقدما بالموت لاهتمامه بتقوية كيان طبقة او فئة او جماعة شائخة متزعزعة هابطة الى مقابر التاريخ الفاغرة افواهها لكل مبتذل ورخيص ولا انساني.

ان اتباع هذا التيار ليسوا من الناس العاديين المتعلمين بل هم من أولئك المتنفذين او المتربعين على كراسي الشهرة والمطامح والطموح الدنيء، أولئك الذين يتصرفون وكأنهم مؤمنون بأزلية حياتهم وخلودها دون ان يعوا بأن الأرض التي ترفع كراسيهم تتزعزع لانها متفسخة لينة.

ان اختيارهم طريق اللافلسفة من اجل خلق مجلس معين تعبر منه أفكارهم الضالة والشاذة قد يمكنهم من نيل مكتسبات وقتية لكن بأي حال سيكلفهم الكثير وسيذكرهم التاريخ مجللين بالخزي والعار الابدي عار العداء الاستبدادي للعلم والمعرفة والحكمة، اما أولئك المدافعون الأمناء الذين يعشقون المعرفة وينهلون من منبع الحكمة العذب والذين لا يعرفون المداورة والسفسطة والتلون والانهزامية، فهؤلاء هم الجديرون بتقدير التاريخ وتقدير الإنسانية البارة بأبنائها الوفياء.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *