الرئيسية » ملفات » د . عبدالكريم السيد : محمود فهمي عبود .. واقعية غنائية تخاطب الوجدان (ملف/3)

د . عبدالكريم السيد : محمود فهمي عبود .. واقعية غنائية تخاطب الوجدان (ملف/3)

المبدع الكبير محمود فهمي عبود

محمود فهمي عبود .. واقعية غنائية تخاطب الوجدان
د . عبدالكريم السيد
جاءت المدرسة الواقعية رداً على المدرسة الرومانسية، فقد اعتقد أصحاب هذه المدرسة بضرورة معالجة الواقع برسم أشكال الواقع كما هي، وتسليط الأضواء على جوانب مهمة يريد الفنان إيصالها للجمهور بأسلوب يسجل الواقع بدقائقه من دون غرابة أو نفور .
فالمدرسة الواقعية ركزت على الاتجاه الموضوعي، وجعلت المنطق الموضوعي أكثر أهمية من الذات، فصور الرسام الحياة اليومية بصدق وأمانة، من دون أن يدخل ذاته في الموضوع، بل يتجرد الرسام عن الموضوع في نقله كما ينبغي أن يكون، إنه يعالج مشكلات المجتمع من خلال حياته اليومية، إنه يبشر بالحلول
مناسبة هذا الحديث، هي إقامة معرض مشترك في صالة مؤسسة سلطان العويس الثقافية في دبي، بعنوان “تراتيل بابلية” لمجموعة من الفنانين العراقيين المبدعين كل بأسلوبه، ومن ضمنهم، الفنان محمود فهمي عبود الذي قدم أعماله التي سنتحدث عنها . ولكن قبل هذا، سنتناول سيرة الفنان نفسه، خصوصاً أن معظم الفنانين العراقيين الرواد قد استلهم التراث وأبدع أروع الأعمال الفنية، ولكن عبود عالج التراث بشكل مميز ومختلف، لذا كانت أعماله بارزة في هذا المعرض الذي نحن بصدده .
بدأ محمود عبود منذ الطفولة متأثراً بتجربة أخيه الأكبر الفنان محمد فهمي الذي كان يشجعه ويوجهه ويمده بأدوات الرسم والكتب الفنية لينال الجائزة الأولى للرسم على مستوى العراق وهو في المرحلة الابتدائية، ما شجعه أكثر على الاستمرار، ولظروف خاصة تخرج في معهد التكنولوجيا في بابل، ثم التحق بالتجنيد الإجباري ليصاب في حرب الخليج الأولى والثانية، ما ترك فيه أثراً جسدياً وآخر نفسياً، وليذهب إلى أوكرانيا ليحصل على الماجستير في الفن بعد أن تتلمذ على أيدي أقوى الأساتذة الروس والأوكرانيين آنذاك، وليكتسب مهارات كثيرة، ساعدت موهبته الفطرية على أن يصبح من الفنانين البارزين هناك، إلا أنه اضطر للتنقل في أكثر من مكان في بقاع الأرض حتى استقر في الإمارات ليعمل في مجال التدريس، وكرسام لقصص الأطفال في المجلس الأعلى للطفولة في الشارقة، وبذلك أصبح لديه الوقت ليرسم ويبحث ويجرب، سواء عن طريق الخامة أو الأسلوب أو التقنية .
لقد كان في أعماله الأولى متأثراً بالمدرسة الواقعية الاشتراكية، بحكم وجوده ودراسته في ذلك الجو الغني بالموضوعات الواقعية التي تركز على الإنسان السعيد، رغم كل شيء، والألوان المبهجة الزاهية، وكان يستمد موضوعه من الموروث الشعبي الغني ويصيغه بأسلوبه الواقعي المتمكن كأكاديمي متمرس، محولاً إياه، أي الأسلوب إلى نوع من الواقعية التعبيرية، وذلك، في رأيي، لضرورة موضوعية أولاً، وللتركيز على ما يود طرحه ثانياً، ذلك أن محمود اهتم بالإنسان في جميع أحواله، كما أنه، كما قال في إحدى مقابلاته الصحفية: “أعتقد أنها تحولات وتجليات طبيعية للفنان، خصوصاً من قرر أن تكون حياته ديناميكية وتفاعلية مع المحيط، وأنا بطبيعتي أحب التجديد ولا أحب النمطية وأراقب نفسي كثيراً على ألا أكون فناناً مملاً أو متكلساً، وتنوع الأسلوب يأتي ضمن هذا السياق من حيث المضمون والرمزية والتقنية وطريقة الطرح، أحاول أن أستفز المشاهد بعملي ولا أتركه فقط يشاهد اللوحة وينساها بعد خطوات، الإبداع هو انبهار ودهشة وليس ديكوراً لغرفة، هذه فلسفتي في العمل الفني” .
نعود الآن لأعماله في معرض “تراتيل بابلية”، قدم محمود أعماله هذه والتي ترتكز على الحكايات الشعبية التي كان فناننا يسمعها حين كان طفلا، إنها ليست تلك الحكايات الأسطورية التي تتردد في كل بيت، بل هي حكايات واقعية أضيفت إليها بعض (البهارات) أثناء انتقالها بين الناس، وأغلبها يتحدث عن أناس معروفين لدى العامة ولهم قصة تراجيدية ما، كتلك المطربة التي أحبها الصيدلي وتزوجت غيره أو قصة الخاتون مسعدة وما مرت به وهكذا .
تمتاز هذه الأعمال إضافة لكبر حجمها، بأسلوب جديد للفنان عبود، حاول فيه أن يمزج واقعيته المستمدة من الحكايات الشعبية، في العراق وأماكن تعم جميع أنحاء العراق، مركزاً بألوانه المشرقة والمضيئة، ومبيناً كل التفاصيل، البيوت العتيقة، والشوارع الضيقة والأزقة المتربة، والسيارات القديمة، والناس الموجودين في هذه الأماكن بأزيائهم التي تناسب عصرهم، والأطفال بألعابهم البدائية، كل ذلك على ضفاف دجلة بمياهه الصافية، ولا مانع من وجود بعض الرموز الحيوانية مثل القط أو الديك لتضيف للمشهد بعداً أسطورياً، أو كما يسميه هو سحرياً . وكونه مشهداً يروي حكايات، إذا لابد من وجود أبطالها، فنجد في أغلبها “الخاتون” التي تجلس أحياناً على البيوت، أو التي تبرد أرجلها في النهر أو حتى تلك التي تطير في أعقاب ديك مشاغب، والخاتون هنا ليست المرأة المثالية الجمال، فإن حجمها هائل رغم وجود سمات جمالية في قسمات وجهها تنبئ عن ماض حافل وقصص تروى .
الفنان محمود فهمي عبود من الفنانين العراقيين الذين أخذوا جزءاً من التراث وصاغه بغنائية راقية مضيفاً إليه بعض الرموز التي تكسبه بعداً سحرياً غنائياً، حيث نحتاج لمثل هذه الأعمال في زمننا الذي طغى فيه الغث على السمين .

*عن ملحق صحيفة الخليج الثقافي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *