الرئيسية » نقد » موسيقى » مهند الاخرس : الغناء الثوري ؛ المهمة والدور

مهند الاخرس : الغناء الثوري ؛ المهمة والدور

مهند الاخرس
الغناء الثوري ؛ المهمة والدور

هناك حكمة قديمة تقول :” ان الوفاء للاسلاف لا يعني الحفاظ على رمادهم، وإنما حفظ اللّهب الذي اشعلوه وتوريثه شعالا متقدا وبكل الق الى الاجيال المتلاحقة”.

يشكل تراث أي أمة من الأمم بمكوناته المادية وغير المادية سجلاً يسطر تاريخها وأساليب عيشها بكافة التفاصيل ليشكل هويتها ودليل وجودها. ويعد الغناء الفلسطيني مرآة تعكس حياة الشعب الفلسطيني ونضاله وسيرته ومسيرته المادية والروحية، التي تداولتها الأجيال وتوارثتها جيلًا عن جيل.

وينتصب الغناء الثوري والوطني (الفلسطيني) على كم هائل من الاحداث والوقائع المحزنة والمفرحة والمبكية والموجعة والتاريخية والجغرافية والانسانية والصور الطبيعية والحض على كل القيم النضالية والثورية التي تضمنتها الإبداعات الشعرية واللغوية وأساليب التعبير المختلفة وانواع الغناء المتعددة، ليعطي عبر هذا المخزون العريق الصورة الواضحة التي تقف سدًا منيعًا في وجه اصحاب الخرافة القادمين من زمن الغول والاساطير الذين يحاولون طمس تاريخ الشعب الفلسطيني، ليس هذا وحسب بل وسرقة كل الأدلة التاريخية التي تدل على الحق الفلسطيني وتؤكد هويته وتجذره عبر التاريخ.

من هنا جاء الدور الاساسي والمهمة الرئيسية للغناء الثوري والوطني، حيث مارس الغناء الثوري دوره النضالي الوطني والانساني الذي جُبل عليه في مسيرة الشعب الفلسطيني خاصة والانساني عامة بكل وفاء وجدارة واتقان؛ فقد ظل الغناء فعلا حيويا محرضا على النضال والثورة في الروح الفلسطينية والانسانية ، وبقي الغناء الثوري حالة استثنائية تنزرع في الوجدان الفلسطيني، وكل هذا يأتي ضمن اصرار الشعب الفلسطيني على حقه في الحياة وقدرته على استجلاب الفرح للقلوب واستمطار الامل بمزيدا من الامل . فالغناء ضمن هذا السياق فعل انساني، يحمل في ثناياه قدرة الانسان على صياغة المعنى لوجوده، وعلى قدرته على تجميل معنى الحياة، والارتقاء بمعانيها، واثبات قدرته الروحية، ودرء الانكسار في اعماقه.

بهذا السياق لعب الغناء الثوري الفلسطيني (بجميع مغنييه وفرقهم وملحنييهم وكتاب كلماتهم) دورا هاما واساسيا في خلق وتطوير حالة الوعي الوطني لدى الشعب الفلسطيني بكل فئاته، واسهم الغناء الفلسطيني (الفرقة بأغانيها وكلماتها واصواتها ودبكاتها) اسهمت في بث روح المقاومة والنضال والتحدي؛ فغنت للشهيد والاسير والجريح وللمخيم والقرية والمدينة وللفدائي وللعلم وللكوفية والبندقية ووثق وأرخت للكثير من البطولات وكذلك الامر بالنسبة للمجازر المرتكبة بحق الشعب العربي الفلسطيني من الاخوة او الاعداء على حد سواء. وكانت اغانيها على الدوام محفزا ودافعا للفعل النضالي الى الامام، واصبحت مع الزمن اغانيها تعبر عن مرحلة مهمة من مراحل النضال وبالتالي اصبحت اغانيها تمارس مهنة اخرى غير مهمتها الرئيسية؛ فأصبحت بهذا المعنى تجسد الروح الوطنية السائدة وتعبر عنها واصبحت تؤرخ وتوثق لمسيرة طويلة من النضال اضافة الى مهمة رئيسية حملتها على عاتقها بكل جدارة حيث حملت راية التثفيف الوطني بإمتياز، ورفعتها عاليا في السماء وحافظت عليها راية خفاقة تسعد القلوب وتفرح العقول.

وبالاضافة لكل ما ذكر كان للغناء الفلسطيني دوره الهام في حفظ الهوية الفلسطينية من الذوبان ومن التحريف والضياع، هذا طبعا بالاضافة الى دوره الهام في حفظ الذاكرة الفلسطينية من الغياب والتغييب؛ اذ ان الاغنية اسهل على الاستدعاء والتذكر، وتضيف قيمة جمالية وحضارية عن الشعب صاحب الاغنية، وتسهم في بقاء الذاكرة حية ومتقدة ومتحفزة من خلال توثيقها وقدرتها الجمالية الفائقة في التعبير عن الحدث، وهي دليل حيوية وتجذر واصالة لاي شعب صاحب تاريخ ورسالة .

في هذا السياق جائت الاغاني الوطنية الملتزمة للشعب الفلسطيني -بغض النظر عن جنسية من غناها فكل من غنى لفلسطين هو فلسطيني وكل من احب فلسطين هو فلسطيني-؛ ففلسطين هوية نضالية جامعة لكل فكر حر ونير وهي هوية منفتحة ومفتوحة وتستوعب الجميع ومحبة للجميع.

كان الاثر الكبير لحيوية الانسان الفلسطيني وانفتاحه وعدالة وانسانية قضيته ولتعدد الزجالين والحدائين الذين اسهموا بهذا المشروع دورا هاما في لمعان وتطور وغناء هذا الفن وهذا الدرب والذي اسهم فيه العديدون كابو عرب ويوسف الحسون وموسى الخطيب وابو فراس العنبتاوي وابو هشام الصافوطي والجلماوي والبلعاوي بأسمائهم الكبيرة، وكذلك الامر بالنسبة للمغنيين كالشيخ امام ومارسيل خليفة وسميح وسهير شقير وجوليا بطرس وجورج قرمز وخالد الهبر وخالد جاسر ووليد عبد السلام وشوقية العطار وميس شلش وخليل عابد والفرق الوطنية كالفرقة المركزية والعاشقين والجذور وبلدنا والزغاريد والطريق(العراق) وبيسان والعودة وابناء الشهداء والقناديل وبلدنا والمخيم والحرية والساحل وناس الغيوان والمشاهب وجيل جلالة(المغرب)، هذا طبعا دون اغفال دور الفرق الوطنية الشعبية والمغنيين الشعبيين في كل اماكن تواجد الفلسطينيين في الوطن والشتات كشفيق كبها في الداخل الفلسطيني وكفرقة غربة في الشتات الفلسطيني.

لهذا كله واكثر احسنت فرقة اغاني العاشقين حينما عبرت عن مهمة الغناء الفلسطيني بجمالية منقطعة النظير في شريطها الكلام المباح حين غنت وقالت:”
لغة العاشقين هذه الجراح
من فلسطين ارسلتها الرياح
هبت النار والندى حملتها
والميجنا والعتابا والسماح
الكﻻ-;-م المباح ليس مباحا
ونغنيه فاﻻ-;-غاني سﻻ-;-ح
سرنا راية على راس رمح
فاذيعي اسرارنا يا رماح”.

يقول الشاعر عبد الناصر صالح: “لم تكن صدفة ان يصعد العاشقون سلم اللحن وفجر الاغنيات، فهذا الساحل الفلسطيني الذي برأ الحروف وسير السفن اصر ان يسجل في ذاكرة الكون وضمن اوائل المكتشفات الاثرية، مزمارا فلسطينيا يصل الفرح بالفرح، ويصل السماء بمنجل الحصاد. ولأن هذه الارض ابنة السماء ورسولها، وعدت الكون بهالات الارض، ما زالت ترسل عرافيها الى الشعوب والقبائل بالتحضر واحتضان النجم والمسرة، ومع انطلاقة الثورة الفلسطينية المعاصرة الملتصقة بحناء التراب في مقاومة المنافي والابادة، كان لابد من زراعة الاساطير على جذع زيتونة مبللة بالندى والسيف والاغنيات”.

تعليق واحد

  1. كل الاحترام استاذ مهند انت لوحدك قصة وطنية تملأ قلوبنا وتشحن هممنا لحب الوطن والسير نحوه

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *