د. عبد المطلب محمود* : الحنين والمفارقة في قلب السماوي يحيى.. وأشعاره!

– قراءة في مجموعة (لماذا تأخرتِ دهراً؟) للشاعر يحيى السماوي
فاجأتني دراسة الصديق الناقد الطبيب حسين سرمك حسن التي قدّم بها لديوان الصديق الشاعر
الجميل الدافئ الروح (يحيى السماوي) الجديد الصادر قبل أسابيع قليلة، أو قصيدته الطويلة التي صارت ديواناً، وحملت عنوان (بعيداً عني.. قريباً منكِ)، إذ غطّى معظم مقاطع القصيدة ـ الديوان بتحليل دقيق وبالغ الذكاء لم يُبق ِلي ـ شخصياًعلى الأقل ـ ما أقوله فيه، مما دفعني إلى العودة إلى مجموعة الصديق يحيى الشعرية التي سبقته، التي جعل عنوانها (لماذا تأخّرتِ دهراً؟) وصدرت عن دار الينابيع بدمشق والتي أهداها إلى زوجه وأبنائه، بينما جاءت القصيدة التي حملت المجموعة الشعرية ثريّاها / عنوانها بعد أن رفع منه جملة (عليّا) المكوّنة من حرف الجرّ وضمير المتكلم المجرور، لـ “تشي” بوجعه الدائم وتشير إليه بقوة، كونها ـ القصيدة ـ “تحكي” حكاية ولد ووالدة رحلت في غيابه ومدينة تغيّرت وحياة تراجعت وشؤون خاصة صارت عامة، من حيث شاء لها الشاعر هذا لم يشأ.
وفي قراءتي لهذه المجموعة الشعرية الثامنة عشرة في قائمة إصدارات الصديق يحيى السماوي الشعرية، منذ مجموعته البكر الصغيرة حجماً (عيناكِ دنيا)،حاولت أن أتوقف على ما يمكن أن أسميه “المفارقة” بين القصيدة ـ العنوان أو الماضي الذي يثير مكامن شجن الشاعر المغيّبة في أعماقه والمثيرة لقلقه، وبين ما جاء في صفحة الإهداء أو الحاضر الذي تمثله أولاً أسرته الصغيرة التي ثبّت أسماء أفرادها في الإهداء، حتى لكأنه أراد أن يُحمّلهم أو يقتسم معهم مكامن الشجن تلك، وما يتضمنه من حنين فآلام فمتاعب مؤسية.
ولعل ثمة بين قرّاء المجموعة من المتلقين الكثيرين مَن سيظنني مغالياً فيما أعلن، لكنني أقول :
ابتداءً من القصيدة الأولى من قصائد هذه المجموعة، قصيدة (كامل) التي أهداها الشاعر إلى “شهيد الثقافة المناضل كامل شياع” الذي اغتيل في أحد شوارع بغداد قبل سنوات قليلة، نقف مع يحيى السماوي على هذا الحنين المؤسي الطالع من أعماق الشاعر فيه إلى ماضيه ـ أو ماضي / حاضر الشهيد (لا فرق)، فحيث صار : “النعش هودجه..” كان قد “عقد القران على الشهادة/ قلبُه كان المُقدّم/ والمؤخـّر؟/ لا مؤخّر/ إنّ (كاملَ) لا يُفكّر بالطلاق/ ولا بآجل” (ص 7وما بعدها)، وما توالي جملة : “ما مات (كامل)..” ثلاث مرات بصيغة اليقين، فهو في الأولى :”كامل انتدبته دجلة للخلود/ ممثلاً نخل العراق/ وناطقاً باسم الطفولة/ باسم حُلم الكادحين…” (ص9)، أما في المرة الثانية فلأنه :”إنّ كامل لا يموت: ما دار ناعور/ وفاضت بالهديل حمامة/ وتوضّأت بالشمس أبوابُ البيوتْ” (ص11)، بينما في المرة الثالثة سيكون: “كامل اختصر الطريق إلى السماء/ من كوّةٍ في رأسه الضوئيّ/ والجسدِ المخضّبِ بالدماء” (ص12) إلا تأكيد لهذا الرابط الحي والحيوي معاً بين مان عليه ماضي الشهيد وما سيكون عليه في الحاضر، لا عبر يقين الشاعر السماوي وحده، بل عبر جميع الذين عرفوا الشهيد المغدور، حتى لقد عاد الشاعر فأكد يقينه من أن الشهيد :”سيعود (كامل)هدهدَ البشرى/يعود/ تقود موكبَه الحمامةُ/ والقرنفلُ/ والنخيل” شأن نوح عليه السلام، لا بل سيعود “كالطيور العائدات/ مع الأصيل” (ص19).
ثم سنقف في القصيدة الرابعة (على مشارف الستين) على صور أخرى من هذا الحنين، ولاسيما إذ أهدى الشاعر السماوي يحيى قصيدته ـ وهي من قصائد الشطرين ـ إلى نفسه التي خاطبها قائلا: “ستون.. في ركض ولم أصل ِ/نهرَ الأمان وواحة الأمل ِ/ ستون.. أحسب يومها سنة ً/ ضوئيّة ًموؤودةالشعل/ عشرون منها : خيمتي قلقٌ/ بين المنافي عاثر السبُل/ والباقياتُ : رهين مسغبةٍ/ حيناً.. وحيناً رهن معتقل” (ص39 وما بعدها)، ليروح بعدئذ يُعدّد ما عاشه من “حيوات” متضادة ما بين أقصى الطيش وأقصى العقل، أو ما بين أشد حالات الزهد والتروّي وأشد حالات الخبل في الحب أو الشرب أو غيرها من شؤون الحياة : “ستون.. حيناً لهو ذي نزق/ عاتٍ..وحيناً صمتَ مُعتزل/ بعضي يريد الدهرَ يلبسه/ ثوباً.. وبعضي يشتهي أجلي/…. / قدَّ الحبيبُ القلبَ من دُبُر ٍ/ والأصدقاءُ الزورُ من قـُبُل ِ/…./ الخمرُ؟ أشربه فيسكرمن/ شفتي ويُثمِلُ كأسَه ثمَلي/ ندَمي بحجم رفات أزمنتي/ ويحي عليّ غفوتُ عن زللي/….”، لينتهي بعد جولة طويلة على نقائض حياته وحنينه وآماله إلى مخاطبة نخل الفرات :”مولاي ـ يا نخلَ الفرات ـ أما/ للعدل في واديكَ من أمل ِ؟/ من أين يُرجى للعراق غدٌ/ و(الأجنبيّ) أبٌ له و (ولي؟” (ص49).
ونأتي بعدها مباشرة إلى قصيدة (لماذا تنأخّرتِ دهراً عليّا؟)، التي نحسب أن المفارقة التي سبق أن أشرنا إليها تتجلى فيها بتفاصيل أكثر دقة ووضوحا، إذ يبدأها الشاعر بمقطعين صغيرين على لسان مخاطِبة سائلة، علمتُ في حوار مع صديقي الشاعر أنه يعني بها والدته التي رحلت عن الدنيا من دون أن يحظى بفرصة لقائها، يقول في المقطعين : “تقول التي صيّرتني أنيساً/ وكنتُ العنيدَ../ الغضوبَ../ العصيّا :/ أما من إيابٍ/ إلى حيث كان النخيلُ/ مآذنكَ الباسقاتِ../ وكان الحمامُ (بلالاً)../ وكان الهديلُ الأذان الشجيّا؟” و: “وأنتَ على السطح :/ طفلٌ/ يُغازلُ عند المساء النجومَ../ ويغفو/ يُغطيه ضوءُ الثريّا؟” (ص51 وما بعدها)، وهما ـ المقطعان ـ أشبها رسالة ًتخاطب بطل القصيدة خطاب تذكير بماض ٍ حدث عبر جملة (صيّرتني) المكوّنة من الفعل الماضي وتوابعه والفعل الماضي (كان) وتابعه ضميره المتكلم (التاء) ثم الفعل نفسه (كان) الذي يتكرر ثلاث مرات في المقطع الأول للقصيدة، ليغيب ويبقى معناه حاضراً في عبارات المقطع الثاني، الذي سيُقرأ ـ بحضور الفعل ـ المفترَض كما يأتي : “وكنتَ على السطح/ طفلاً/ يُغازل عند المساء النجومَ…. وكان يُغطيه ضوءُ الثريا”، ليأخذ بطل القصيدة (الشاعر نفسه ولا شك) زمام عملية السرد المحكي بصيغ تغلب عليها الأفعال الماضية الملحقة بضمير المتكلم (التاء)، كما عند ابتداء القصيدة، انطلاقاً من المقطع الثالث ـ ملحقاً بأداة التمني (لو) الظاهرة والمغيّّبة ـ في هذا المقطع تحديداً: “لقد عدتُ لو كان سعفُ النخيل/ كما الأمس../ لو أن لي سطحَ دار../ وأنّ الحمامَ يُجيد الهديل../ ولكنه القحطُ :/ لا الخبز في الصحن../ لا التمرُ في العثق../ والماءُ في النهر لمّا يعُدْ/ يملأ الكأسَ ريّا” (ص53)، قبل أن تتوالى الأفعال الماضية الملحقة بـ (تاء) المتكلم، الذي سيبدو كمن تفجّرت في أعماقه صور الماضي حنيناً يتقاطع مع صور الحاضر المفجوع بغياب الأم / الحمام، والحنان، والطمأنينة، والأمان، والحب، والبراءة، والبساطة… إلى غير هذا الذي مثلته في الماضي وظل عالقاً في قلب (الولد/ الابن العائد)، فهو يقول : “وكنتُ المقيمَ/ على بُعدِ نهدَيكِ من ثوبكِ المستفَز/… / لماذا اختبأتِ/ غداة أتيتُ/ لأهرق في شاطئيكِ/ بقايا وقاري؟” (ص55)، ثم :”لماذا أتيتِ/ أوان احتضاري” (ص56)، ثم : “لماذا أتيتِ أوان الخريف/ وكنتِ على بُعدِ ضِلعَين/ من أصغريّا؟/ لماذا تأخرتِ دهراً عليّا؟” (ص57)، وهي العبارة ـ اللازمة التي سيكررها الشاعر/ أو بطل القصيدة الشبيهة بالحكاية إذ يسرد على قارئه أساه وألمه الطالع من حنينه المتفجّر المفجوع.
ثم سنقف في هذه القصيدة بالذات على صور ألم وحنين مؤسية حقاً، فلقد أخبرنا أيضاً بما يفيد في تعميق هذا كله إذ يكشف عن جميع ما عاش وشهد وعانى :”توهمتُ أن الطريق إلى الأقحوان/ المنافي../ فتفـّضتُ طين الفراتين/ من راحتيا/ ودرّبتُ عصيان هدبي/ على مقلتيّا/ غريباً ذليلاً../ فحيناً أفتّش عن دجلتي/ وحيناً لأهربَ من دجلتيّا!/ فلا كنتُ ميتاً/ ولا كنتُ حيّا!” (ص 60 وما بعدها)، ثم سنقف على المزيد المُنثال من هذه المفارقات الكاشفة لتفاصيل معاناة  الشاعر/ السارد عن حاضر صار ماضياً ـ على الرغم من استمراره ـ إلى حدٍّ ما، وقد حوّله إلى (عرض حال) مقترن بالحنين، وراح يوجهه بعنف الأسى إلى (تلك) الأم ـ الماضي الحاضرة بقوة في الروح المتدفقة شعراً عفويّاً صدقاً أيّما صدق، تشي به حرارة العبارات قبل أي شيء : “لماذا تركتُ السماوة خلفي/ ويمّمتُ نحو المقادير خطوي/ فكنتُ الشقيّا؟/ أما كان لي/ أنْ أُخبّئَني في (الصريفة)../ أو ليلتين بسرداب قبر/ وعاماً ببريّةٍ/ نصف عقدٍ بـ (هور الجبايش)/ عقدٍ مع اللوز والجوز في غابةٍ/ في الشمال../ وعاماً بكهفٍ أُلملمُ بعضب إليّا؟” (ص62 وما بعدها)، ثم :”لماذا هرقتُ شبابي/ شريداً../ غريباً../ ذليلاً../ شقيّا؟/ لماذا تأخرتِ دهراً عليّا؟/ وقد كنتُ منكِ/ القريبَ القصيّا؟” (ص64)، لينتهي هذا التصعيد (الدرامي) لمجموعة المفارقات بالفعل إلى القول :”أقيمي عزاءَ الهوى/ إنني:/ مِتُّ حيّا!!/ فلا يُغوينَّكِ ظلي/ ولا يُغرينَّكِ/ نبضُ المحيّا!!(فراغ)/ لماذا تأخرتِ دهراً عليّا؟” (ص66).
ويتبدّى هذا الولع بالمفارقات المؤسية في أشعار الصديق يحيى السماوى، عبر مجموعته هذه كما فيما سبقها من مجموعات، فنقرأ في قصيدة (نذور) من المجموعة نفسها :”زارَني في غفلةٍ/ من مقلة الصحو/ ربيعاً ضاحكَ العشبِ../ نديّأ../ باردَ الكوثر../ يمشي خلفه نهران :/ ريحانٌ../ وشهد!” (ص85 وما بعدها)، وإذ نتوقع أن تكون هذه الزيارة حافلة بما يُسعد ويُبشـّر بالآمال، ويُطفئ من لوعة الإحساس بالحنين المؤسي، يأخذنا الشاعر إلى حيث المزيد من الأمنيات التي تسبقها أحوال شديدة التناقض والتقاطع، ولاسيما إذ تنقلب (مقلة الصحو) إلى (مقلة الأحزان) ويبدو الشاعر وكأنه فوجئ بالزائر فينهال عليه بالأسئلة، كما في قوله :”زائري في غفلةٍ/ من مقلة الأحزان/ مَن أسرى بكَ الليلة؟/ كيف اجتزتَ نهرَين وأرضَين/ وبحراً جَزرُه يُخشى/ فكيف اجتزتَ مدَّه؟/…./ أنا لا أعرفـُني../ أين أقيمُ الآن؟/ لا عنوان لي/ كيف اهتديتْ؟/ فتعرّفتَ إلى جفني/ وسفح ٍ/ يختفي في حضنِه الأخضر/ بيتْ؟”… (ص87 وما بعدها)، ليواصل أسئلته الموجهة إلى الزائر، الذي كاد يُفصح أمام المتلقي عن هويته لكنه لم يفعل بل اكتفى بتوصيفه :”أيها النايجُ من عشب الفراتين وشاحاً/ جِيدُه يُسكرُ عِقدَه :/ مَن تـُرى أسرى بكَ الليلة؟/ مَن أعطاكَ عنوانَ غريبٍ/ هتك العشقُ أحاجيهِ/ ورُشدَه؟” ثم ليباشر بعرض أمانيه :”آه لو أملك/ أن أجمعَ عطرَالحُلم/ والجنةِ/ والشعر/ بورده/ للتي أحلم/ أن أجعلَ من حضني لها بيتاً/ ومن صدري لنهدَيها سريراً/ ومن الثغر لخدَّيها مخدَّة/ آه/ لو أن التي دقـّت ـ غروبَ العمر ـ بابَ القلبِ/ قد دقـّت ضحى العشق/ فأغفو هانئاً بالتين والتوتِ/ على نهر المودَّة/ آه/ لو أن الذي في دورقي/ من خمرةِ العمر/ مثيلٌ للذي/ في دورق اللذةِ عندَه/ لتنازلتُ عن التاج/ وعرش الحزن/ كي أُصبِح في مملكة العشـّاق/ عبدَه/…..” (ص88 وما بعدها)، ليصل إلى الكشف عن حقيقة نذره :”نذرتْ روحي لوجه العشق/ لو زرتَ جفوني/ أن يؤدي خمسَ سجداتٍ على ثغركَ ثغري/ وعلى كلٍّ من الخدَّين/ سجدة…” (ص94).
هو حنين ـ إذاً ـ من طراز آخر، طراز نسيجه الحلم والتمني المباشر لما يكاد يكون مستحيلا، ولاسيما إذ يقترن هذا “العشق” المُتمَنـّى المقترن باللذائذ الحسيّة بـ : غربة وبغفلة وبمقلة أحزان وبغروب عُمر، وإن أغرانا الشاعر بالولوج معه في “غيابت” حلمه الجميل الذي سيلوح في معظم نصوص المجموعة الشعرية المتدفقة بأسى يُحاول الحب أن يُشاكسه ـ مثلما يرغب شاعرها ـ لكنه ينفلت من أصابعه، طالعاً من أعماق تموج فيها: الغربة (الحقيقية والمجازية) وأحزان الشعور بتأخر حضوره عمّن يُحب (ساعة كان عليه هو الحضور) ومُضيّ السنين على غير ما تمناه من دروب، وهذا قدَره وكذا هي أقدار بني البشر الحالمين.
(*) شاعر وروائي وباحث أكاديمي من العراق

تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

| جمعة عبدالله : معاناة الانسان المضطهد  في الديوان الشعري “ثلاث روايات” للشاعر عبد الستار  نور علي.

  تشير بوضوح قصائد الديوان الشعري في بدايات السبعينات القرن الماضي , الى ولادة ونبوغ …

| طالب عمران المعموري : بنية الاهداء في المجاميع الشعرية  للشاعر مهند عبد الجبار آل ابراهيم.

لمنتجي النّص الابداعي  في عموم نتاجاتهم الأدبية أسلوبهم   فيما يكتبون  وإن كثيراً لهم بصمةٍ مميزةٍ  …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.