الرئيسية » مقالات » حسين سرمك: مظفر النواب… وحالة ( ما بعد الحب )

حسين سرمك: مظفر النواب… وحالة ( ما بعد الحب )

( الحلقة الأولى )

ملاحظة : هذا فصل من مخطوطة كتاب ( الثورة النوابية ) للكاتب .

hussein_sarmak

مظفر النواب
مظفر النواب

((ما أظن أرضا رويت بالدم والشمس كأرض بلادي
وما أظن حزنا كحزن الناس فيها
ولكنها بلادي
لا أبكي من القلب
ولا أضحك من القلب
ولا أموت من القلب
إلا فيها ………))
( مظفر النواب )
من ديوان ( للريل وحمد )

(( العراق مثل ثمرة البصل .. كلما قشرتها أكثر ، سالت دموعك أكثر ))
( ………… )
(( العراق مثل المسك … إذا أردت الحصول على رائحته ، عليك أن تطحنه ))
( ……….. )
المنجز الشعري العامي للمبدع الكبير ” مظفر النواب ” ليس بحاجة إلى قاريء بل إلى ” قرّاء ” ، ويمكننا القول أيضا أنه ليس بحاجة إلى ناقد بل إلى ” نقّاد ” وشتان بين ” فاعل ” و” فعّال ” . هذا ما نحتاجه لكي ” نقرأ ” هذا المنجز بصورة صحيحة ودقيقة من الناحية الأسلوبية ، مبنى ومعنى ، خصوصا من وجهة النظر اللغوية النفسية التحليلية ، حيث لم تكتشف خفاياه اللاشعورية الهائلة والتي في حالة الإمساك بها فإنها لن تغني ثراء البحث النقدي لمشروع النواب وهو مشروع حياة كاملة حسب ، بل تمسك بالعوامل الحاكمة المستترة التي شكلت منجزه الإبداعي وتفتح مغاليق نصوصه التي لم يغص النقاد في طبقاتها العميقة . ولا أتذكر من هو الناقد العراقي الذي كتب مقالة يصف فيها قصة حب (كاثرين إرينشو) لـ (جون هيثكليف)عند عرض فيلم ( مرتفعات وذرنج ) لأول مرّة ببغداد في بداية السبعينات بأنها حالة (ما بعد الحب) .وهذا الوصف الباهر (ما بعد الحب) هو الوصف الأكثر دقّة الذي يمكن أن يعبّر عن قصة حب مظفر للعراق وأرضه وشعبه ، وتشرّب روحه بأريج التراب العراقي الطهور وانحيازه المطلق للمسحوقين المعذّبين من أبناء شعبه. في قصيدة (حچام البريس ) يأتي العنوان كالعادة بسيطا مستلا من القصيدة .و(حچام ) هو اسم (بطل) القصيدة ..بطل انتقاه الشاعر من صفوف الفلاحين المتعبين المضطهدين ، يتصدى لقوى الطغيان والإقطاع ،حاله حال أبطال آخرين جسد الشاعر نضالهم في قصائده مثل صويحب (قصيدة مامش مايل) أو سعود (قصيدة عشاير سعود) أو لعيبي ( قصيدة جد ازيرج ) أو غيلان ( قصيدة سفن غيلان ازيرج ) وغيرها . وفي كل هذه النصوص يأتي اسم البطل المنتقى شعبيا شائعا في أرياف العراق وأهواره لتعزيز مصداقية (الحكاية)وحرارتها .وفي لقاء شخصي مع المبدع النواب أشار إلى أن كل هذه الأسماء هي لأشخاص حقيقيين عايش معاناتهم وجهودهم النضالية ومواقفهم البطولية أيام كفاحه ضد السلطات الاستبدادية الحاكمة في مناطق الأهوار. ووجدت أن النواب يحمل عشقا عجيبا لهؤلاء الأشخاص البسطاء أرى من المناسب تماما وصفه بحالة (ما بعد الحب) . وقد ذكّرت النواب بـ (جابر البيلسان) وهو فلّاح بسيط مقاتل آخر عاش معه في الأهوار فقال : كان جابر مصابا بالسل الرئوي ومن النوع المتقدم جدا ..وكانت هناك (25) ألف إصابة بالسل في الأهوار .. وعلميا يجب أن تنتقل العدوى من جابر إلى كل الأشخاص الذين يعيشون معه ، لكن جابر لم يتسبب في عدوى أي أحد .. إنها أيضا من حالات ما بعد الحب التي تعطل إرادتها حتى القوانين الفيزيائية والباثولوجية . وفي استهلال قصيدة (حچام) يقول الشاعر بلسان المتكلم :
((أواكح…
چنّي ( كأني ) إيد تفوج
مگطوعة أصابعها
أشوغ ويه الشمس ليفوك
أعاتب گاع مدفون بنباعيها
مكتوب ابلاويها
اتحفر بيّه مساحيها ))
وإذا كان في مفردة العنوان (حچام) نوع من الصرامة الحروفية التي يثيرها حرفا الحاء والجيم المعطّشة،وهما حرفان أثيران لدى الشاعر(راجع دراستنا:الخيميائي)، فإن هذه الصرامة الابتدائية تتسارع إيقاعيا ونفسيا ولغويا من الاستهلال العنيف بالفعل ( أواكح ) ثم بالفعل ( أشوغ ) ..والاستهلالات العنيفة الصادمة هي سمة حاسمة في جميع قصائد مظفر التي تتناول الهم الوطني ومعاناة الشعب :
# ((ميلن ..لا تنگطن كحل فوك الدم
ميلن ..وردة الخزّامة تنگط سم)) – قصيدة ( مضايف هيل )-
# (( هذوله احنه .. سرجنه الدم
عله اصهيل الشگر .. يا سعود
خلّينه زهر النجوم ..
من جدح الحوافر سود )) – قصيدة (عشاير سعود)-
# (( تنذل انجومچ يالدنيه
وعيناي بليلچ مشتعله
وانشابچلچ ميّة منجل
تنضح دم وانشلح الدوله ))- قصيدة (مامش مايل)-
# (( من دمّچ ..
خذينه العرسه خزّامه
خذينه برگع لحزنه ..
رسمنه خنجر .. بسجنه
وكتبنه حروف بحزامه ))-قصيدة (جد إزيرج )-
…. وغيرها (ولاحظ تكرار مفردة الدم في هذه الأمثلة الاستهلالية ولكن لهذا وقفة خاصة ) في حين نجد أن استهلالات القصائد العاطفية تكون هادئة الإيقاع وبمفردات مسالمة إذا جاز التعبير .وإذا عدنا إلى فعل الاستهلال ( أواكح ) وسرنا مع أفعال القصيدة حتى النهاية فسنجد مفارقة مهمة في استخدام الضمائر يمكن أن نعدّها سمة من سمات الإبداع النوّابي..ففي الغالبية المطلقة من قصائد مظفر الوطنية التي تتعامل مع عذابات شعبه يوجد ضمير واحد متسيّد تماما تقريبا وهو ضمير الجماعة المتكلّمة أمّا ضمير المتكلّم الفرد فهو استثناء (وبذلك تكون قصيدة- حچام – ومعها( حسن الشموس) أيضا استثناء نادرا ضمن هذا الإطار).أمّا في قصائده الوجدانية فالمعادلة معكوسة حيث تكون السيادة المطلقة فيها لضمير المتكلم الفرد ،أمّا ضمير الجماعة المتكلمين فهو الاستثناء؛ بل يمكنني القول أن مظفر لم يكتب أي قصيدة عاطفية بضمير الجماعة . يبدو أن الحب والعشق شأن ( الأنا ) في حين أن العذاب الجمعي شأن ( الأنا العليا ) ممثلة الـ (نحن ) في الجهاز النفسي الفردي . وبطبيعة الحال فإن الشاعر لا يقوم بهذا الأمر بعد أن يخطّط له على الورق .هذا أمر تلقائي تفرضه احتدامات اللّاشعور . اللاشعور الذي لا يكتفي بالفعل المعاند والتعرّضي :أواكح ،لكنه يمعن في تفسيره من خلال صورة بالغة الضراوة يشبّه الشاعر فيها حاله كيد تفج أمواج الظلمات العاتية وهي مقطوعة الأصابع . وعند مراجعة نصوص الشاعر نجد ظاهرة أخرى ملفتة للنظر هي دقة وصرامة التشبيهات المرتبطة بالبيئة المائية . فهو كائن مائي ترعرع في أحضان أمومة الماء طفولة ( عاش النواب طفولته في بيت على ضفة دجلة ) ورشدا ( أمضى الشاعر أقسى سنوات كفاحه في بحيرات الأهوار الجنوبية ) . وليس غير اختصاصي في الحياة المائية بقادر على فهم مرارة معاناة فرد يسبح بيد مقطوعة الأصابع . وإذا لاحظنا الحالة الإعرابية لهذا الفعل وأفعال القصيدة الأخرى : أشوغ ، أعاتب ،أشمّس ، أبوس ، أمد ..فسنجد أن حركة السكون النهائية تمنح الفعل تأثيرا صادما وهو في حالته المضارعة حيث يبدو فعلا متحققا بخلاف حركة الضمّة في حالته أو مرادفه في الفصحى التي تضعف عزمه النفسي مستعيرين مفهوم العزم من الفيزياء .ويبدو أن مزاج الناس العامة (الشعبيين) في حركتهم اليومية المضنية هو غير مزاج اللغويين والنحويين الفصيحين المسترخين .عندما كنا صغارا كنا عندما نريد أن نضرب أحدا بالحجارة نقول له ونحن نحكم قبضتنا على الحجر : إجيتك أي (جئتك)- أي أن الفعل قد انتهى نفسيا في حين أنه مستمر عمليا .وهذه الصياغة ضد تحديدات الشعور الحازمة ولكنها من منتجات عبقرية اللاشعور. والفعل أواكح وصيغته الزمنية المضارعة مستمرة لكن الوقفة السكونية توحي لك وكأنه قد أُنجز عمليا . ومثل ذلك يقال عن باقي الأفعال .ومن عادة النواب أنه يشكل الصورة الشعرية (فعليا) . الصورة الشعرية النوابية تقوم على الفعل لا الاسم .. صوره حركية .. بل ضاجة بالحركة التي يشعل التضاد فعلها النفسي . مع شعر النواب دخلت السمة الدينامية الصراعية ساحة الشعر العامي . فالراوي (يواكح) بشراسة تصعّدها حقيقة أن أصابع يده مبتورة ،وهو(يشوغ) ناقما إلى أقاصي السماوات ليعاتب أرضا خذلته( مقابلة أقصى الأعلى بالأسفل ).وهذا التناقض الحاد يمثل انفصالا نفسيا في ذروة النقمة بين الأنا الشعري المراقب وبين الأنا – الموضوع المقطع الأوصال الذي ابتلعته الأرض الأم ، التي يستولد مظفر عادة الأفعال من مسميات مكوناتها وليس العكس فيشتق الفعل ( أشمّس ) من مفردة الشمس :
((وأشمّس روحي بالسنبل
يجي بروجة شمس..
يسگي السفن والناس
يسگيها ))
ولأن مظفر كما وصفناه سابقا ( فلّاح شعري ) فإن البناء الشكلي لقصيدته يتأسس على مفردات اللغة الزراعية إذا جاز التعبير ؛مفردات الخصب والنماء التي يشيد منها معمار قصيدته حيث تزدحم ساحة هذه القصيدة بمفردات : الماء ، الگاع ، السنابل ، الشمس ، الشريعة، الهور ،القصب ، السقي ، التمر، الطين ،العنب ….إلخ . أمّا تركيبتها المضمونية فهي ساحة صراع في رحم الطبيعة الأم ، فيه يتماهى الشاعر مع الأنموذج الجمعي كـ ( شاعر قتيل ) تقطّع أوصاله المساحي الباشطة ..وتنسرب روحه العنيدة في عروق السنابل ،كخطوة تمهيدية على طريق انتظار المنقذ ، الذي تتهاوى روح الشاعر المازوخية إلى أشد حالات الإنذلال ؛ تقبيل اليد .. لكنها تضحية مرجأة رغم أنها مستمرة كمشروع وكأمنية معطلة بسبب الإحباط والخيبة:
((أبوس إيد اللي يسگي الناس
ويحمّل تمر ، وسلاح ، ورصاص
بشرايعها
أبوس إيد اليشيل البرنو الزبنية
بطرگ ثوبه ،
وأبايعها …))
ومن هنا نكون قد دخلنا ساحة الاحتدام الحقيقية .وتكون الإشارة هو عدم تكرار حرف الروي – الياء ، بعد هذا الموضع ، أبدا .هنا تظهر احترافية مظفر ” الحروفية ” العالية . فحين يكون الانفعال صاخبا يستخدم الشاعر العين كحرف روي :
أواكح چني …………………. ومگطوعة أصابعها
أو :
أبوس ايد ……………………. ورصاص بشرايعها
أو :
أبوس اليشيل البرنو………………….. وابايعها
ولكن حين يكون الخطاب مظهرا لعملية تماه مع الأرض الأم نجده أكثر غنائية واسترخاء :
واشمّس روحي بالسنبل ……………….. يسگيها
أشوغ ويه الشمس ……………………..ابنباعيها
مكتوب ابلاويها
اتحفر بيه مساحيها
ولا تضفي مفردات مثل (البلاوي) و(المساحي) أي لمسة صارمة على الصورة الشعرية .. فهي أشبه بهمسة عتاب ممتدة تفرضها العلاقة المازوخية الحيية للشاعر بأرضه .أما حين يُستفز وجدان الشاعر وتضج النقمة الممزوجة بالحيرة في أعماقه فإن وقفة القافية الأخيرة تأتي وكأنها تهديد ممزوج بنفاد صبر صارخ . يتضح هذا عند تحوله من بيتي التمني المعطل للمنقذ البطل الذي يحمل التمر والرصاص والبرنو (البندقية)الأصيلة إلى بيتي الأسف الممض على أرضه المستلبة التي يمهد لحالة استلابها بالحالة النقيض التي تؤججها أكثر- وهي من السمات الأسلوبية للنواب – حيث يهيئنا باستذكار جمال مرابعها .. وبتاريخها المقاوم العنيد . يفتتح البيتين بزفرة أسف حارقة تنبثق من أعماق روحه الآسية ممثلة بمفردة (أفه)المنطلقة مع الزفير المستنكر :
(( أفه يا گاعنه ! الوكحة
حلاة الليل ، واهل الليل
والنار ..
ابمرابعها
أفه يا گاعنه !
السحگتها
وانسحگت عليها
جيوش يا بو جيوش
وما بدلت طبايعها ..))
وتستمر زفرة الأسى الحارقة والشاعر يقارن بالواقع النقيض الذي يهز بهاء الذكرى ويمزقها.فالمرابع الساحرة العامرة بالرخاء والدفء والجمال استبيحت من قبل أكثر الكائنات جبنا ، أما الإرادة الحديدية التي دوّخت التاريخ ؛ إرادة الأرض التي ابتلعت الغزاة بألوانهم وأشكالهم كافة ومهما كانت درجات جبروتهم، ابتلعتهم وظلت محافظة على أصالتها ، لكنها الآن تواجه أحقر المصائر ، عروس تُهتك أستار عرضها من قبل أكثر الوحوش انحطاطا ..وفي الذاكرة الشعبية فإن أبشع مصير ينتظر العروس هو أن يكون عريسها معروفا بغدره المسبق وانعدام وفائه :
(( أفه يا گاع !
ينبت بيچ للواوي عنب
يا طيبة
ويعرّس عليچ الذيب ! ))

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *