وجدان عبدالعزيز : الشاعرة هند القاسمي، تلجا للطبيعة كملهمة لتأملاتها ..!!

الشاعرة هند القاسمي،
تلجا للطبيعة كملهمة لتأملاتها ..!!

وجدان عبدالعزيز

يتّسم شعر الطّبيعة بتمازج الأطياف بين الطّبيعة، وما تحويها من مناظر جميلة، وبين جمال اللّغة، ورقّة الألفاظ والمعاني، والتّعابير الدّقيقة، بصورةٍ ملونّةٍ من البيئة، وعطاءات هذه البيئة بجمالياتها وانعكاساتها على ذهنية الشاعر، جعله يلجأ إلى الرَّمز في صياغة القصيدة، وإلى التَّأملات في الحياة والكون وخلق الإنسان والغاية من وجوده. فالتعبير يرتبط ارتباطا وثيقيا بالانفعال، والانفعال ذاتى، أى خاص بشخـص محدد فى زمان ومكان محدّدين، والمتلقى الذى يستمع إلى الموسيقى، أويشاهد اللوحة، أو يقرأ قصيدة، إنما هو شخص له ذاكرة تختلف عمن سواه، وله وعى جمالى محدد، وبالتالي هو ينتمي الى فئة اجتماعية معينة، فله مؤثرات بيئته الخاصة، ثم انه يكون موقفا جماليا محددا، فالعمل الشعري، بما انه عملا جماليا، يكون بين ذائقتين : ذائقة المبدع وذائقة المتلقي، اذن هناك تصورات للدلالة التعبيرية تكمن في باطن العمل المنتج .. وحينما رجعت بقراءة اخرى الى ديوان (نفوس شامخة) للشاعرة هند القاسمي، وجدت عطاءات الطبيعة في بعض من اشعارها التي اتسمت بالرومانسية، والهروب الى فضاءات الطبيعة، حيث اكتشاف الجماليات ومحاولة جعل هذه الجماليات تعويضا عما يروم الشاعر اكماله في مجسمات خياله الخصب، وحتى يكتمل المعنى، نفسر عنوان الديوان، فمعنى اسم شموخ : العلو والارتفاع، الاعتزاز والإباء, ويقال نسب شامخ أي رفيع عريق. وأصل الاسم عربي .. وقيل معنى اسم شامخة : العالية، المرتفعة، ذات عزة, الفخورة, الأبية. وأصل الاسم عربي ايضا. من هنا راحت الشاعرة القاسمي تنطلق بسمو وشموخ الى التغني بجماليات الكون، كما في قصيدتها (طلعة الفجر) :

(يا طلعة الفجر يا قيثارة عزفت
لحنا شجيا فمال الكون نشوانا
وطرزت بخيوط الفجر حلتها
وألبست قمم الاشجار تيجانا
ونبهت بحنان وردة غفلت
فعبقت بشذاها الكون فازدانا
وغرد البلبل الصداح مبتهجا
بصوته العذب الحنا فاشجانا
واستيقظ النحل للأنوار مبتسما
وداعب الزهر مزهوا وفرحانا)

فما ان يأتي الفجر إلا ويشرق القلب، ليس إلا ثقة في الرب، وتفاؤلا بصبح تشرق الحياة فيه، وللفجر والصباح نكهة .. نشعر من خلالها أن للحياة لذة، وفيهما عبق من أمل وتأمل .. يعطر أرواحنا وقلوبنا بالمتعة، حيث تشرق الشمس لتصحو الحياة ، ونحن نصحو لنشرق في الحياة .. ! وتشرق الشمس لتعلمنا كيف هي الحياة أجمل حين يشع في ارجائها الضياء ..وضياء يومنا هو ابتسامة مشعة بالامتنان لله، وهكذا يقبل الصباح فرحا مشعا لانه يثق أنا سنشرق فيه.. لذا لا نستطيع أن نخذله، فنبتسم ونكسر الكسل ، وبإبتهاج نحو الحياة ننطلق .. وحينما نمعن القراءة في قصيدة(طلعة الفجر)، تأتينا عطاءات الصباح وتأثيرات ضياء فجر جديد، فنشعر ان الكون نشوانا بهذا التجديد من الضياء، وكأن اغصان الاشجار السامقة، قد ارتدت تيجانا مضيئة تعانق الافاق النائية حد النظر الممتدة عبر انفتاحها، والاوراد تفتحت عن عبق وروائح زكية، وانطلقت البلابل مغردة بفرح زاهي لنهار جديد بعد ليل طال سدوله عليها، واخذت مجاميع النحل تتنقل بزهو لتجمع الرحيق، ودون ان تدري تصنع منه غذاء العسل الشافي .. نعم خلق الله الكون في تعاقب ليلٍ ونهار، ليجعلها محطات تغيير للنفس البشرية، ومحطات تتوقف عندها كلّ حالات اليأس، وتبدأ بها أنغام الأمل، فالليل والأمس مهما حملا من متاعب يجب أن يكون الصباح خلافًاً لهما، ويحمل من كلّ الخير والسرور، الصباح هو نقطة تحوّل لمن أراد، وهو علامة التفاؤل، وهو بريقُ الجمال لمن أراد أن يستشعر ذلك، لمن أراد أن يجعل من يومه الجديد يوماً جديداً بحق، وليس يوماً روتينيًا يحمل أعباء الأمس ويلقيها في قالبٍ جديد، ويتعب الروح أكثر مما أتعبته في البارحة؛ فالصباح خُلق للتغيير، والتفاؤل، وهكذا تقتبس الشاعرة هند القاسمي عطاءات فجرها بهذا الوصف الرائق .. لتكون شاعرة رومانسية هاربة لاجواء الكون، لا هروبا نكوصيا، انما هروب من اجل خلق دلالة ربانية وتثبيت معاني تعاقب الليل والنهار في الرؤية الاسلامية، فالشعر الرومانسي يتميز بالصدق في التعبير عن العواطف الفردية والمشاعر العميقة التي تختلج في أعماق النفس، والاستسلام إلى عالمها وتيارها المتدفق في منأى عن عالم الفكر والواقع. كما يتجلى في الشِّعْرِ الرُّومانِسيِّ الاندياحُ في عالم الطبيعة الواسع، والركون إلى أحضانها واستشعار حنانها وجمالها وروعتها ومناجاتها كأمّ وكَمُلْهِمَة، والتماس العزاء لديها من آلام الانكسارات الحادة، والوصول إلى فلسفة طبيعية قوامها ثنائية البشر والطبيعة، اي بمعنى استلهام ضياء الفجر، كونه جديدا وهو يحتضن الكون والطبيعة من جديد .. فالشاعرة القاسمي تغنت بالفجر والنهار الجديد وانسياب اشياء الطبيعة وحركة الكون، واضافت لهذا التغني .. التغني بالسلام وصون الحقوق والانتباه الى ضرورة رفع الظلم عن المظلوم .. يقول عبدالله جحيش : (والخلاصة أن التأمل قد يكون بالبصر مع استمرار وتأن يؤدي إلى استخلاص العبرة وأن التفكر جولان الفكر في الأمر الذي تكون له صورة عقلية عن طريق الدليل أما التدبر فهو يعني العقلي إلى عواقب الأمور .وهذه الثلاثة معاني وإن كانت متقاربة إلا أنها ليست واحدة وإذا ذكر بعض أهل العلم أنها مترادفة فإنما يقصد فقط الترادف الجزئي .)

ـ ديوان (نفوس شامخة) للشاعرة هند بنت صقر بن سلطان القاسمي/طبع بموفقة وزارة الاعلام والثقافة الطبعة الاولى 1996م

شاهد أيضاً

نـجيــب طــلال: باب ما جاء في احتفالية النــضــال (02) !!

بــاب الــنـضـــال : وبناء على ما سبق قوله ؛ فالنضال أساسا وظيفة ذاتية تلقائية لا …

توظيف التراث في رواية (قرد من مراكش ) للروائي مصطفى القرنة
بقلم الناقد/ محمد رمضان الجبور/ الأردن

استطاع الروائي مصطفى القرنة أن يجعل لنفسه لوناً يميزه عن الأخرين فكتب العديد من الروايات …

رواء الجصاني: الجواهري في لبنان، وعنه: إفتتـانٌ وشعـرٌ.. ومصاهرة!

تناقل العديد من وسائل الاعلام، في الايام الثلاثة الماضية، ابياتَ شعـرٍ عن المأساة اللبنانية الاخيرة، …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *