مهدي شاكر العبيدي : مراجع في الفولكلور.. كتاب للأستاذ طلال سالم الحديثي

       بأكثر من خمسمائة وخمس وعشرينَ صفحة من القطع الكبير ، ضمَّن الباحث العراقي الأستاذ طلال سالم الحديثي موضوعاته أو مقالاته المحيطة بمراجعاته وملحوظاته على كتبٍ تبحث في العادات الشعبية والمراسم الدينية المتوارثة والأمثال العامية والأساطير والخرافات ، وسائر ما يغامر به الناس العاديونَ في مختلف الأدوار التاريخية التي تمرُّ بها الأمم ، من زج ٍ لذواتهم في مواجهات وتحدِّيات للقوى المهدِّدة لحياتهم ووجودهم على هذه الأرض الواسعة التي شاء خالق الأكوان أنْ يمكن لهم منها ، وينتفعوا بثمراتها لولا أنْ يزاحمهم عليها وينافسهم في امتلاك حيِّز يسير منها ــ هذا الذي استأثروا به ــ أولئك العادونَ ممَّن يخالونَ أنفسهم أفضل شأنا ً وأقوى بأسا ً ، بل أعفَّ نقيبة ً ، وسواهم من المخلوقات الآدمية ، ليكن مآلهم إلى الهَمَل والضياع ، لأنـَّهم ما وجدوا بين الأحياء إلا للقيام بأعمال السخرة ، أو التطوع والامتثال لخدمتهم ، ولعلَّ هذا أوَّل ما فتح الإنسان عيونه عليه من تسيُّد الإجحاف وانعدام النصفة بين الناس ، ممَّا استتبع أنْ يصدع المتحسِّسونَ بهذا الواقع المُرِّ ــ على تمادي الأيَّام ــ بأنْ يدعوا لتغييره والتحوُّل عنه .

       وقد أربى تعداد هذه الفصول والمقالات المنشورة في السابق بمجلة ( التراث الشعبي ) في مرحلتها الأولى ، حيث صدرَتْ بجهود شخصية لبعض الأدباء والكـُتـَّاب ، إلى أنْ بسَطتْ عليها الوزارة المعنية بالشأن الثقافي والتي ترادفتْ عليها

الأستاذ طلال سالم الحديثي

مسمَّياتٍ متنوِّعة ، آخرها وزارة الثقافة ، فدخلتْ ــ أي المجلة ــ في طورها الثاني ؛ قلتُ : بلغ عددها نحو سبع وخمسين مقالة ، تعنى بتدوين انطباعاتها وتسليط نظراتها ورفد القارئ بما أوحَتْ قراءاته لتلك الأسفار والدوريات من أفكار وتأمُّلات ومجان ٍ معرفية ، ينساق منها للتعقيب والتعليق ، والاسترسال والاستطراد إلى ما يختزنه فهمه من معارف وحصائل ثقافية ذات علاقة وصلة بمحتويات تلك الكنوز الثرة ، وخيرا ً فعل المؤلف بأنْ جمعها في كتاب طبعة بداري العراب ونور للدراسات والنشر والترجمة بدمشق / 2011م .

       ولا غرو أنْ استهلها المؤلف بإهدائها إلى راحلينَ أفذاذ عايش أطيافهم ، وذكراهم ما تزال تراود مخيِّلته وتخامر وجدانه ، ويحسُّ بالفراغ الذي تبقى بعدهم في الحياة الأدبية المقفرة اليوم من الدراسات والمباحث الرصينة التي تتحرَّى وراء نمط معيشة الأهالي ، بكلِّ ما يكتنفها من تقاطعات وألوان الصراع الدائرة بين بعضهم البعض لأجل انتهاب المغانم والمرافه ، وتصيُّد الرغبات والأوطار ، وكذلك إشهار ما يزاولونه من حِرَف وصنايع لدوام بقائهم ، وما يسود أوساطهم من مواضعاتٍ وأعرافٍ وتقاليد ، يجدونَ أنْ لا مناص من الإذعان لها والتصرُّف بموجبها ، هي ولواحقها من خرافاتٍ وأوهام واستسلام للخوارق المتراكمة بتوالي القرون بفعل الجهل والعماية وانعدام الوعي ، وما يتفننون في ابتداعه ويجعلونه من طبيعة حياتهم ، أملا ً في تذليل صعوباتها وإفعامها بالتليين ِ والموادعة واللطف ، وتشذيبها ممَّا يعتورها ويلابسها من جفاءٍ وخشونةٍ ، من هذه الأمثال المأثورة التي يستدلونَ بها في المناسبات ، والحكايات التي يشغفونَ بروايتها ؛ قلتُ : أهداها إلى الراحلينَ من جهابذة البيان ورموز الثقافة العراقية : لطفي الخوري ، عبد الحميد العلوجي ، وعزيز الحجية ؛ ضاربا ً المثل الأروع في الوفاء والعرفان ، موحيا ً باعترافه أنـَّه تتلمذ لهم من خلال تفرُّسه في نتاجاتهم وتعلم منهم الشيء الكثير ، وجرى على منوالهم في بذل بعض الجهد وعدم الضنِّ بالمال لأجل الحصول على المطبوع المسعف بمتعة القراءة .

       قضى المؤلف ساعات مترعةٍ بالطرافة والظرف والانتفاع بقراءة كتب ، توفر على جمع موادها وتصييرها موضوعات ذات جدوى وفائدة في توصيل ما يمكن من الثقافة الشعبية ، لأفهام جمهرة واسعة من عموم الشعب ، ومعنى ( الشعبية ) التي يوسم بها النتاج الأدبي والفكري إنْ ترخـَّص في ما يلزم له من استواء وترصُّن ٍ ، كما فصَّل بهذا الخصوص الراحل عبد الجبار داود البصري غير مرَّة ، هو التسهيل والتيسير الذي بوسع القرَّاء سوغه بعد تقديمه لهم بمنتهى التبسيط أو البساطة والخلو من التعسير ، ومن السهل تفسير عباراته وألفاظه ؛ ومفادُ ذلك أنَّ مَن أقحموا التعـبير ذا ــ الثقافة الشعبية ــ وغدا مألوفا ً وداخلا ً في أدبيَّاتنا وكتاباتنا ، أنـَّهم يشومونَ في الكثرة أو الجمهرة الغفيرة من معظم المجتمعات ، توانيها وفتور عزمها وتقصيرها بحقِّ نفسها عليها من الارتفاع بمستواها الذهني والسمو بمداركها العقلية ، وبخلافها القلة المنقطعة والمنصرفة للتثقف والاطلاع على أيِّ لون من المعارف ، وبلغتْ درجة من تفتح العقول وصفاء الأذهان ، بحيث لا يشقٌّ عليها تفسير أيِّ نص تطالعه في دورية والنفاذ إلى كنهه وفكِّ مغالقه ؛ فاجتليتُ أنـَّه عايش غير أديبٍ منتج في حقول وفنون أدبية أخرى ، وقامَتْ شهرته عليها من الأدباء المعروفينَ ، وقد لا يُعرَف عنهم أنـَّهم شغفوا بالكتابة عن الفولكلور والعادات الشعبية وأحوال الاجتماع بعامة يوما ً ما ؛ أردْتُ القول أنـَّه تداولَ كتبا ً ومؤلفات تندرج في هذا السِياق للكتاب المشهورينَ من البلدان العربية كافة ، أمثال : إبراهيم مدكور ، أحمد عباس صالح ، سيد عويس ، فاروق خورشيد ، نبيلة إبراهيم ، أحمد كمال زكي ، داود سلوم ، جليل كمال الدين ، محمد رجب النجار ، رضا محسن القريشي ، زهير الشايب ، كمال أبو ديب ، محمد المرزوقي ، كاظم سعد الدين ، باسم عبد الحميد حمودي ، وغيرهم .

       وإنْ ينهمك دارسٌ ما في تفلية هذا العدد من الكتب المتخصِّصة بأحوال المجتمعات وطرائقها في العيش والتعامُل ، وما تعمد له وتتخذه من ضروب التعلات وصنوف الوسائل للتعزِّي عند حلول الكوارث ونزول المصائب ، من استذكارها وترديدها للأشعار والأمثال التي تستوحي منها المصابرة وترويض النفس على التثبُّت دون أنْ تراع وتهتزَّ ، إلى إلمامه بما يتداوله الأفراد في مجالسهم وأسمارهم من أحاديث وحكايات أسطورية أو أنَّ وقائعها محتملة الحدوث والوقوع والإمكان والاتصال بشكل من الأشكال وعلى أيِّ وجهٍ بالواقع المنظور من حولنا ، ومقارنتها بما درجَتْ عليه الشعوب والأمم الأخرى على تتابع الأزمان والقرون ؛ معنى ذلك أنـَّه أوفى على محصلة ثقافية وفيرة الجنى طيبة العطاء ، ولو كانت في جانبٍ معرفي واحد هو الفولكلور أو الثقافة الشعبية عموما ً، فإذا تصدَّى مُعَرِّفا ً القارئ بقراءاته الموصولة هذه والإهابة به لأنْ يقاسمه في ما جـنى من ثمر وحـصد من متعةٍ ، ومتوسِّلا ً لذلك بالأسلوب السلس الواضح الذي يستوحي القديم في جزالته ومتانته ، ويجري فيه على وفق ما درج عليه المحدَثونَ من عفويةٍ واشتمال على معنىً وفكر وتباعد عن أيَّما تفاصح وتعالم وفرط ادِّعاء وتنفج ، ممَّا يغري المتأمِّل أو يحمله على التفطن إلى أنَّ هذا الكاتب المواظب على النشر في الدوريات والمجلات منذ سنوات طوال ، ظلَّ متواريا ً عن المنتديات الثقافية ، لا بل عاش في الظلِّ ، وربأ بنفسه أنْ يُشَاكِل غيره في انتحال الأسباب والوسائل للظهور والشهرة التي تأتتْ له دون سعي إليها ، لتكون تحصيلا ً حاصلا ً لما بذله من جهدٍ وتكبَّده من عناءٍ في الدرس والمتابعة .

*******
MahdiShakerAlobadi@Yahoo.Com

تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

| د. عايدة الربيعي : الامتداد الإبداعي والطلاقة والمرونة عند الفنان التشكيلي العراقي مهرجان كلاويز الدولي 2022.

يرى البعض من النقاد ان فن التصوير (الرسم الملون) هو فن حسي اكثر مما هو …

| د. فاضل حسن شريف : الهجرة القسرية واللجوء في القرآن الكريم.

صادف خلال شهر يونيو حزيران اليوم العالمي للاجئين. كلمة لجوء مصدرها لجأ، واللجوء تأتي بمعنى الالتجاء. …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.