حيدر الكعبي : الشاعر الشهيد عبد الحسن الشذر (ملف/5)

عبد الحسن الشذر

حيدر الكعبي

 عبد الحسن الشذر

( 1952 ـ ?1981 )

[لمحة]

كان عبد الحسن عودة الشذر، المولود عام 1952، قد اختفى فجأة، وانقطعت أخباره حوالي عام 1981. وقبل ذلك، كان قد أصيب بكسور بليغة جراء حادث سيارة اضطره الى السير بعكاز حتى آخر أيامه. كنت قد قرأت له قصيدة “الرحلة نحو بروج الشمس” في (الثقافة الجديدة) أواخر الستينات. ثم التقيته عام 1971 في مهرجان أدبي اعتادت أن تقيمه سنوياً مديرية تربية البصرة. يومها ألقى قصيدته “ورقة من تقويم المنفى” التي أرفق هنا مقاطع مبعثرة مما بقي منها في ذاكرتي، والتي نشرت فيما بعد، مع بعض التعديلات من الشاعر، في (الثقافة الجديدة). وفي عام 1972، شهدته يقرأ “أسباخ على أجنحة النوارس”، المثبتة هنا أيضاً، على قاعة التربية بالعشار. وقد صرح الشاعر لدى إلقائه القصيدة بأنها مهداة الى عبد الخالق محجوب، الأمين العام للحزب الشيوعي السوداني. إلا أن القصيدة خلت من الأهداء المذكور عند نشرها في مجلة(الأقلام) عام 1973. وبالمناسبة، أود أن أشكر هنا الصديق القاص لؤي حمزة عباس لتزويده إياي بنسخة من القصيدة المذكورة. واستناداً الى ما ذكره لي الشاعر بعد اطلاعه على نسخة(الأقلام)، فإن كلمة “حماسة” الواردة في النسخة المذكورة خطأ صحيحه “حمامة”. وباستثناء هذا التصحيح الوحيد، فالنسخة التي أرفقها هنا مطابقة لنسخة(الأقلام). نشر عبد الحسن قصائد أخرى، منها: “الحدائق السرية” في مجلة (ألف باء)، و”المغني بشار” في (الطليعة الأدبية)، و”صعود أورفيوس الى باب المطهر” في جريدة (الفكر الجديد) وكذلك في كتاب شعري مشترك صدر بمناسبة ذكرى تأسيس الحزب الشيوعي العراقي. كما نشر قصة قصيرة وحيدة هي “الشارب الأصهب” في مجلة (العاملون في النفط)البصرية.

كانون الاول 03

أسباخ على أجنحة النوارس

لما خسر الزنج الفقراء المعركة الأولى ،
انتزعَ البحارة من جسدي أيقونةَ مَنْ أهواهُ ورائحة البحر
.. البرية ، صرتُ غريباً في البحر
والبحرُ غريباً صار ، حنى عينيهِ الماءُ حزيناً ، مثلي كان الماء
في البحر ، المحنة أن لا ساحل للنوتيّ المطرود
فكتبتُ لمحبوبي في صدر قميصي ما قد كان وما سيكون
وكتبتُ : يا محبوبي .. اطرحْ كفيك سواحلَ من دفلى
علقتُ قميصي فوق الماء
ودعوت طيورَ النورس مأخوذاً بمجيء الفجر ، لتحملَ
للمحبوب قميصي ،
مرتْ حاملةً أسباخ البحر إلى
الصحراء
الماءُ يعيد إلى كتفيَّ قميصي مكتوفاً ، أبيضَ
من يحملُ للمحبوب قميصَ النوتيّ ؟
مَنْ يمنح في هذا البحر الممتدّ لهذا النوتيّ المطرود طريقاً
للبر ؟
مَنْ يحملُ جثةَ هذا النوتي المقتولِ إلى البصرة ؟
مَنْ؟ لا غير البحر … !

البحرُ غريبٌ مسدود الشطآن ، وزنج البصرة مستبخون ،
… يجرون السفن الهندية حتى أبواب التجار
فالصاحب لم يرسلْ للزنج نوارسه ببشارات العتق
الصاحب محكوم بالصلب لتحريض الزنج الفقراء
على التجار
الليلة لن يخفيه نخيل البصرة أو صلوات الزنج عن الدرك
… السري وإيماءات فوانيس الجند

يا محبوبي
لا عاصمَ في هذا الليل
للصاحب من لوح الجلد
لا عاصم في هذا الويل
للعاشق من طوفان الوجد
يا محبوبي ..
ويموت العاشق في جسد النوتي ، فكل المعشوقات
هربن مع البحارة في سفن الهند
والزنج عصافير تتدلى راعشة فوق القطط الوحشيات
والصاحب مصلوب في قمصان التجار
يا محبوبي ، لو كنت هناك أتبكي ، أم تتشفى من …
… معشوقٍ مات ؟

لما دخل الزنج الفقراء المعركة الأخرى ،
ناديت على محبوبي ، إذ منحتني المحنة صوتاً محتجاً
لا توقفه شارات طريق القلب :
يا محبوبي المتأرجح بين الوصل وبين الهجر ولا تختار
إني أتعذبُ في الما بين ، وليل البصرة ممتدّ كالبحر ، …
… وزنج البصرة يقتتلون مع التجار ، وقلبي
فانوس في حضرة عشقك مشتعلٌ تحت الأمطار
يا محبوبي .. إما أن تمنح عشقكَ للزنج الفقراء وإما
للتجار

الليلة حين مررتُ تحاور بينهمو عمال البحر ، أشاروا لي
… بأصابعَ مُذْهبةٍ بالتبغ :
هذا النوتي البارحةَ البحارةُ قد قتلوه ..!!
هذا النوتي له ـ صهْ لا تسمعه ـ له محبوب يقتله تجار البصرة في هذي الليلة .
في هذي الليلة أغفو في جسدي ،
لا خوفاً من دركيٍّ في الدركِ السري يلاحقني ويعدّ
خطايَ ، …
… ويكتبُ : مَرَّ على زنجيّ صافَحَه ، اختبأتْ
بين الكفين حمامةُ طفلٍ زنجي ، ثم افترقا ..!
لكن لأراك ، فحضرة عشقكَ في جسدي
ورأيتكَ ـ طاوعتُ الكلمات وقلتُ رأيتك فانوساً
يتوهج في ليل البصرة
ورأيتُ طيور النورس وهي محملة برسائل عشق للعشاق
… تعود لتذهب وهي محملة برسائلهم للمعشوقات ،
… تعود لتذهب ، ثم تعود لتذهب ، ثم ،
بأجنحةٍ لا تثقلها الأسباخ تعود لتذهب …
… بين البحر وبين الميناء
ورأيت الصاحب ملتفاً بالماء وبالعشب البري ،
مساء …
… يخرج مصطحباً عشاقَ وزنجَ البصرة والآتين
من المدن الأخرى ومغني البصرة ( تومانَ )
المفتونَ بألفِ هوىً ، بقواربَ مفروشاتٍ بالدفلى
للنزهةِ …
يخرجُ في ضفةِ العشّار .

نشرت في مجلة الأقلام / العدد 11 ـ السنة الثامنة 1973

المغـنـّي بشّـــــار

[مقتطفات]

إعقدْ يديكَ وراء ظهركْ
إعقد يديكَ وسرْ وراء النهر يتبعُـكَ البغاةْ
ماذا دهاكْ؟
ماذا؟ أأنتَ تقودني أم نحن مقتادان في الطرق الظليلةْ
ضيّعتَها وأضعتَ كفَّ دليلكَ الحبشيّ خلفكْ
ونسيتَ من فرط التسـكّع مرةً أخرى عصاكْ
. . . . . . . . . .

يا مياه الخليجْ
يا مياه الشـطوطْ
يا مياه المياهْ
يا مياهْ
إرفقي بالمغني
واجعلي من يديك عصاهْ
فالمغني إذا تاه ، تاهْ

ورقة من تقويم المنفى

[مقتطفات]

التأريخ: حينما جف البحر وهاجرت طيور الماء

كان يجتاحكِ في أمسيةٍ أجتاز فيها وطني
ضجر الطير الذي يقبع في عشه ساعات المطرْ
وشبابيككِ كانت مشرعةْ
لبكاء المدن القفراء مني
ولما يحمله الليل من الوحشة والجدب وأصوات المزامير. وإن الذاكرةْ
بِرْكة بالحزن كانت مترعةْ
. . . . . . . . . .
المساء الأن يبكي
بللتْ عيناه بالدمع زجاج النافذةْ
. . . . . . . . . .
عين (خمبابا) تسيح الآن في الغابة ريحاً وحريقْ
وقناديل الشبابيك عيون مطفأةْ
واجهات الصحف الصفراء قالت إنني متُّ ولن أولد من رحم امرأةْ
فاعلني ياصحفاً صفراء ما شئتِ من المرات موتي
فأنا أدمن في المنفى على الهجرة، أمتد، أغورْ
راضعاً ثدي الجذورْ
. . . . . . . . . .
آه يا معشوقتي الشاخصة العينين بالشباك، والشباك باب الأنتظارات لمعشوق مهاجرْ
حينما أدخل محراب القصيدةْ
فأنا نحوك من منفاي أجتاز المحطات، أسافرْ
أنتهي منها وتنهيني القصيدةْ
. . . . . . . . . .
آه يا معشوقتي المنتظرةْ
آه ما أقرب شباككِ، ما أبعد شباككِ، لو جئتُهُ أرتد قتيلا
سفرٌ ما بين عينيّ وعينيكِ و(خمبابا) وسيّـاف المدينة
. . . . . . . . . .
فاحلمي آبَ المغني من منافيه لشـبّاك (وفيقةْ)
أوبتي فصل تلاشي الفزع الساكن أحداق عصافير الشبابيك العتيقةْ.

1971

اللافتـــة

يرتدي معطفاً ويغادر ، ملتفتاً ، منزلاً معتماً في المدينة ،
مبتعداً في الممرات يمضي ،
وفي شارع جانبي خطى تتسارع لاهثة خلف خطوته ،
وهو متجه في الممرات للساحة ،
اعترضته على كتف المدني ،
المرابط في طرف الشارع النجمة المعدنية ،
أطفأها بانعاطفته لليسار وخطوته الثابتة .

أشعل المدني المرابط مصباحه اليدوي ،
اقتفى خطوه … ثم ضيعها … وهو مر على منزل ،
قال شيئا لشباكه واختفى ،
إنه الآن يصغي لوقع الخطى تتجمع
ــ آتية للشوارع ــ
في الساحة الدائرية ،
يتحسس من تحت معطفه اللافتة .

تحتها يحفر الدهر في الصخر مجراه ،
يجري عميقاً ،
ويجرف في سيله الواقفين على جرفه ،
تحتها اقتلع السائرون من الشارع الجير أسلحة بالأظافر ،
تخفق عالية في الشوارع ، مثقوبة أو ممزقة في المخافر ،
نمضي بها والرصاص يباغتنا واطئاً ، والهراوات تمتد ،
والكاميرات الخبيئة تفتح أحداقها :
صورة … ، صورة … ، صورة … ، صورة … ،
صورتان لحاملها … ما تزال الأضابير تحفظ في مخفر صورته .

إنه الآن في منزل معتم في المدينة ،
يصغي لوقع الخطى والحناجر ،
خيط من الدم يمتد مختبئاً تحت معطفه ،
النهر يحفر في الصخر مجراه … ،
والمدني المرابط في شارع جانبي ،
يهيئ ثانية في مسدسه الكاتم الصوت طلقته الخافتة .

*عن الحوار المتمدن

شاهد أيضاً

د. قصي الشيخ عسكر: نصوص (ملف/20)

بهارات (مهداة إلى صديقي الفنان ز.ش.) اغتنمناها فرصة ثمينة لا تعوّض حين غادر زميلنا الهندي …

لا كنز لهذا الولد سوى ضرورة الهوية
(سيدي قنصل بابل) رواية نبيل نوري
مقداد مسعود (ملف/6 الحلقة الأخيرة)

يتنوع عنف الدولة وأشده شراسة ً هو الدستور في بعض فقراته ِ،وحين تواصل الدولة تحصنها …

سلام إبراهيم: وجهة نظر (18)قليلا من الفكاهة تنعش القلب
نماذج من نقاد العراق الآن (1 و2) (ملف/149)

نماذج من نقاد العراق الآن -1- يكثر في العراق الآن ويشيع أنصاف المثقفين يكتبون مقالات …

تعليق واحد

  1. حيدر الكعبي

    الصورة المشتركة ليست للشاعر عبد الحسن الشذر.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *