الرئيسية » نقد » ادب » أحمد الشطري : قراءة تأملية في مجموعة (حزنخانة) لعلي مجبل المليفي

أحمد الشطري : قراءة تأملية في مجموعة (حزنخانة) لعلي مجبل المليفي

قراءة تأملية في مجموعة (حزنخانة) لعلي مجبل المليفي
أحمد الشطري
في مجموعته الشعرية (حزنخانة) الصادرة عن دار المثقف في بغداد عام 2018، تشكل الذات بؤرة إيمائية ينطلق منها الشاعر علي مجبل نحو الفضاءات الأخرى، فذات الشاعر المحملة بالهموم، هي مرآة عاكسة لما حولها من انفعالات منفعلة ومتفاعلة معها، فالذاتي عند علي مجبل هو في الحقيقة موضوعي، يستمد صوره مما يبصره من مشاهد حياتية غالبا ما يشغل الحزن والقلق الحيز الأكبر فيها، ولذلك نجد الشاعر كثيرا ما يلجأ الى استدعاء الماضي البعيد كمحفز استنهاضي، يعبر من خلاله عن احساسه بالخيبة مما يزخر به الواقع من مآس، او انه يستخدم اسلوب النداء المغلف بالشكوى؛ للتعبير عن المرارة التي تعتصر قلبه من مظاهر البؤس والخسائر الفادحة التي تواجه محيطه؛ وهو يكاد أن يكون سمة غالبة في شعره، والنداء عند علي مجبل يتوجه نحو عدة جهات، لعل اكثرها حضورا هما (الله والوطن)، وكلا المناديين يختص بموجبات النداء الموجه اليه، فعندما يكون الهم اكبر مما يحتمله الشاعر، او ان حالة من القنوط تغلق نوافذ الامل في نفش الشاعر، يكون اتجاه النداء نحو المصدر الغيبي، الذي يبدو ان حضوره في نفس الشاعر يمتلك قوة راسخة، واعتقادا مرتكزا بان انفتاح نوفذ الامل يحتاج الى فيض خاص، هو وحده القادر على افاضته، بسبب العتمة المهيمنة على الواقع؛ ولذلك يجسد ذلك النداء منحيين: احدهما عمودي باتجاه السماء، والاخر افقي تحريضي باتجاه القوى الفاعلة في المجتمع، ورغم ان المنحى الظاهر للنداء هو التشكي المحض، الا ان ما يستبطنه هو الدعوة للخلاص من الواقع المرير:
“الهي إله النفاطين والعتالين
إله كدحة الجنائب و(العماريات)
إله الذين تركو ايامهم تلبط كالمرايا في شرق البصرة
إله الراضين ولو بلكزة عصا من الخليفة

لم يكن جلجامش وحده ارتقى العاصفة
ها هم احفاده ملأوا العنابر
سليلو الألم المحمول”
اما النداء الآخر والمتعلق (بالوطن) فإنه يحمل منحى اخر، منحى محملا بالتحدي و التذكير بجملة من المحفزات التاريخية والآنية:
“ايها الوطن الذي طينته الليالي
واغرقه الجفاف
لبيك يا امام التخوم
وسيد المنحنى
ها هم مريدوك قد نبتوا في جبين الوقت ناظرين…”
وهناك سمة اخرى من سمات شعر علي مجبل في مجموعته هذه هي: التساؤلات التي تكاد ان تهيمن على اجواء معظم قصائده، هذه التساؤلات التي تشابه بعضها الى حد ما، مسارات النداء ات التي اشرنا اليها في ما سلف، بينما بعضها الآخر يظل باحثا عن اجابة لا تجيء:
“اين عمرك الذي مزقته الساريات”
” هل ارى وجهَ عليٍّ وهو يقدح الثورة في صرائف التاريخ”
” أيكفي ان نزرعكم نهرانا على قمصاننا
وجداول في دفاتر الرسم
ملعون من كسر فجركم برصاصة”
يكاد ان يشكل الوطن المحور الذي تدور حوله جميع قصائد الشاعر، سواء بشكل مباشر او بالإشارة الضمنية، وسواء كان مبشرا بالوطن المرتجى، او متفجعا على الوطن النازف :
“ايها الوطن نحن الجنوب
كم انتظرناك طويلا ولم تأت
سمعناك تحتفي بالاسى
وتترك المعنى بلا أجنحة
سبحانك ولا لدينا سواك
قف ليتاماك وهم ينجرفون
قف لأرملاتك وهن بلا جهات
قف لنفسك وانت تنهشك الخرائط”
لعلنا ومن خلال قراءتنا لمجموعة علي مجبل هذه سنلمس ان للشاعر لغته الخاصة التي ينحت تراكيبها من المفردات المتداولة؛ لتكتسب شكلا جديدا وابعادا عميقة برمزيتها، فهو يجمع بين الجملة البسيطة في اشارتها، والجملة المركبة في دلالتها فن امثلة الأولى قوله:
” هذي دروبك يا وطني
ينزلق الفقراء منها
وتسيل من فمها الاسلحة”
بينما نجده في لوحة اخرى مفعمة بدلالاتها البعيدة يقول مخاطبا امه الراحلة :
” قومي لنعلق الغيمة في خاصرة الليل
ونترك الناي ينزف على جسد المغيب”
ومن خلال هذه الصور سنلحظ تشكل ثنائيتين تصبان في راف واحد، فالليل بظلامه الموحش في غياب الام يستدعي البكاء والذي يأخذ صورة الغيمة، بينما يتماهى صوت الناي الحزين مع الصورة الحزينة للمغيب بكلتي مدلولاتها ( مغيب الشمس او مغيب وجه الأم)، ونلاحظ ايضا ان هاتين الثنائيتين تتحدان في اتحاد المدلولين المقابلين: فصوت الناي والغيمة(الدمع) يعبران عن الحزن، بينما الليل والمغيب يمثلان الاحساس بالوحشة، وكلا الخطين يرسمان بالنتيجة صورة (الشاعر) الطفل، ازاء حضن الام الذي يجلب الطمأنينة والأمان.
ان القصائد التي تضمنتها مجموعة (حزنخانة)، تحمل العديد من المميزات التي تشير الى عمق ورسوخ تجربة الشاعر علي مجبل، وقدرته وتمكنه بأسلوبه المميز على تقديم فن زاخر بجمالياته المتفردة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *