ناهض الرمضاني : إذا اقترب الزمان (القسم الثاني والأخير)

قديم – لكنني شعرت بتعب شديد حينما وجدت أن كل الطرق إما أن تكون طرقا صاعدة صعودا حادا اعجز معه عن مواصله سيري . أو يجعلني انقلب على ظهري ساقطا الى الخلف أو كانت طرقا هابطة تجعلني أتسارع مرغما حتى افقد توازني واسقط منكفئا على وجهي وهاويا نحو نهاية الطريق الذي تقطعه مفترقات طرق أخرى . واصلت السير دون توقف ودون أن اصل الى مكان ما . مشيت مشيت مشيت حتى أوشك نعلي أن يذوب تماما لأجد نفسي فجأة قرب مؤسستي التي غادرتها هاربا منذ مدة طويلة.. أدركت تماما حجم ورطتي .. فقد كنت أسير في دائرة . دائرة كبيرة . أصاب الوهن جلدي كله وتهدل شريطي وأوشك نعلي على التمرد والانفصال . لكنني تماسكت وقررت أن أجد حلا حاسما لهذا المأزق المرعب.
التفت الى الشمس . كانت ما تزال ساكنة في محلها ذاته . وضعتها على يميني وبدأت مسيرة جديدة . مسيرة هادئة بطيئة لكنها واثقة… تنقلني بثبات نحو الشمال .
أحسست بغصته حينما تذكرت كروية الأرض . قد أعود ثانية لأجد نفسي أمام مبنى المؤسسة لكن فردتي الثانية طمأنتني الى أنني ربما سأصل الى محطة ما قبل أن أعود لأكمل الدائرة . ارتفعت روحي المعنوية فبدأت رحلتي بنشاط . كان هناك أمل جديد . آمال جديدة عريضة وثبت في مسيري وأنا اصفر لحنا رحبانيا وعشرات الأفكار تدور في ذهني الذي بدأ يتقد ويتقد . مشيت مشيت مشيت حتى بدأت اشعر بالتعب . بدأت خطواتي النشيطة تتباطأ رغما عني. تلفت حولي لأفاجأ بأنني ما زلت في نفس المكان . المشهد نفسه تماما.  المباني نفسها . الشوارع نفسها . الرصيف نفسه . عدت للهرولة فالركض لكن المشهد لم يتغير . كان الرصيف يرجع للخلف كلما تقدمت خطوة للأمام . ركضت بأقصى طاقتي . ركضت حتى ذابت مؤخرة نعلي .. كم مرة تعثرت بشريطي . وكم مرة اصطدمت بفردتي الأخرى .. لكنني . ورغم كل هذا الجهد لم استطع مغادرة مكاني . بدأت الهث وبدأت أنفاسي تتسارع وتتسارع حتى أوشك قلبي على الانفجار . توقفت وقد تملكتني نوبة سعال شديد . كنت قد ركضت مسافة طويلة جدا رغم أني لست حذاء رياضيا . بذلت أقصى جهدي . فعلت ما لايستطيع فعله حذاء ركض فاخر ، وأنا مجرد حذا محلي . ولكن لا فائدة .. وفي محطة حافلات يبدو أنها مهجورة ككل شيء في هذه المدينة . في تلك المحطة . وقفت متكئا على فردتي الثانية والحزن يملؤني . لا ادري كم لبثنا هناك . كنت أتنفس بعمق وأنا مغمض العينين حينما أحسست بجسم ضخم يقف أمامي فجأة دون أن يصدر صوت ما . كانت حافلة كبيرة قد فتحت بابها بعد أن توقفت في المحطة .
لم تكن المحطة مهجورة إذن . قفزت بسرعة الى الداخل واخترت مقعدا قرب الشباك وجلست ناظرا الى الشارع . انسابت الحافلة بلا صوت .. ها انذا اجلس في حافلة أنيقة تجتاز شوارع مضاءة يغسلها مطر خفيف تنساب قطراته بنعومة على الزجاج .. أنا أداعب بين أصابعي زهرة  نرجس صغيرة  . وناظرا بين فترة وأخرى الى ساعتي … سأتاخر ثانية عن اللحاق بالمحاضرة الأولى. لا يهم .. سأذهب الى المكتبة .. المكتبة  . سأجدها هناك وسنكون معا بمفردنا على الأغلب.. فالوقت مبكر . تحسست ربطة عنقي الحريرية. وزررت سترتي الداكنة الزرقة . اعتقد أنها ستكون بمفردها . فما زال الوقت مبكرا على مجيء الباحثين .  سأقرأ لها كتاباتي وستقرأ لي خواطرها . قد أنافقها قليلا.. لن أقول لها الآن رأيي بصراحة فيما تكتب . سيغضبها ذلك . أظن أنها تكتب ما تكتب من اجلي .. بقي لي شهور وأتخرج. سأنهي دراستي أخيرا . سأواجه الحياة . سأعمل . لا . قد أستطيع الحصول على منحة . نعم سأكمل دراستي في بلد آخر . في عالم آخر .. أما هي فستبقى في المكان نفسه . مجرد موظفة بسيطة في مكتبة . فتاة طيبة.. أتمنى أن تجد لها فرصة أخرى . نظرت ثانية الى الساعة . سأصل في موعد المحاضرة تماما .. لن أتأخر إذا . حملت كتبي بعد أن ألقيت الزهرة على الأرض . توقفت الحافلة ثم انطلقت ثانية.
ـ إنها تنظر إليك  . قال صديقي بصوت يشتعل حماسا . التفت الى صف المقاعد المجاور فوجدتها تنظر الى النافذة .
ـ انت تكذب قلت لصديقي القصير ذي الشعر المنكوش .
ـ اقسم بالله إنها كانت تنظر نحونا قال لي بصوت واطىء متهدج .
نظرت إليها ثانيه فضبطتها وهي تنظر نحوي بعينيها العسليتين . وما إن تلاقت عينانا حتى احمر وجهها وحاولت الالتفات تهربا مني إلا أنها تماسكت وبقيت تنظر إلي مبتسمة ابتسامة لا تكاد ترى . أوشك قلبي على التوقف .. لم ادر كيف أتصرف . إنني انتظر هذه الابتسامة منذ شهور . همست بأذن صاحبي الذي كان يحبس أنفاسه ويحاول إبقاء نظره مصوبا الى الأمام كي لا تثير ريبة الركاب . همست بأذنه قائلا
ـ إنها تنظر نحوي فعلا .
لم يستطع بعدها أن يمنع نفسه من الالتفات . أدار رأسه بسرعة نحوها ثم خاطبني هامسا بصوت مرتعش
ـ لقد أثرت انتباهها . نجحت الخطة . عليك أن تنفذ الجزء الثاني فورا .
ـ لا ..صرخت هامسا في أذنه .
ـ أنت جبان  .
ـ أنت متهور
ـ لم تعد صغيرا . لسنا صغارا الآن .. سننهي دراستنا الثانوية بعد سنتين .
   ملأني كلامه بالثقة . نظرت الى انعكاس وجهي في زجاج الحافلة. تأملت باعتزاز الخط الرفيع الذي بدأ ينمو فوق شفتي العليا . أنا رجل  رجل بشارب . وبعد عامين فقط سأنهي دراستي الثانوية . وتلك الفتاة الجميلة التي تجلس هناك تحبني . تحبني أنا … اما انا .. اه .. سأتزوجها . اقسم بالله على ذلك .
ـ نفذ ما تبقى من الخطة قال صاحبي المندفع
ـ لنؤجل ذلك اليوم اجبته بتوسل
ـ قد لاتتاح لنا فرصة اخرى . عليك فقط أن تمر بقربها .. ثم وبكل بساطه الق بالشريط اليها .
ـ وما ادراك انها تحب عبد الحليم .
ـ هل انت مجنون . اهناك احد لا يحب عبد الحليم : قال صاحبي باستغراب .
ـ وكيف أتأكد من أنها ستفهم الرسالة .
ـ عبد الحليم سيتكفل بذلك . حبك نار .. ناااار . انهض ولا تكن جبانا .
ـ وكيف أتأكد انه نفس الشريط ؟ سألته وأنا ابحث لنفسي عن أي عذر للتهرب .
ـ كيف تتأكد .. لقد سمعناه أمس عشرة مرات . انهض قبل أن نصل نهضت متعثرا بخطواتي . تثاقلت وأنا اصل قرب مقعدها . وبأطراف أصابعي مددت إليها الشريط وقبل أن أسقطه اهتزت الحافلة قليلا  ..ثم توقفت في محطة ما ووجدتني اجلس على مقعد منفرد احتضن كيسا من الموز وأنا منهمك في قراءة ( كنوز الملك سليمان ) أخرجت موزة من الكيس وبدأت آكلها ببطء وتلذذ وذهني يسرح مع المغامرة العجيبة . كهوف وصحارى ، ذهب وأشرار ، أبطال وساحرات . انتهت الموزة . كنت أريد أن آكل واحدة أخرى إلا أنني كنت قد استأذنت أبي وسمح لي بأكل موزة واحدة فقط. وقد أكلتها ووضعت القشر في الكيس . كان قد حذرني من رميه على الأرض . ولن افعل شيئا كهذا . سأرمي القشرة في سلة المهملات . أنا صبي مثقف ارتدي بنطلونا قصيرا بحمالات وقميصا مكويا وشعري مسرح بعناية شديدة . متفوق في دراستي ولا أخالف أبدا أبدا وصايا أبي . لكن الكتاب مثير. هل بقيت كنوز في العالم ؟  ربما عثرت على كنز .. لا . لن ابحث عن الكنوز . علي أن اعمل . أن أقوم بشيء يفيد الإنسانية  مثل ذلك الطبيب الذي عاش مع الفقراء في إفريقيا . سأصبح مثله واخدم الناس . نسيت اسمه ولكنني سأصبح مثله إنسانا عظيما يفيد الناس كلهم ولن ابحث عن الكنوز . أنا لست طماعا . ربما سأكتشف قارة جديدة  ..نعم  .. قد أصبح مكتشفا . ولكن هل سيبقون لي أراضي لاكتشفها حين اكبر ؟ ام انهم سيكتشفونها قبلي ؟ نظرت الى الكيس .. كان أبي قد طلب مني إيصال الموز الى البيت . وسمح لي بأكل موزة واحدة . لكنه لم يحص أصابع الموز . أنا متأكد من ذلك . وأنا أحب الموز . لن ارمي القشرة على الأرض ..  مددت يدي ثانية والتقطت موزة أخرى . فاهتزت الحافلة قليلا قبل أن تتوقف  . كنت اجلس في مكان وثير جدا . لم يكن مقعدا عاديا. كانت الحافلة تتهادى ببطء وكنت اجلس في حضن أمي. كانت تلف وجهي بطرف عباءتها وتنظر لي وتبتسم بسعادة . وكنت ابتسم بفم خال من الأسنان . كانت الشمس تظهر وتختفي . وكانت الأشياء تمر بسرعة عائدة الى الخلف . ما كان ثابتا هو وجه أمي . ابتسامتها .  أسندت رأسي الصغير الى صدرها مستنشقا رائحتها ألمميزة . أغمضت عيني مستسلما  لإغفاءة لذيذة . لكن أشعة الشمس ضايقتني . أغمضت عيني بقوة .. لم اشعر بالراحة . أدرت وجهي لكن الشمس ضايقتني . فتحت عيني بصعوبة فأعمى وهج الشمس بصري . نهضت بتثاقل وأنا لا أكاد أميز طريقي. صرخ بي الركاب يحثونني على الإسراع . لكن جسدي المتداعي كان يرفض الحركة . كانت قدماي بالكاد تحملانني . وكان ظهري المتيبس يرفض الانتصاب . كنت احمل بيدي كيسا مليئا بأمتعة ثقيلة . جررت خطواتي وسرت بقامة منحنية متداعية على أرضيه متهالكة لباص قذر . نفذ صبر السائق فحرك الباص قليلا للامام . اهتززت وأوشكت أن اسقط منكفئا على وجهي . ألا يرحم احدهم شيخوختي . أسرعت ما وسعني الإسراع ويمناي تجر الكيس الثقيل . توقفت للحظات على السلم . لم اعد أستطيع التنفس . وضعت قدمي اليسرى على الأرض وحاولت سحب الكيس ورائي إلا أن الباص تحرك .. سقطت مصطدما برصيف قذر تحت أشعة شمس تموزية مهلكة . أصبحت غير قادر على تحريك جسدي . صرخ بعض الركاب إلا أن الباص سار مبتعدا وهو ينفث سحبا من دخان اسود . لم يأبه لي احد . حاولت جاهدا النهوض ، لكن جسدي الكهل رفض أن يطاوعني . سحبت يدي بصعوبة محاولا حجب أشعة الشمس عن عيني .  اكتشفت أن يدي الملتوية ورائي ما زالت ممسكة بالكيس . شعرت بألم كبير . شعرت بمهانة كبيرة . شعرت بيأس. يأس . لا.. تركت الكيس ونهضت صارخا ملء وجودي  …. لا…. دوت الصرخة في كل مكان . ..لا.. . صرخت فتوقف كل شيء حولي . أحسست بأشخاص يركضون نحوي .هربت بسرعة لكنني أحسست بخطواتهم تدنو مني أكثر وأكثر . قفزت عاليا فإذا بي اصعد واصعد . وإذا بالمدينة تحتي تصغر وتصغر وتتلاشى . المدينة .. مدينتي . القباب المآذن . الحدائق الشوارع البيوت . مدينتي .. المنازل . ذلك المنزل . بيتي .. آه . بيـتـي  كنت أطير منقذفا ومبتعدا عن المدينة . حملتني الرياح الصاعدة عاليا عاليا  وأنا أتمزق بين اليأس والرجاء .    لا . صرخت ثانية فارتفعت أكثر وأكثر  .. استطال جسدي وهو يندفع مخترقا السماء . ثم بدأت اهبط . كم خشيت السقوط والتحطم .. تماسكت …  تماسكت أكثر وأكثر كلما اقتربت من الأرض . تماسكت حتى اصبح جسمي بصلابة الفولاذ.
    هاهي ذي الأرض تقترب . تقترب . ها انذا اسقط منغرزا في الرمال. وهاهي ذي كف فارس عربي تمسك قبضتي وتسلني من الرمال لتبارز خصما باغتها . كنت سيفا .. كنت سيفا  عربيا مقوسا في كف قوية . درت بسعادة في الهواء قبل أن اضرب سيفا عريضا مستقيما يحمله مقاتل صليبي . ضربته ضربات خفيفة ثم حاولت مفاجأته بطعنه قاتلة . انحرف المبارز برشاقة وضربني سيفه ضربة آلمتني . حاولت الاقتراب أكثر . الانقضاض والاشتباك . كنت اشتعل حماسا وأنا اسمع صيحات المحاربين تعلو من كل مكان . الله اكبر . الله اكبر . اقشعر معدني وازداد بريقي . الخيول تصهل الرماح تتطاير من كل اتجاه . السهام . كرات النار التي تقذفها المنجنيقات . أخيرا سأقاتل . سأقاتل . حاولت أن أطعن . أن أصيب خصمي في مقتله . لكن القبضة القوية الممسكة بي كانت تمنعني من ذلك . وحتى حينما كنت أغافلها وأضرب بقسوة . كان معدني ينثني . وكان سيف الصليبي ينثني ويتلوى أيضا . فكرت بحل سريع . كنت أخشى أن تنتهي المعركة قبل أن افعل شيئا ما . إنها فرصتي . طعنة مستقيمة في العنق . ترقبت الفرصة طويلا وأنا ألاعب السيف الآخر . ثم اندفعت بجنون نحو عنق المبارز .
ـ ستوب . برافو . اطبع  .. صرخ احدهم وأحكمت اليد سيطرتها علي وجمدتني وأنا أوشك أن أنفذ في الرقبة . ساد السكون ارض المعركة للحظات ثم تغير كل شيء . قام الموتى، ونهضت الخيول المتسـاقطـة . سقطـت جدران المدينة المحترقة ، وسار المقاتلون – جميع المقاتلين – معا وهم يتبادلون احاديثا عادية.
ـ أوشكت أن تخدشني . قال المبارز الصليبي .
ـ لا ادري ماذا حدث تماما . ربما اندمجت كثيرا في الدور .  أجابه الفارس العربي معتذرا .
ـ حسنا عليك أن تكون أكثر حذرا في المرة القادمة .
ـ لا تخف .. نحن محترفون .
القوني مع سيوف وأسلحة ومعدات كثيرة أخرى في مستودع كبير تسوده الفوضى . وكان السيف المستقيم ينظر إلي مبتسما ابتسامة هازئة .
ـ أنت سيف ناشيء .. لعله دورك الاول . هززت مقبضي بخجل مؤيدا كلامه.
ـ انتبه اذا فعلت ذلك ثانيه فقد تكسر نفسك.
ـ اكسر .. أكسر بهذه البساطة . الست سيفا حقيقيا ؟.
ضحك السيف المستقيم ضحكة طويلة . ثم تمتم بحزن
ـ كلنا سيوف زينه . اكسوارات يدوية . لا أكثر ولا أقل . أتظن نفسك قادرا فعلا على الطعن . لو فعلتها فستنكسر . ستنكسر  أو أنهم سيكسروك . في المرة القادمة عليك أن تكون أكثر حذرا.
ـ لكنني أوشكت أن اطعن الصليبي في رقبته .
ـ أي صليبي .. أنه مجرد كومبارس مسكين يؤدي دوره المرسوم .. لماذا كنت تريد طعنه .
ـ لاحمي المدينة .
ضحك السيف حتى سقط على جنبه محدثا قعقعة كبيرة .
ـ تحمي المدينة . أنت إذن تريد تصحيح التاريخ . بينما هم يريدون فقط  إنتاج مسلسل مربح . انه عمل . استثمار . إنتاج وتوزيع وأرباح ( بزنس بزنس ) . متى ستفهم .
ـ ألست سيفا !؟. سألته وأنا أكاد أتمزق غيضا .
ـ لا .. لا بالطبع . لو كنت سيفا حقيقيا لما أحضروك الى هنا. للأسف الشديد فالسيوف الحقيقية لم تعد موجودة إلا في المتاحف . انتبه جيدا  لسلوكك  والا فانك ستنتهي بسرعة . من حسن حظك انك قد حصلت بسرعة على دور ما . لم يعد احد يهتم بالمسلسلات التاريخية هذه الأيام . قد تنام طويلا في هذا المخزن . وقد يحالفك الحظ وتعلق على جدران غرفة فاخرة في مسلسل حديث . لن تكون عندها حتى اكسوارا يدويا. ستصبح قطعه ديكور ثابتة وحسب . انكمشت على نفسي وغمرني إحساس كبير بضالتي . إحساس مخز لفني من ذؤابتي وحتى نهاية مقبضي . وكنت أرى الفارس العربي قد خلع درعه وارتدى ملابس عصرية رثة . أحصى دراهمه ووضعها في محفظه جلدية بالية دسها في الجيب الخلفي لبنطاله . محفظة جلدية . محفظة متقشرة من جلد ثعبان . لم امتليء يوما بالنقود . بطني منتفخ دائما بأوراق لا قيمه لها . صور أطفال قد أصبحوا شبابا الآن ولا يكادون يتذكرون وجه أبيهم . أرقام هواتف وإيصالات . كارتات شخصية حملت معها آمالا عظيمة باءت كلها بالفشل . قصاصات صغيرة لأفكار لم يتح لها أن ترى النور . كان يسير مجرجرا خطاه وكنت استرق النظر الى الشارع من جيبه الخلفي . هل سيسير مسافة طويلة . السيارات الحديثة تملأ الشوارع والفارس العربي يجرجر قدميه متعبا وهو لا يستطيع حتى أن يستأجر سيارة خاصة ليكمل مشواره . كم ملأني بأوراق وقصاصات . وكم مرة جلس وافرغ جوفي من أوراق تحمل خططا ومشاريع محبطة . ثم أشعل النار في هذا كله . لقد ملأني بكل شيء . كل شيء إلا النقود التي كانت تزورني بكميات تافهة وفي أوقات متباعدة . ثم تفارقني بسرعة . هازئة بي . كلكامش . كلكامش . لقد دس في بطني ألف ورقة تحمل هذا الاسم . وها هو ذا العمر يمضي وهو لم يلعب حتى دور اورشنابي .  ادوار صغيرة . أجور تافهة . أحلام كبيرة تتلاشى في الهواء . سيفرغني ثانيه ليجري مهاتفاته التي لا تنتهي ولا تجدي. الم ييأس بعد ؟ ما هذا .. إنها يد غريبة .. يد غريبة تمتد نحوي وتلتقطني .. أحاول التشبث بجيب البنطال . أتثنى محاولا تنبيه الفارس الشارد أبدا . لا فائدة .. سرقني احدهم . التقط النقود بسرعة. ثم رماني قرب فتحة تصريف مياه . اه .. محفظة قديمة مسروقة وفارغة وملقاة على قارعة الطريق . ما أقسى نهاية كهذه .  ما جدوى الحياة . قد تمر سيارة فوقي فتسحقني وتقضي على آخر أمل لي في حياة طبيعية . ها هي ذي شاحنة تقترب.. ستسحقني وارتاح… سارتاح . ولكن … لا .. لا لن استسلم أبدا .. ها انذا التف منبرما حول نفسي وأتسلل الى مجرى الماء السفلي . أتسلل مستطيلا بعد أن أفرغت الصور والأوراق وكل الأشياء الأخرى من جوفي . لن أكون محفظة بعد الآن . أنا ثعبان . ثعبان  مخيف يزحف ويلدغ .. ولكن مهلا !! ما هذا !! أين أنا ؟؟  وكر افاع أم مجرى مياه . انسللت مبتعدا مرتبكا وسط مجرى قذر مليء بأفاع ضخمة . حاولت ألا أثير انتباههم لكنني فشلت . ارتفعت أصواتهم هازئة مني. أفعى صناعية.. جلد ثعبان صناعي . دمية . اقتربت مني حية كبيرة وحاولت نهشي .. هل تأكل الأفاعي بعضها !!  أحسست برعب قاتل. ألقيت نفسي وسط المجرى متلويا ومندفعا بأقصى سرعة بعيدا عن الحية التي توقفت عن مطاردتي بعد أن أضحكت علي الأفاعي جميعها . تردد صدى ضحكاتهم في المجرى الطويل المعتم ..كم أحسست بالخزي . زحفت منكسرا محني الرأس حتى نهاية المجرى ثم ألقيت نفسي في المصب وسط كومة من الأقذار . انسللت بهدوء وأنا أحاول أن استعيد شكلي القديم . لكنني كنت قد تقشرت تماما بعد هذه المغامرة الفاشلة . طرحت نفسي على صخرة تحت شعاع شمس غريبة .. كنت شعاعا حزينا يشرق مرغما لينير مسرح مأساة . كنت أشرق لأنير نهارا يضطهد فيه عمال غرباء . ينتظرون ظهوري ويقطعون نهارهم كله متحملين حرارتي ليحصلوا على فتات . كنت أشرق فأنير طرقا مسدودة يسلكها كل يوم  أسراب من الباحثين عن عمل ما .. أي عمل.. وكنت أشرق لأحرق رؤوس أشخاص يائسين ملّوا البحث والفشل فاقتعدوا الارصفة حتى ملتهم . كنت أشرق فأنير الدرب أمام أسراب الغرباء الهاربين من رجال شرطة قساة يطاردون الغرباء . كنت شعاع شمس يحرق راس تلك العجوز المتشحة بالسواد مضاعفا ألآمها أكثر وأكثر . عجوز تقتعد الرصيف . آه . بخار الألم يتصاعد . رأسي يكاد يتصدع. أين تذهب الصحة ؟؟  قبل عشرين سنة كنت في الـ.. الأربعين . كنت املك زوجا وبيتا وأبناء وبنات. والآن… الآن لا املك إلا هذا الصندوق من الورق المقوى وبضع علب دخان مهربة .. وثلاث بطانيات قديمة في غرفة رطبه اقاسم فيها أخريات . اقاسمهن الرطوبة والحزن .. أين ذهبت تلك الحياة العريضة . اهذا كل ما تبقى . وهذه الشمس المهلكة . شمس في الصيف . وبرد في الشتاء .. ما أقسى أرصفة الغربة ! أين شعاع الشمس في فناء المنزل ؟ ين صوت الباب وهو يفتح ؟ صوته وهو يقفل ؟ اين اصوات الدجاج ؟ اين نباح الكلب ؟ أين الزوج يدخل متعبا فتسعده رائحة الخبز ؟ اين اصواتهم ؟؟ أين أصواتهم تنادي (يمـّـه). لم اعد اسمع الا ابواق السيارات . جفّت السماء . وجف النهير.. ومات الزوج  .. وضاع الاولاد . ولم يبق إلا هذا الصندوق. وتلك البطانيات.  ورطوبة الغرفة والغربة وشريكاتي في السكن والحزن .. لماذا يتأخر الموت هذه الأيام ؟؟ لماذا يزداد الالم؟؟  هل تعوّد الموت سرقة الصغار ونسينا نحن ؟ هل سأموت على هذا الرصيف ؟ من سيدفنني .. واين؟. من سيبكيني ؟ الألم يفتك برأسي.. هل .. حذاء شرطي يضرب الصندوق. تتطاير علب السكائر في كل مكان.. لا. لا. لا. قلت وانا أدور كزوبعة ثم اتجمد فاتحا ذراعاي كشجرة ميتة. كانت دموعي حمراء.. كنت ابكي دما غزيرا قانيا. اقترب مني كلب وبدأ يلعق دموعي اقترب كلب آخر وآخر كشر احدهم عن انيابه وغرسها في جذعي ـ بعد أن استأذنني ـ بدأت الكلاب الاخرى بالنهش بعد أن تركت اللعق. وكان دمي يتدفق.. سأنزف حتى الموت.. سأموت.. سأرتاح. استمر النزيف لكنني لم أمت . كم دام وقوفي . يوما . اثنين . شهر . عشرة أعوام . دماء . دماء في كل مكان . ليست أي دماء .. إنها دمائي . تقدم رجال مكممون  . بملابس وقفازات بيض اخذوا عينات عديدة من الدماء . سيدرسوه ويحللوه ليكتشفوا الأسرار ويستخلصوا العبر ويصدروا التوصيات . استمر اللعق والنهش والنزف وبقيت واقفا . جاء رسام ووضع مسنده وثبت قماشته وبدأ يرسم . حركت رأسي يمنة ويسرة .. لم اعد أستطيع الحياة .. لم اعد أريد الحياة .. لم اعد احتمل .. لم لا يأتي الموت .. صرخت من أعماقي .. صرخت بلا صوت فالتقطت صرختي عدسة مصور صحفي .. وفي الغد كنت موضوعا صحفيا .. قرأني البعض باهتمام .. نظر آخرون الى صوري بتقزز أو بحزن أو بقلق . أسعدت الصور آخرين .. أصبحت جراحاتي حديث الساعة .
   ساعة واحدة فحسب .. انتهت مني الصحافة بسرعة لكن عدسات أخرى اكبر كانت قد اقتربت مني وأمسكت بي وبجروحي . ظننت للحظة أن أملا ما قد لاح أخيرا .. وأن احد ما ولسبب ما سيقوم بفعل شيء ما ..
    وجدتني اجلس على كرسي مرتفع أمام مذيع شهير في غاية الأناقة وسط غرفة تسجيل فاخرة (( نحن على الهواء )) قال المذيع ثم بدأ بتقديمي للمشاهدين شارحا لهم كل الفرضيات والاحتمالات التي قد تكون سببا لظهور القروح في مؤخرتي . نظرت الى شاشات التلفاز الموجودة أمامي . لم يكن عليها صورة المذيع  . ولا صورتي . كانت الشاشة تعرض صورة أدركت أنها صورة مؤخرتي العارية المتقرحة . نظرت الى جسدي . كنت عاريا تماما . فكرت بهدوء .. أنا عار تماما أمام عدسات تبث صورتي لملايين المشاهدين .. تبث الصورة مباشرة .. على الهواء … فهمت ما يحدث وأنا في منتهى الهدوء . وبعد أن فهمت تماما ما يحدث – وكنت ماأزال بمنتهى الهدوء – صقعت  ..صعقت  ووقفت صارخا فانتقلت العدسات لتصور عورتي . غطيتها بكلتا يدي فعادت الكاميرات لتبث صورة مؤخرتي . جلست .. لكن المخرج كان قد ثبت عدسات دقيقة في المقعد واستمر بث اللقطه ذاتها .
ـ اهدأ .. اهدأ من فضلك ودعنا نطرح قضيتك بموضوعية وبشكل علمي  قال المذيع الانيق
لم يكن بإمكاني أن اهدأ .. ولا أن أناقش القضية بموضوعية.. لا ولم يكن بإمكاني مغادرة المقعد أو فعل أي شيء آخر . كان هناك قوة هائلة تشلني . تمنعني من الحركة أو مغادرة المكان
ـ اوقفوا البث .. صرخت مهددا .
ـ اهدأ قليلا .. فلا بد  أن تكون البداية هادئة . ثم لا بأس بعد ذلك من تسخين العرض .
ـ أي عرض .؟ أنا .. أنا عار أمام الملايين .
ـ  هذا هو المطلوب تماما . فنحن في هذا البرنامج نقدم للمشاهدين الحقيقة عارية . هذا هو واجبنا المقدس . وهذا هو ما عودنا المشاهدين الكرام على تقديمه .
ـ لقد أردت أن اشرح للجميع …
ـ ليس المهم ما تريده أنت . ما يهمنا أكثر هو الحقيقة . الحقيقة بلا أي رتوش .
ـ هذا لا يليق . لايليق . اوقفوا البث . صرخت بتوسل .
ـ حسنا سنوقف البث للحظات . ونواصل البرنامج بعد فاصل إعلاني قصير .
حاولت جاهدا مغادرة مكاني .. إلا أن الفاصل انتهى وأنا ما زلت مسمرا على المقعد .
ـ لماذا تخاف من المكاشفة . من حق الجماهير أن ترى الحقائق كاملة . أن تطلع على كل شيء بمنتهى الوضوح . بمنتهى الشفافية. وعندها فقط ستعرف الحقائق وربما ..ربما توصلنا الى حل .
ـ أرجوك .. صرخت وأنا أوشك على البكاء .. كنت أدرك حجم العار الذي يلحق بي .
ـ أنت مسؤول عن هذه البثور والتقرحات التي تغطي ردفيك .
نظرت إلى جسدي . كان مليئا بالندب والجروح والطعنات وآثار الأنياب . لكن الكاميرات بقيت تصور أردافي . أردافي وحسب .. ياللعار .
ـ هل تحس بالخجل .. سألني ببرود مهني فأجبته بالإيجاب .
ـ أما زلت تعتقد أن أحدا ما كان سببا لكل هذا .. هززت رأسي موافقا .  التفت صوب المشاهدين وانفجر متحدثا بسرعة عن ألعقلية العربية المشبعة بنظرية المؤامرة . والتي تلقي بكل المسؤوليات والهزائم والنكبات على عاتق قوى مبهمة غير مشخصة أو محددة . قوى ليس لها وجود إلا في خيالنا العربي المريض بدأت أجراس الهواتف ترن . اقترح احدهم علي اسم طبيب متخصص في معالجة الأمراض الجلدية . بينما تبرع ثان بسروال مستعمل – ولكنه في حالة جيده كما قال – مساهمة منه في التخفيف عن معاناتي . اتصل ثالث وطالب المسلمين بجلدي لأنني أظهرت ما لاينبغي إظهاره من جسمي. أوقف البرنامج ثانية وتم عرض إعلان عن البشرة الصحية. تتابعت الاتصالات وكنت قد بدأت استسلم لما يجري . لم أكن أستطيع الحراك عن المقعد . لم أكن أستطيع ارتداء قطعه ملابس واحدة .ولم أكن أستطيع بالطبع إيقاف التصوير . ولم تتح لي حتى فرصة لقول كلمة واحدة مما كنت أريد قوله . اتصل مشاهد وقال أن بلاهتي الشديدة كانت سببا لما حدث لي. وأنا استحق كل ما حدث ويحدث وسيحدث لي . كان المخرج قد بدأ يعرض صورة وجهي المكتسي بملامح عجيبة بالتناوب مع صورة مؤخرتي . اتصل آخر وقال إن الجراح وفقر الدم هي سبب البلاهة وليس العكس . وان علاجها سيعيد بعض الحيوية لذهني الكليل .. واقترح علي اسم مداو بالأعشاب الطبيعية سيسعده أن يحاول شفائي . استمر البرنامج وكان المذيع في غاية السعادة لكثافة الاتصالات – ولا سيما بعد أن اتصل بالبرنامج أكثر من وزير سابق – . كان من الواضح أن الحلقة قد حققت النجاح المطلوب .
    فجأة شعرت بسعادة كبيرة حينما أدركت أن بامكاني أن اجمع اللعاب في فمي . استمر المذيع في حديثه . كان كلامه متصلا فصيحا لبقا نظم فيه وجهة نظره التي كونها بالمشاركة مع الجمهور.. والتي تتلخص بمسؤوليتي الكاملة عن كل الشرور التي حدثت أو ستحدث في هذا الكون .. بسبب جهلي. وغبائي وطموحي اللا مشروع . واتكالي على عقليه أسطورية . ولعدم إدراكي لأهمية الغلاسنوست  .موضحا في الوقت ذاته الجهود المضنية التي بذلها في سبيل تقديم هذه الحلقة التي أسعدت مشاهدي قناته الفضائية المهمة . وبصمت كامل . كنت قد ملأت فمي باللعاب بصقت بقوة فأصابت ألبصقة وجه المذيع إصابة مباشرة . لم يرتبك . ولم يتفاجأ  . لابل اعتبر بصقتي دليلا ماديا حيا على صحة استنتاجاته. أوقف المخرج التصوير وهنّأ المذيع اللبق على نجاحهما الساحق . اخبره أيضا أن عددا كبيرا من المعلنين قد اتصل ليحجز وقتا إعلانيا في الحلقات القادمة . بحثت عن حذاء لاضربهما لكنني كنت حافيا وبعد دقائق كنت مقذوفا خارج المكان .
ـ ماما  هل هذا طرزان  ؟ قال طفل لإمه وهو ينظر إلي بدهشة وفضول
ـ هيا . طرزان ليس أجربا . قالت وهي تسحب الطفل بعيدا .
وجدتني وسط غابة كثيفة . أشجارها هائلة الحجم عميقة الجذور . بحثت عبثا عن شجرة يقطين لأغطي جروحي بأوراقها .. لم يكن هناك إلا الأشجار العملاقة . أشجار بأوراق على شكل عيون أو أفواه.. عيون خضر أو زرق أو صفر .. وأفواه صامتة أو متحركة . تصدر طنينا غريبا.. سرت طويلا بين الجذوع الهائلة . وكان الدم مايزال يتدفق من جراحي . حاولت إيجاد منفذ ما . كان الوقت يمضي وكنت اشعر بالإنهاك . بدأت أتعثر وأنا أجرجر قدمي بحثا عن مخرج . لم اعد أستطيع السير . ولم أكن أستطيع أن ارتاح  . كان علي أن أواصل  مسيرتي وأنا أكاد أموت نزفا وتعبا وضياعا وخوفا.. صرخت متألما بأعلى صوتي . خرجت صرختي عواء طويلا كعواء حيوان كاسر جريح . انقطع طنين الأوراق وحدقت بي العيون الملونة بدهشة . أغمضت العيون أجفانها ثم فتحتها ثانية وقد قررت تجاهل وجودي تماما . عاد الطنين ثانية فاستجمعت قواي كلها وركضت دون وعي . ركضت ركضت حتى تقطعت أنفاسي . ومع كل خطوة  أخطوها كان ألمي يزداد ، وكان دمي ينزف تاركا أثارا طويلة تمتد خلفي على ارض الغابة . شعرت بيأس كامل .. رفعت رأسي الى أعلى وعويت ثانية فانقطع الطنين ونظرت إلي العيون الملونة بغضب حقيقي. تحركت شجرة وامتدت نحوي أغصان طويلة أمسكت بمعصمي وقيدتني الى جذع شجر ضخم خشن اللحاء . حاولت عبثا التخلص من الأغصان لكنني فشلت .. فجأة . انتبهت إلى أن الجذع الضخم بأكمله يهتز لحركتي . واصلت هز الشجرة الضخمة فلم أتمكن من اقتلاعها . لكن أغصانها بدأت تحتك ببعضها البعض . واصلت تحريك الجذع بكل ما املك من قوة حتى لحظت خيط دخان يتصاعد من الأغصان السفلية .. حركت الشجرة بجنون فارتفع لسان لهب صغير بدأ ينتشر وينتشر ويحرق الأغصان .. للحظات قصيرة . أحسست بفرح. فرح طاغ . ثم ما لبثت أن أدركت حجم الورطة التي أوقعت نفسي فيها . فقد كنت مقيدا تماما الى تلك الشجرة . وكان علي أن اقطع الأغصان التي تكبلني أو أن اقطع جذع الشجرة . أو كان علي أن اقطع كفي لا تحرر .؟ بقيت أتحرك وأحاول فعل  شيء ما . لكن النار المتسعة امتدت وتسارعت والتهمت فرعا كاملا . نظرت  الى أعلى . كان الغصن الملتهب يهوي . وكانت النار تسقط باتجاهي تماما . شاهدتها تقترب مني وأنا عاجز تماما عن الحركة . سقطت جمرات فأصابت عيوني .. عيناي.. عيناي .. لقد فقدت بصري . أنا أعمى . يا ألله .. لماذا . ! لماذا ؟! يا إلهي ..  يا الهي هل تخليت عني ؟؟  لا . دوى صوت عميق عريض هز الغابة .. لا .. صرخت منتصبا لـ … لا فاجأ بنفسي جالسا على سريري وحيدا في غرفتي الصغيرة .. أدرت نظري بسرعة فيما حولي . ها انذا أبصر . أبصر .. وهذه هي غرفتي . هذه صورة أولادي .كتبي . أوراقي . خزانتي المعدنية الصغيرة والكرسي والمنضدة .؟ كل شيء في مكانه تماما . لقد … لقد كنت احلم.. احلم فحسب . أهذا هو الحلم الذي كنت انتظره طويلا ؟؟ كانت الأوراق الفارغة ما تزال موضوعة الى جانبي .. صفراء متسخة . مزقتها وألقيتها بغضب فتناثرت مغطية أرضية الغرفة الجرداء . نهضت وغسلت رأسي بماء بارد .. كانت الشمس توشك أن تنهي رحلتها اليومية في السماء .  ما أغرب أحلام القيلولة.. لا سيما بعد غداء ثقيل .. معادلة صعبة.. الطعمية .. ومعدتي المتحدرة من أصول أرستقراطية.
   شربت قدح ماء بارد ثم عدت فجلست على حافة سريري محاولا استرجاع تفاصيل الحلم الذي شاهدته . لاحت مني التفاتة الى الصورة  . صورة ولداي وهما يلوحان لي  . لوحت لهما بحزن . كم اشتقت اليهما .. الى متى سأبقى بعيدا عنهما .. آلاف الأميال تباعد بيني وبينهم . سافرت لأجلهما . فخسرت طفولتهما . اهذه هي الحياة التي كنا ننتظرها .!؟
   شعرت بكآبة تحتوي وجودي كله .. الحلم .. مازالت آثاره عالقة في نفسي . أبدلت ملابسي وسرت على مهل حتى وصلت الى مسجد صغير في ضاحية المدينة.  كان المصلون يغادرون المسجد بعد أن انهوا صلاة المغرب . ولم يكن قد بقي في المسجد إلا كهل ضئيل الجسم  يرتدي ثوبا بسيطا ابيض اللون و يجلس متربعا وقد اسند ظهره إلى احد أعمدة المسجد . كان هو بالذات من جئت باحثا عنه . صليت منفردا ثم اقتربت منه بهدوء . نظر إلي بوجه جامد . كانت بشرته بيضاء لامعة وعيناه قاسيتان اصفرّ بياضهما، مد لي ببطء شديد يدا مرتعشة. رد على تحيتي بصوت عميق . جلست قبالته منكس الرأس . لاحظ ارتباكي وطول صمتي فهمس قائلا (( إن في صدرك حرجا وضيقا )).
ـ لقد رأيت حلما غريبا .
ـ لطالما أتى الحالمون الى هذا المسجد . خير تؤتاه وشر تتوقاه بإذن الله . اقصص علي حلمك إذا شئت .
ـ أنه حلم غريب .. لا اعرف من أين ابدأ .. ربما لن أستطيع أن أتذكر كل تفاصيل الحلم .
ـ اعلم يا ولدي أن الرؤيا ثلاث . فرؤيا : بشرى من الله تعالى. ورؤيا : من الشيطان . ورؤيا : مما يحدث به الإنسان نفسه . فأن رأيت الأصول صحيحة وفي خلالها أمور لا تنظم. ألغيت حشوها وقصدت الصحيح منها . وإن رأيت الرؤيا كلها مختلطة لا تلتئم على أصول فاعلم أنها من الأضغاث واعرض عنها . وان اشتبه الأمر عليك فادع الله تعالى أن يكشفه .
ـ لا ادري !!  لا ادري أين أضع حلمي من هذا كله . لست اعرف تماما أين الحشو وأين الأصول. لكني لا أظن أن ما رأيته كان مجرد أضغاث. وأسال الله تعالى أن يكشفه لي .
ـ يا ولدي . قال ص (( إذا اقترب الزمان تكدرت رؤيا المسلم)) وقد اقترب الزمان .. اقترب أكثر مما تظن . لعلك قد حلمت بسمكة ؟
ـ سمكة !؟ استرجعت ما علق في ذهني من صور .. كنت قد رأيت جرذانا .. وحميرا وتمساحا و .. أفعى .. هل رأيت سمكة ؟؟
ـ كلهم يحلمون بالسمك هذه الأيام . والسمك إذا كان طريا كبارا كثير العدد فهو أموال وغنيمة لمن أصابه . ومن أصاب سمكة طرية أو اثنتين أصاب امرأة أو امرأتين . فأن أصاب في بطن السمكة لؤلؤة فانه يصيب من امرأة غلاما . وأن أصاب في بطن سمكة شحما، أصاب من امرأة مالا وخيرا . ومن رأى سمكة خرجت من ذكره ولدت له بنت . والسمكة الطرية الحية امرأة باكر . لتكن أحلامك مثل أحلامهم . إن ذلك أسهل لك بكثير .. أسهل بكثير .
   مد يده بهدوء ليمسك كانونا خزفيا موضوعا أمامه . كان فيه بضع جمرات أوشكت أن تنطفيء تحت الرماد . تحسس المكان بيديه بحثا عن الكانون . كان جامد العينين. أرعبني أن اكتشف أنه أعمى . وأنني لم الحظ ذلك طوال الوقت . امسك أخيرا بالكانون وقربه قليلا منه وانحنى نافخا بهدوء على الجمرات . توهجت قليلا وتطاير رماد ناعم بدأت ذراته تنتشر حولنا . نفخ نفخة طويلة ظننت أنها لن تنتهي. بدأ وجهه يستطيل ويتشوه ثم يتلاشى ولم اعد أميز من ملامحه إلا الفم النافخ . استمر الرماد يتطاير ويتطاير حتى تعذر علي رؤية أي شيء إلا الجمرات المتوهجة .. تملكني خوف شديد . راحت ذرات الرماد تتماوج حولي وبدأت اسمع هديرا غريبا . ميزت اذناي صوت نوارس . ثم ارتفع هدير موجات تتلاطم وسط بحر هائج .. وكنت اسبح وسط الأمواج وحيدا ضعيفا خائفا . وكنت اسبح وسط الأمواج وحيدا غاضبا جائعا . حركت زعانفي وسبحت مسرعا وأنا اشعر بخوف شديد؛ فقد كان هناك من يطاردني . حركت زعانفي وسبحت مسرعا وأنا اشعر بجوع شديد ؛ وقد كان هناك من أطارده . كنت سمكة خائفة هاربة مطاردة . وكنت سمكة جائعة تطارد أخرى هاربة. كنت سمكة تطارد سمكة . كنت الاثنتين معا .
اقتربت مني وخوفي قد بلغ ذروته .
اقتربت مني وجوعي قد بلغ ذروته .
قفزت فلم أتمكن من الإفلات .
وقفزت فتمكنت من الافتراس .
شعرت بألم حاد .. كان لحمي يتمزق بين أنياب قاسية .
وكانت أنيابي القاسية  تمزق لحم سمكة صغيرة .
كنت أمزقني . أمزقني وأنا أرى فتات لحمي الأبيض تتناثر هنا وهناك . كان الدم ينبثق احمر قانيا .. ثم تغسله الأمواج فيتلاشى … وبعيون مفتوحة وسكون رهيب كنت أفترس … وبعيون مفتوحة وسكون كامل كنت أُفترس .
 أنهـش وأُنهـش .
  والدم .
    كان الدم ينبثق احمر قانيا .
         ثم تغسله الامواج  فيتلاشى ..
              يــتــلاشـــى
                     يـــ . تــ ..لا شــااااااا  

 ليبيا – زليتن
    30/1/2002

تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

| د. م. عبد يونس لافي : رجلٌ كبيرُ السِّنِّ، خلفَ منضدةٍ كبيرة ـ اللقاءُ الأول .

مخزنٌ كبيرٌ يقفُ عندَ مدخَلِهِ، رجلٌ كبيرُ السِّنِّ خلفَ مِنْضَدَةٍ كبيرةٍ، يُنجِزُ إجراءاتِ الْبيعِ للزبائنِ، …

| عبداللطيف الحسيني : نخلة الله حسب الشيخ جعفر .

إلى الشاعرين محمد نور الحسيني و محمد عفيف الحسيني. الشعراءُ فقط جعلوا الحياةَ بهيةً لتُعاش …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.