الرئيسية » ملفات » محمود فهمي عبود : الإبداعُ الجديدُ لن يأتي إلا بقليلٍ منَ الجنونِ (ملف/6)

محمود فهمي عبود : الإبداعُ الجديدُ لن يأتي إلا بقليلٍ منَ الجنونِ (ملف/6)

محمود فهمي عبود : الإبداعُ الجديدُ لن يأتي إلا بقليلٍ منَ الجنونِ

الفرح في لوحات الفنان محمود عبود فهمي ليس مجرد احتفالية نعيشها فحسب، بل ربما تكون رؤية مستقبلية لا بد من الترقب منها.

ينتمي هذا الفنان الذي عاش حياته في روسيا وأوكرانيا والنرويج والإمارات العربية لمدرسة مفتوحة لا تقيده، انها مدرسة الابداع، والابتكار؛ لانّ الوظيفة الانسانية للفن تجعله يتفوق على قيود اللوحة الاعتيادية.

درس على يد فنانين اوكرانيين وروس كبار وتدرب على أصول المدرسة السوفيتية المعروفة بأصولها الفنية الصارمة.

عمل تدريسياً في النرويج عام 1999 الى عام 2002 وبعدها باشر العمل في الامارات بتدريسه لمادة الرسم في معهد الفن الخاص، ومراكز الأطفال والفتيات في الشارقة يتعامل مع المطبوعات في رسم القصص للأطفال من خلال الأسلوب والطريقة ليخرج بانطباعاته الجديدة في التجربة المعروضة، ويحقق الهدف من نشر الفن وتداوله بين الجميع للارتقاء بالحس والذوق لدى الإنسان في كل مكان.
أعماله أقرب ما تكون إلى السرد القصصي فهي تدخل المشاهد في قلبها وتجعله يتفاعل معها سواء بالضحك أحياناً أم بالبكاء في أحيان أخرى ومرة أخرى بالحزن أو بالفرح المختبئ، بحسب قوله، الصباح الجديد التقت بفهمي، وكان لها هذا الحوار معه:

في لوحاتك تجسيدٌ لفاجعة اسمها «العراق» مع أنك بعيد الآن عن أرضها؟

-أعمالي هي المسار الارتجاعي لهذه الفاجعة، فخلف كل بهجة وفرح يراه المتلقي، هناك قصة من الحزن والدموع تختبئ تحتها، أنا أترجم أحزاني بالفرح وبكرنفال من الألوان ولكنها تخبرك بيوم أمس الحزين.. لا يمكنني تحمل أن يشاركني الناس حزني أو أجبر ارتكاسات الوطن عنوةً باسقطها على العمل مباشرةً.

العودة إلى الطفولة بما فيها من بهجة ولعب وقفز وبالونات ملونة وطائرات ورقية وكرات الدعبل، وأحياناً شعاع شمس جميل على جدران المنازل الآمنة في صباح بغدادي كما في لوحة «صباح الجمعة»، كل هذه الرموز تعني انك عند المنعطف الذي يداهمنا بوقاحة هو منعطف الموت والفاجعة التي مرت بعدها.. إنها استذكار للحظة جميلة بل إن رمزية الصباح الباكر أو المساء وآخر شعاع للشمس يسقط على الجدران هي تحمل تلك الرمزية لاقتناص حقبة وجيزة أو دقائق قليلة جميلة ويكون المساء قد حل.. وجسدتها في لوحة خاتون دجلة..

نعم أنا بعيد عن أرض هذه الفاجعة فقط في المكان ولكن أنا عشت الفاجعة بعينها أيام حرب الخليج الأولى وعذاباتها والخوف من نظام بوليسي كان يرعب حتى القطط والكلاب السائبة في الشارع، وأصبت فيها اصابة بالغة بجروح ما زالت مطبوعة في وجهي وجسدي وتحاورني في المرآة كل يوم، وبعدها حرب الخليج الثانية التي عدت منها سالماً من الكويت باعجوبة مشياً على الأقدام حتى منزل طفولتي الأولى، يوم وصلته ليلاً في يوم معتم بلا كهرباء وأنا أمر بالحارات أتذكر أيام لعبي ولهوي ونوم السطوح الجميلة في حين يلفك مشهد الكلاب النابحة في صمت رهيب، أبحث عن بيتي في ذلك الظلام الدامس من آذار عام 1991.. أنا أرسم لوحاتي بلحظة الرجوع دوماً بعد أن انتهت الحكاية الأولى أكملها بالحكاية التي تعود بك إلى الطفولة وتذكر زوايا الحارة والجيران وصعاليك المحلة كلهم يمثلون حلماً جميلاً أرسمه بلوحاتي وأنسى قساوة المشهد حولي ولو للحظات، انها الرغبة في الحياة..

ما الذي يدفعك لاختراق حاجز الصمت في اللوحة، الذي يُمعن في لوحاتك كأنه يصغي إلى أصوات أيضاً؟

-أعمالي أشبه ما تكون بالسرد القصصي، فهي تدخل المشاهد في قلبها وتجعله يتفاعل معها سواء بالضحك أحياناً أم بالبكاء في أحيان أخرى ومرة أخرى بالحزن أو بالفرح المختبئ.. كلّ بحسب تصوراته فلكل إنسان له عواطفه وذكرياته التي أحاول أن أستيقظها وأستفزها لكي تتكلم وتتفاعل مع اللوحة. أهتم بتفصيلات كأنها خارج موضوع اللوحة للوهلة الأولى، ولكنها بالحقيقة تتفاعل معها، وذلك ما يجعلها كأنها ضجيج من الأصوات وقهقهات أولاد الحارة أو أصوات كلاب وقطط، لأنني أخشى أن تكون لوحتي مملة أو قطعة قماش ساذجة معلقة على حائط.. أحب الأعمال التي لها موضوع يخبرك عن البدايات ويضعك في المشهد بقوة ثم يجعلك تسأل، وبعدها يتركك في منتصف الطريق ولا يجيبك عن كل الأسئلة، لكي لا يفقد العمل سحره، كما يسألني الكثير من الأصدقاء والصديقات عن ماذا تعني لوحتك هذه؟ ممكن أن تشرحها لنا؟، أقول لهم العمل لا يفسر ولا يشرح بقدر ما هو إثارة لسؤال واستفزاز ينتهي بالذهول أحياناً، وهذا هو سر العمل، لكي لا يفقد سحره في النهاية وتكون مجرد أصوات لا معنى لها..

ماذا عن جسد المرأة الذي صورته كثيراً.. ومتى تطلق سراح هذا الجسد العاري؟
-أنا أتعامل مع المراة ككائن يلهمني دوماً، لذلك لا أدعه يفلت من مني أبداً، أراقبه دوماً وأتمتع بجماله كل لحظة.. أنبهر به كما لو أنني آراه لأول مرة.. لولاه لما استطعت أن أتابع حياتي، أنا أراها يوماً سندريلا أو أليس في بلاد العجائب كما في أحلام الطفولة أو شهرزاد في أحيان أخرى، وأراها مرةً أمي الرائعة، قد لا أرسمها بنحافة سندريلا كما في أعمالي الاخيرة ولكنها هي باقية وقد تعود كذلك بعد مدة، أنا أطلقت جسدها العاري في أعمالي كثيراً أيام الدراسة وبعدها، الجسد لغة فائقة الجمال وأداة تعبير تحاورك وهي صامتة، لو كان بيدي لرسمتها عارية دوماً ولكن المحظور الذي يراقبك أبداً لن يعطيك تلك اللحظة ولكن سوف أراقبه أنا بدوري، وعند غفلته للحظة سوف أطلقه ولن أفوت تلك الفرصة فائقة الجمال..

ما الشيء الذي تتردد أو تخشى الخوض فيه تشكيلياً؟

-هناك الكثير الذي أخشاه لدرجة الاحباط، الحرية لا يمكن الاستغناء عنها في كل الحالات الابداعية هي تجعلني أحلق وأسبح في تلك الفضاءات الجميلة ولكن الخوف والخشية من المحظور تضع الفن في مزبلة الى حد الملل، وتجعل الفنان وكأنه كائن ساذج أو صباغ حائط بأجر يومي… هذا ما أخشاه بأن تكون أعمالي في تلك الخانة.

أحب الجرأة في العمل الفني وأحترم كل المبدعين الجريئين ليس في الفن التشكيلي وحده بل في كل مجالات الابداع، إنهم الانطلاقة الأولى دوماً لأن الجريء هو أول من يخبرك ويقف في وجهك أحياناً ويقول لك أنا لا أخشى أحداً، ولكن يبقى الشيء الأكثر الذي أخشاه وما أزال في الفن هو السياسة لا لخوف من شيء بل لأنها متقلبة وتضعك في خانة تفقدك التوازن وتؤرقك وفي النهاية تخسر الكثير في مشوارك الفني القصير، أتطرق لها بصورة غير مباشرة لكي لا يتهدم المشهد في اللوحة..

تهتم كثيراً بالتشخيص مع أن عِظام الرسامين لا يحبذون هذا؟
-قد لا اتفق معك في هذا، لأن معظم كبار الفنانين اهتموا بالتشخيص حتى عمالقة الفن المعاصر مثل الفنان الإسباني بابلو بيكاسو أو سلفادور دالي كان التشخيص حاضراً بل وفي كل أعمالهم ولو أخذنا المدرسة الرمزية مثل النمساوي غوستاف كلمت وأعماله مشهورة بتجسيد المرأة وكذلك الفنان الروسي مارك شاغال فأعماله تعتمد أساساً على التشخيص وفي المدرسة التعبيرية هناك مثلاً الفنان النرويجي إدوارد مونخ وهو من كبار الفن الحديث في بدايات القرن العشرين كان التشخيص أيضاً عنصراً أساسياً في أعماله الابداعية مثل لوحة الصرخة المعروفة والكثير الكثير غيرها، اما الذين لم يشخصوا في أعمالهم نعم هم موجودون ولكن لا يشكلون ظاهرة طاغية على ما ذكرت هم المهم جاؤوا بشيء جديد وهذا أهم عنصر ارتكزوا عليه أي قالوا لنا اننا يمكن أن نصنع الجمال ولكن من دون تشخيص ومعظمهم ممن تأثر بالفلسفات التي ظهرت في نهايات القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين مثل فاسيلي كاندنسكي وخوان ميرو وغيرهم الكثير الذين جاؤوا بعدهم.. وأنا لا استغني عن التشخيص وخصوصاً لغة الجسد لانها أداة تعبيرية رائعة لا يمكنني الاستغناء عنها أبداً..

مكثت طويلاً في روسيا وأوكرانيا والنرويج.. ماذا أضافت البيئة الأوروبية اليك.. ولماذا فضّلت الإمارات مؤخراً؟

-تجربة الدراسة في الخارج والسفر والترحال أفادتني كثيراً في نضج تجربتي الحياتية والفنية، أضافت إليّ الكثير، انها أشبه بالولادة، هي عالم ساحر بكل أفراحه وعذاباته، أخرجتني من واقع الى واقع أكثر رحابة وتقبل للآخر، اما لماذا فضلت الامارات فالسبب الرئيس هو العمل وكذلك هو بلد لا تشعر به بالغربة هو أقرب إلينا في الكثير من الجوانب، هذا هو السبب الرئيس، كما أعتقد..

ماذا عن تواصلك مع التشكيليين العراقيين؟ وما تقييمك للمشهد التشكيلي الآن؟

-أنا في تواصل دائم مع الفنانين التشكيليين العراقيين هنا في دولة الامارات أو في العراق من خلال زياراتي المتكررة للعراق أو بالتواصل معهم عبر مواقع التواصل الاجتماعي المتوافرة، وأتابع أعمالهم وهناك الكثير من التجارب الفنية الواعدة والأساليب الفنية التي تثير الكثير من الدهشة والجمال ممن يفخر بهم العراق في السنوات المقبلة، وتشكل حالة من نضج فني واضح المعالم..
اما تقييمي للمشهد الآن، فأنا أعتقد ان العراق منجب للكثير من المبدعين وهذه علامة جيدة، ولكن… ولكن الخوف من التراجع هو هذا الزخم من الفنانين الذين يقلدون فنانين عراقيين أيضاً.. ولا سيما من الرواد المعروفين والكثير منهم لا يريد أن يخرج من عباءاتهم وتأثيراتهم عالقة بأذيالهم في حين ان الرواد هم أنفسهم جاؤوا بتجارب فنية أوروبية معروفة وقدموها لنا في باكورة القرن العشرين بل وقلدوا كبار فناني المدارس الحداثوية الأوروبية.. وهذه مسألة مهمة وخطيرة، يجب أن ينتبه لها النقاد التشكيليون بدل أن يغمروا الفنان بتعابير لغوية مبهمة لا تقدم ولا تؤخر، يجب الانتباه الى هذه الظاهرة، المدرسة التشكيلية العراقية تحتاج الى التجديد وما كان يعدونه فناً معاصراً أو حديثاً أصبح الآن فناً ليس حديثاً، العالم تجاوز الكثير من المحطات الفنية التي هي بالأساس وصلت لنا متأخرة في نهاية الخمسينيات وبداية الستينيات.

يقال: إن ليس على الفنان أن يرسم ما يراه.. بل ما سوف يراه.. هل رسمت لمستقبل ما؟

-أنا عندما أرسم لا أتعب لوحتي بالتفكير أتركها كما هي تتحدث عن نفسها لكي أتفقد سحرها، العفوية قد تخبرك بالمستقبل أو لا تخبرك أي كما قلتم، الفنان يرسم ما يراه وهذا الوصف أعتقد هو الأقرب الى أعمالي.

ما مدى تأييدك لاشتراط الجنون من قبل سلفادور دالي كصفة ملازمة للرسام؟

-نعم الجنون ليس بالمعنى المتعارف عليه ولكن الجنون بالسياق المجازي للكلمة هو صحيح وحقيقة، الخروج عن المألوف هو أبو الجنون لولا الجنون لما كان الابداع، الفكرة الجديدة هي أحلام لمجنون شغوف بالجديد والمشاكس الصدامي والذي بعد مدة سيصبح مألوفاً بالتأكيد، لانه لا أحد يريد أن يكون فنك نسخة من فنان آخر… يريدون الشيء الجديد المبدع، وهذا لن يأتي الا بقليل من الجنون..

فيمَ تُفكّر حالياً؟ وهل من عودة قريبة لوطنك؟
نعم أفكر في العودة ولكن لا أفكر بالعودة وأكون جالساً بلا عمل هذا ما أخشاه دوماً، أتطلع للعودة ان شاء الله باقرب فرصة اذا توافر لي عمل يتيح لي العيش والتفرغ للابداع. وفقا لما نشر بصحيفة الصباج الجديد العراقية .

*عن صحيفة فنون الخليج

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *