الرئيسية » ملفات » حسين سرمك حسن : عبد الستار ناصر .. لعبة الجنس والموت والجنون (3/3) (ملف/28)

حسين سرمك حسن : عبد الستار ناصر .. لعبة الجنس والموت والجنون (3/3) (ملف/28)

إشارة :
رحل المبدع الكبير “عبد الستار ناصر” في الغربة ودُفن هناك .. ومرّت ذكراه شبه يتيمة بلا ذكرى .. وبلا احتفاء ومراجعة تليق بقامته الإبداعية الشامخة .. أسرة موقع الناقد العراقي تقدّم هذا الملف إحياء لذكرى عبد الستار ناصر واحتفاء بمنجزه الإبداعي الفذّ. وسيكون الملف مفتوحا على عادة الموقع . تحية للمبدع الكبير عبد الستار ناصر.

عبد الستار ناصر .. لعبة الجنس والموت والجنون (3/3)
حسين سرمك حسن

ماذا تفيدنا هذه المداخلة الطويلة نسبيّاً حول (عمل اللغة)؟
بدون أن نضع التفسيرات السابقة في حسابنا ، لن يتيّسر لنا فهم جانب مهم من الجوانب الشائكة في أسلوب الـقـاص ولغته والتي باتت تطبع فعله الإبداعي. فسيجد القارئ مئات العبارات التي يمكن – بدون الفهم السابق – أن يعتبرها (شطحات جنونيّة) من أكثر أبطاله (عقلاً) وتماسكاً….
إنّ العدوان الفائض الذي طبع البدايات بقوّة جعل المسافة بين العمليات الأوليّة والعمليات الثانويّة المعبّر عنها لغويّاً قصيرة – وأحياناً معدومة – بشكل ينعكس سلباً على (منطقيّة) جملة الشعور وتماسكها.. ولكن مثل هذا التقارب بين العمليتين ، بل حتى تسيّد العملية الأوليّة في الكثير من الأحيان يتفق تماماً مع طبيعة البناء النفسـي لأبطـال القاص – بـل وللقاص نفسه – كما يظهر هذا التحليل الممتد لنصوصه .. فأبطال القاص – وهم تنويعات لصورة بطل واحد ، هو القاص أصلاً – معصوبون بقوّة ، وينوء (أناهم) تحت وطأة صراع ممض ومنهك مع دوافع (الهو).. مستنـزف الطاقة بفعل الاستثمارات المضادة التي يقوم بها للسيطرة على المكبوت المحرّم.. ويصل إنهاك (الأنا) واستنـزاف طاقاته حدّاً يضطر فيه – ولو جزئياً ووقتياً – إلى التسليم أمام طوفان المكبوتات ودوافع (الهو) المسعورة فيطلق تعبيرات وأوصافا تصل حدّاً (ذهانياً) يصل أقصى حدود الغرابة.. على سبيل المثال انظر إلى ما يقوله بطل قصّة (طعم الصبا) – من مجموعة «السفر إلى الحبّ»:- «عليه أن يخترق المعجزة ، وينام في المستحيل، يركب بحر (نظيمة) ويسري بشراعه فوق أنينها وطفولتها وطـراوة لحمهـا، أغلى لحوم البشر، إذا باع نصفه في الكويت يسقط نظام الكويت، وإذا مرّ قوس (وركها) أمام عيون أي رجل دين لوافق توّاً على إنهاء الحرب شرط أن يكون وركها من حصة وركه الذابل العجوز…»..
فما هو مقدار المسافة – في هذه العبارة – بين الرغبة وشكلها؟ وما هي المسافة بين عملية تشكل التعبير الأولي وبين تشكيل التعبير الثانوي؟ وهل كان القاص يخدع نفسه بفعله الإبداعي أمام هجمة (الهو) الجائعة التي خلطها (كتابة) خلطاً لا يختلف عن لعبة تلك الأيام السعيدة حيث بهجة اللعب الإخراجي الحر؟…
إنّ (جنون) أبطال (عبد الستار ناصر) ليس ذلك الجنون الذي يطلق رصاصة الرحمة على (الأنا) إيذاناً بانهيار ركائز العلم النفسي الداخلي..ولكنه جنون (واقع) يعيشه أبطاله.. إنّه نتاج التشكيلة النفسيّة التي يحيونها.. والتي يطلبون من (عقلنا) احترامها لأنّهم يتضرفون ويفكرون ويعبّرون عن أفكارهم بالطريقة (الأصيلة) التي تراكم فوقها رماد وبراقع الأنا الزائفة عبر القرون لتصبح الأخيرة القبضة “الديكتاتورية” الأولى التي صعدت بأقدامها فوق هامة (اللّذة) الفردوسيّة الأولى ، ثم تأسست بعدها السلطة “الدكتاتورية” الثانية (الأنا الأعلى) ليمسك بقبضته الحديديّة بخناق طفل اللّذة الذي أصبح بائساً لا يجد له مناصراً غير من استطاعوا بموجة الفن الصاخبة العجيبة أن ينفضوا عنه رماد القرون الخانق… ويتجلى العقل الجنوني (الأصيل) بأفضل صورة في قصّة «في عتمة الرأس»..
3- قصّة «في عتمة الرأس» من مجموعة «فوق الجسد البارد»:-
يقدم القاص لقصته هذه بالعبارة الآتيّة:-
«اقرأ هذه القصّة ثم التفت إلى الجانبين ، وقل لنفسك : إني أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ، وسوف تحسّ أنّ الله معك»..
وفيها يداعب القاص مكامن لاشعور القارئ الباحث أبداً عن الملغز والغامض والمحرّم ليستدرجه نحو المقاتل النفسيّة التي خطّط لها بدراية.
وتبدأ القصّة بثورة الإبن على الأب المتسلّط ، ومغادرته البيت الخانق بصحبة شقيقه الأكبر إلى بيت من بيوت أقاربهم، وكان بيتاً يضم رجلاً عجوزاً ، وثلاث بنات:- منهن اثنتان من العوانس (بهية ونهلة) ، وثالثة مطلّقة (صبيحة)..
ومنذ اللحظة الأولى التي تطأ فيها أقدام (بطلنا) أرض البيت ينفلت منه – أو ينكشف الغطاء عن – شيطانه الرهيب.. فيضاجع أصغر البنات سنّاً ، ثم يخنقها بالوسادة (من دون ضجة) – حسب قول القاص – رغم أنّ البنات الثلاث ينمن في نفس الغرفة.. ويبّرر هذا الفعل بقوله أنّه ذاته ضحية العنف ، وتلك الإهانات التي كان أبوه يوجهها إليه بقسوة ولأقل سبب «أبّي أول أسباب قذاراتي»؛ وبعد الجريمة يذهب إلى النوم ويغفو بهدوء دون أرق أو عذاب ضمير..
وفي الصباح يُستدعي الطبيب الذي يبّرر الوفاة بأنّها بسبب سكتة القلب..
في الليلة الثانية يضاجع (نهلة) التي تموت من (المتعة والخوف).. وعندما يكتشف الأب العجوز الأمر – وفاة ابنتيه – في البيت.. ويتواطأ في هذه الفعلة الراوي وشقيقه والبنت الأخيرة (صبيحة المطلّقة)..
يكتشف (بطلنا) في الليلة الثالثة وجود جموع من (النمل) تتحرك فوق وجه (بهيّة) وتأكل لحمها فينهمك برفعها وحرقها في صحن الطعام ، ولكنها لا تنتهي ، فيتركها ويعود إلى فراشه ، ليجد أخاه يضاجع (صبيحة) فيقرّران تناوب الفعل معها..
ثم يقول الراوي:
«في صباح اليوم التالي.. سمعنا أنّ أبي يريد عودتنا إلى البيت ، وأنّه ربما يعتذر.. وقلت لنفسي.. وقلت لنفسي: إنّنا لن نعود، لكنّ أبي جاء بنفسه إلى بيت الرجل العجوز ، وكان يغرق في الدهشة والقرف ، وظلّ بيننا يهمس في سرّه بخوف وخجل:
– أعوذ بالله من الشيطان..»
وهو بهذا يعيدنا إلى نقطة البداية كعادته دائماً.. لقد انطلق من نقطة شيطانيّة سوداء فتحت أمامه السبل الجحيميّة المدمّرة التي خلفتها له فنطازية الكاتب الوحشيّة:-
«ما لا أستطيع التهامه في الواقع ألتهمه في خيالي»..
ولكنّ التساؤل المهم الذي يفرض نفسه هو:- هل أنّ اتجاه الفعل الفنطازي (تقدّمي) ، بمعنى أنّ (الرغبة) تتحرك من واقع حرماني قاس إلى (صورة) مستقل مُنتظر؟ أم أنّ حركته (التقدميّة) الظاهرة تنطوي على أكبر قدر من فعل (تراجعي) يعيدنا إلى رحم الماضي الطفلي الساحر الساعي أبداً لإنجاز مشروعه (الأوديبي)؟.. ينهي القاص قصته بالقول على لسان بطله:-
«ثم عدنا إلى البيت وجاءت معنا (صبيحة).. وكانت أمّي بانتظارنا تحشو ملامحها البشارة وظلت تقول أمامنا: «الحمد لله، لقد جئتما بالسلامة» ونظرت في عيني أخي.. وكنا نسخر من أمّنا لأول مرّة»..
إنّ هذا الحل الفنظازي – الحلمي أصلاً – والذي جنح فيه القاص إلى أقصى حدود التغريب وعوالم اللاّمعقول والذي قام به بطله بالقتل بالجملة تعبيراً عن دوافعه السادّية الطليقة – هو حل صمّمه ليحقق رغبات الإبن المتمرّد الذي لم يستطع تحقيقها في بيته القديم (مملكة الأب الخاصي الذي كان يتهمه بالجنون يثبت خصاء الإبن من خلال التأكيد على دمامته) فنقله – فنطازياً – إلى بيت جديد أسس فيه (مملكة الابن – مملكة أوديب) التي قام فيها الابن المتمرّد بقتل الأب مرّتين:-
مرّة من خلال موت الرجل العجوز ، ومرّة أخرى بامتلاك الامرأة المطلّقة التي اشترك في جسدها ابنان – هو وأخوه.. ثم قام بتأكيد عدم خصائه وذكوريته تحديّاً للأب واحتجاجاً عليه من خلال الامتلاك الجسدي للأختين ثم قيامه بقتلهما : (أنا أقتل وأمتلك أكثر من أبي الذي يقتل ويمتلك واحدة فقط هي أمّي).. وهذه الأم العاجزة المستسلمة والتابعة للأب بصورة سلبيّة من الممكن أن تثير شفقته وتستحث جهده الإنقاذي من جهة ، أو أن تثير حنقة وعدوانه لأنه يعدها متحالفة مع الأب من جهة أخرى.. أنه يشعر بمشاعر الخذلان والإحباط لأنّ لا إشارة لأي محاولة احتجاج أو رفض للاحتكار الأبوي من قبل الأم.. إنّه يريد الأم المانحة (العشتاريّة) التي لا ينبغي أن يحتكرها أحد غيره.. أو أن تكون مشاعة رغم أنّ هذه الحالة تستثير الألم والغضب وتبقي دافع الإنقاذ مشتعلاً في أعماقه الغاضبة، ولذلك نجده يعود – بعد أن حقق إذلال الأب ومجيئه بنفسه لإعادته – ومعه (صبيحة) الامرأة المطلقة التي تشارك في جسدها هو وشقيقه و«كانا يسخران من أمّهما لأول مرّة».. فقد عاد بالنموذج الذي سنجد القاص ينحاز إليه بعد ذلك طويلاً في قصصه ويستخدمه في صور مختلفة ويعلن صراحةً أنّه يعد هذا النموذج معبّراً عن عطاء الأمومة الأصيل . إن السخرية السلوكية من أم يستولي عليها أب واحد متجبر ، تجد صورتها ” المرآتية ” مجسدة في تكثيف الأنموذج الأمومي المُحتكر في صورة امرأة ” تحرّرت ” من سلطة الزوج الطغيانية ، سلطة أبوية قامعة ، لتبقى ” أمّا ” مع الإحتفاظ بحريتها المهيب في التعامل مع ” إبنين ” .
4- قصّة «الرجل الغائب» في مجموعة «فوق الجسد البارد»:-
تظهر في هذه القصّة خاصية (التعدّي) والمصحوبة بالتالي بالاستثارة والتهيّج من خلال منافسة (الآخر) في موضوع الحب.. فبطلها ومنذ الأسطر الأولى للقصّة يعلن غيرته الحسود من صديقه (بهجت)، والقاص يكرّر هذا الاسم في أكثر من قصّة – الذي تزوج من (سعاد) المراهقة ذات الخمسة عشر عاماً.. وبالإضافة إلى هذا الموقف الذي يطرق عليه القاص في أكثر قصصه – فإن الراوي المعصوب كالعادة يتبصص على صديقه وزوجته في خلوتهما من خلال ثقب باب غرفتهما.. وكأي عصابي يئن تحت مطارق داوفعه الغريزية الآثمة فإنه يسقط ذنوبه على (الشيطان) ، ويعلن متخففاً من ذنوبه هذه:
«إنّ الشيطان هو السبب المهم، لست أنا غير إنسان ضعيف، يثقلني الشيطان بمتعة مجانيّة»..
ولكن إسقاط هذه الآثام على الخارج لا ينهي عذابه الناجم عن الصراع الذي يعانيه:- فنجده يستغفر الله مرّة ، ويدعوه إلى إنقاذه من غرائزه ثم يعود إلى الاستمناء والتبصص على زوجة صديقه.. وبسبب هذا الصراع المرير المتقلب بلا رحمة ، يشعر بأنّ عقله (يتآكل مثل قشرة الثوم).. فمع اشتداد ضغوط دوافع (الهو) الآثمة الملتهبة ، وبسبب ضعف (أنا) الراوي المعصوب ، قد يصبح فقدان العقل (حلاً) يرضي دوافع (الهو) من جهة ، ويعفي (الأنا) من مسؤولية الفعل الآثم ، ومحاسبة (الأنا الأعلى) من جهة أخرى. فيبدأ الراوي في توهّم الكثير من الأشياء الهذيانيّة التي هي أصلاً إسقاطات لرغباته الآثمة ودوافعه الممنوعة فيعتقد أنّ (بهجت) يغار منه وأن (سعاد) تحبه…إلخ..
ثم يبرز حلّ جديد له وشائجه الوثيقة بالجنون ويشكّل أيضاً سمة من سمات البناء القصصي لدى القاص وهي كثرة الأحلام في نتاجه الإبداعي بنوعيها:- أحلام اليقظة ، وأحلام النوم.. فإذا كان الجنون حلم طويل فإنّ الحلم جنون وجيز أو قصير كما يقول بعض المختصيّن ومنهم ( نيتشه ) العظيم .. وحينما يعزّ على أبطال القاص إيجاد المنفذ الملائم لإشباع رغباتهم اللاّمشروعة في حياة اليقظة بسبب قيود الواقع وتحديداته ، فإنهم يلجأون إلى تحقيق رغباتهم الآثمة في أحلامهم – وبشكل خاص التفريج عن الدوافع الساديّة – ففي وسط دوّامة المرض والإحباطات المتكرّرة التي تحاصر بطل القصّة يرى حلماً مهماً ومبهماً يقصّه علينا بقوله:-
«في حلم رأيته في نفس الليلة تلمست وجه صديقي من خلال الضباب الكثيف الذي صنعته سجائر جميع العراقيين، ثم رأيت (سعاد) تصرخ من بين كتل الضباب: أنقذوني، وأبي يحمل فأساً بحجم المنارة ويهوي به على رأس صديقي ، ويقطعه نصفين ، ثم يلتفت إلى جهتي ، ويضحك مثل قوّاد بشع:
– لقد تركتها لك وحدك مادمت تريدها.. خذها إذن، إنها بين يديك..
وكانت (سعاد) تتعرى من ثيابها مرة واحدة وترتدي بين يدي لتهمس:
– إنني ملك يديك أيها الرجل العظيم، خذني.. خذني
ثم خليط مشوش من الجماجم..»..
ولأنّ الحلم هو «الطريق الملوكي» المفضي إلى عوالم اللاّشعور كما يقول معلم فيينا ، فإن من الضروري أن نحاول استكشاف معناه الكامن المتخفي خلف معناه الظاهر المشوّش الغريب.. فوراء أكثر أشكال الحلم غرابة وإثارة للدهشة تمرّر رغبات لاشعورية دفينة تضرف جذورها في أعماق تربة الرغبات الطفليّة.
إن ” النقل «Transferance- في الحياة النفسيّة وفي الحلم يتحقق كلّما كان الهدف الذي تمّ النقل إليه بعيداً مغرّباً لا يلفت الانتباه من حيث روابطه بالهدف الأصلي.. لقد نقلت مشاعر المحارم من الأم (موضوع الحب الأصلي) إلى (سعاد) التي كانت موضوع الحب البديل من الواقع وفي الحلم دون أن يدرك الراوي أو القارئ وجود أي روابط بينها وبين موضوع الحب القديم.. ثم قام (عمل الحلم) من خلال عملية (قلب) الأدوار بجعل (الأب) يقطع رأس (بهجت) نصفين استجابة لاستغاثة (سعاد) وهو أمر يخالف واقع الحال وعلاقات الأفراد في اليقظة حيث كان الزوجان (بهجت وسعاد) يعيشان علاقة طيّبة ومستّقرة كما كانا هدفاً لحسد وغيرة بطل القصة (الابن).
لقد قلب الحلم الأدوار فجعل الأب يقتل الصديق المنافس في حين أنّ الصديق هو الذي يقوم بهذا الفعل الإجرامي (قتل الأب).. ولأن بطلنا كانت تستولي عليه رغبة مجنونة ليحل محل صديقه ، ويأخذ مكانه في العلاقة مع (سعاد) ، فيمكن القول إنّ فعل قتل الأب قد تمّ من خلال الابن نفسه فعلياً ، فقد قتله شر قتلة حيث قطع رأسه نصفين بفأس بحجم المنارة – قُتل أبو دستويفسكي بفأس ، ويعتقد معلم فيينا أن الرغبة في قتل الأب هي جوهر إبداع هذا الروائي العظيم – ، وهو وصف مفرط يعبّر عن أشدّ درجات العدوان.. ويقف الفأس كرمز قضيبي ويعزّز معناه هذا الوصف الحالم بأنّه بحجم المنارة التي هي رمز ذكوري..
وعندما نقول بأنّ فعل القتل (قتل الأب) قد تمّ من خلال الابن نفسه عملياً ، فإننا نستند إلى واحدة من قواعد الفعل في الواقع النفسي والتي تتعلق بعدم البحث عن مرتكب الفعل فحسب ، بل على المستفيد منه أيضـاً.. ويتأكد فعل (القلب) هذا من خلال عبارة الأب:- لقد تركتها لك وحدك مادمت تريدها». حيث لا يوجد تاريخ تنافسي في القصّة بين الأب والابن للظفر بـ(سعاد) مطلقاً ، ولا تفسير لـ(تركتها لك وحدك) إلاّ على أساس التاريخ التنافسي الأوديبي الفاعل في لاشعور الإبن حول الظفر بالأم ، والتي نقلت العواطف الموّجهة نحوها إلى (سعاد) التي جعلها عمل الحلم تستغيث به في الواقع ليلقي آثام المبادرة على أكتاف هذا البديل المموّه.. ثم تلقي (سعاد) بنفسها بين يديه عارية ، وتصفه بالرجل العظيم وهي (انتفاخة) نرجسيّة قام بها الحلم ، ولكنها انتفاضة زائفة فعلياً ، لأنّ الحالم نفسه يعرف قدره كشاب معصوب ذي سلوك شاذ ويعلن ذلك في القصّة أكثر من مرّة.
لقد جعل الحلم بطل القصّة – الحالم يتلمس وجه صديقه من خلال الضباب الكثيف الذي صنعه جميع العراقيين» معبّراً عن رغبة في عدم تمييز الوجه الحقيقي للضحية المطلوبة فعلياً ، وما يترتب على هذا التمييز من شعور شديد بالإثم.. وإن كون هذا الضباب صنعته سجائر جميع العراقيين يعطي الجريمة صفة الشموليّة والمشاركة العامة بفعل (القلب) أيضاً ، لأنّ الصعوبة التي يتلمس بها الحالم وجه صديقه تعكس تلك (السهولة) التي يريد لها اللاّشعور التعرّف على وجه الغريم المنافس وقتله.. ويصبح جوهر هذا التفسير على النهاية التي ذكرها الحالم لحلمه:-
«ثم خليط مشوّش من الجماجم»..
فهي في الأصل جمجمة واحدة هي جمجمة المنافس الأوديبي تمّ تكثيرها لتشويش الفعل (الإنضاج الثانوي) مثلما يحصل في بعض الأفلام حين يعانق البطل حبيبته وتنتقل الكاميرا لتصور سرب طيور ينفلت نحو السماء معلنة نهاية الفيلم…. إنها (نهاية) فحسب من الناحية الشكلية ولكنها تبقى محتفظة بمعنى عميق ووشائج تصلها بتسلسل الأحداث..
لقد قلنا : إنّ الوصف المفرط للفأس الذي استُخدم في الحلم ، وكونه بحجم المنارة ، ويشق الرأس نصفين هو (ترميز) للرغبة في اكتساب القدرة المطلقة المشتهاة في مواجهة الأب الخاصي.. ويتأكد هذا الأمر من خلال الأفكار التي انبثقت في ذهن الراوي والأفعال التي قام بها بعد أن صحا من حلمه . ففي أغلب الحالات تكون للأفكار والأفعال التي يقوم بها الحالم بعد أن يصحو من حلمه مباشرة ، صلات مهمّة بمضمون الحلم وبالرغبة التي حاول التعبير عنها وأشباعها محرّفة.. فقد توقع الراوي – الحالم بعد أن استيقظ مباشرة:-
«إنّ ثمة شيئاً يعترض البيت ، وإنّ صاعقة من السماء سوف تهدم دارنا إلى نصفين لتجعله مثل رأس صديقي الذي تهشم..»..
ولأنّ التماهيات والانتقالات والصلات بين أطراف الجهاز النفسي (الأنا، الأنا الأعلى ، والهو) قد عادت إلى الوضع قبل الحلمي (الواقعي) فإنّ الصاعقة المنتظرة هي تعبير عن قصاص متوقع يكافئ الإثم المختزن في داخل الراوي ، والمترتب على الرغبة الدفينة المحرّمة المتعلّقة بقتل الأب ، والتي حاول عمل الحلم تمريرها على رقابة الأنا بفعل التحريف… إنّ الأنا الأعلى يعاقب على (النوايا) الشريرة ، وليس على الأفعال الشريرة فقط ، فهو عين الضمير الداخلية المراقبة.. إنّ أول فعل قام به الراوي – الحالم هو (التبوّل):-
«تبولت على جدار منـزلنا.. كنت أخاف الولوج إلى المرحاض فقد تخيلت فيها أكثر من عفريت واحد..»
وهو فعل يعبّر عن عودة القلق المتأصل الذي حاول الحلم معالجته والتغلّب على مصدره ألا وهو (قلق الخصاء) والخوف من الأب الخاصي الذي تجسّد في خوف من (أكثر من عفريت واحد).. يروي لنا بعض الراشدين بأنّهم كانوا في طفولتهم يتبولون خارج المرحاض لأنهم كانوا يخشون من أنّ (يداً عفريتّية) قد تمتد من فوهة المرحاض وتمسك بأعضائهم الذكرية..
لقد تمظهرت هذه العقدة الراسخة في نفس بطل القصّة عبر الكثير من الممارسات المرخيّة التي حفلت بها هذه القصّة ، والتي تنتهي بحادثة (تبصيقيّة) مهمّة يسقط على أثرها الراوي على الأرض مثل (جثّّة محنطة) و(تضيع) منه (سعاد) – موضوع الحب البديل – حيث تغادر البيت مع زوجها الغاضب.. و(تضيع) المرأة الأخرى ؛ (ابنة خالته) ؛ التي أحبته من طرفها ولم يبادلها الحب..
وفي هذه القصّة ستة أشخاص منهم المركزي ومنهم الثانوني ، وقد طالت الشتائم والأوصاف السلبيّة خمسة منهم ولم يفلت منها سوى شخص (الأم).. الأم فقط:-
1- البطل يقول عن نفسه:
– أي طفولة معيبة أستلّ بها دناءة نفسي.
– ألعب مثل قط شره.
– أحدق في ظهرها بخبث وقح.
– مريض يعيش قبحه وموته ورذالته.
– تبصق وجهي كطفل مشوّه.
2- عن (الأب):
– قوّاد بشع.
– رجل عاجز.
3- عن (سعاد):
– قحبة رخيصة دونما ضمير.
4- عن صديقه بهجت:
– قرد يهزأ.
– طبيب يحترف الكذب.
– في وجهه ابتسامة مثل قباحة الحذاء.
5- عن ابنة خالته:
– فأرة الشجر.
– تركع تحت الحذاء..
وفي النهاية نجد أنّ هذه القصة هي نفسها عبارة عن (حلم) طويل ، وهو الأمر الذي سيتكرر كثيراً في قصص القاص حتى في مجموعته الأخيرة ( نخب النهايات السعيدة ) التي صدرت هذا العام ؛ 2010 ، حيث يقود القارئ عبر مسارات أحداث متشابكة مستفيداً أحياناً من تقنية القصّة البوليسية ثم يصحو القارئ فجأة ليجد أنّ المسار الطويل الذي قطعه كان في سماء (حلم يقظة) طويل تثور في نهايته العديد من التساؤلات التي يعتمدها القاص في الكثير من قصصه ليكمل التقنية الحلمية التي يعتمدها.. فعن طريق هذه التساؤلات التي تأخذ طابعاً متضارباً أحياناً يعمد القاص إلى تشكيك القارئ بما جرى من أحداث أمامه ليهزّ يقينه ويجعله طرفاً في اللعبة الحلميّة التي يلعبها من جهة ، وليضفي مسحة من (الواقعية) على حدثه الحلمي من خلال أنّ كل تساؤل ينطوي على التشكيك مثلما ينطوي على احتمال اليقين من جهة أخرى.. وفي بعض الأحيان يطرح القاص أسئلته المتشككة في بداية القصّة ثم يعود إليها في مواضع مختلفة منها ليجعلها مرتكزاً لحركة وانفتاح جديد في مسار الأحداث.
وبعد…
لقد حلّلنا في هذا الفصل نماذج من قصص البدايات ، والتي وجدنا أنّها تنطبق على بقية النماذج بصورة مطلقة.. فهل أكّد هذا التحليل (سمات) الهويّة الشخصية التي طرحناها في بداية الفصل بصورة متردّدة والتي ثبتها القاص في بطاقته التي عرضها على الغلاف الأخير لأول مجموعاته:-
– العقدة الأوديبّية وما يرتبط بها وينتج عنها من (تثبت نفسي) و(عقدة خصاء) وتأكيد على موضوع الجنس وبشكل خاص العلاقات المحرّمة.
– الاستقرائية (التبصصيّة).
– الاستعرائية (الاسترعائية، الاستعراضيّة).
– النرجسيّة.
– الساديّة ووجهها الآخر:- المازوخية..؟؟.
أم أننا لازلنا مترددين في قبول هذه السمات التي كشفها التحليل المتأني بسبب ضغوط موروثنا الديني والاجتماعي ؟.
إنّ من مصلحة التحليل الذي قلنا إنّه يقوم على أساس جمع القرائن الصغيرة والبسيطة ليقيم فيها بنيان نتائجه الضخمة والخطيرة مثلما يتم الاعتماد على قرائن بسيطة وأحياناً تافهة (شعرة من رأس، أثر قدم…إلخ) للتعرّف على المجرم حيث لا يوجد لص مثلاً يترك هويته الشخصيّة في مكان الجريمة، وعلى أساس تكرار هذه القرائن أو ثباتها في سلوك المحلّل – بفتح اللام الأولى – .. نقول إنّ من مصلحة التحليل ، وبالتالي من مصلحة أطراف العمل الفني الثلاث:
– المبدع، الزبون، الناقد – المحلِّل (بكسر اللاّم الأولى)، والمتلقي)
أن نواصل السير مع القاص لنتابع إنتاجه عبر سنوات إبداعه الطويلة لنحلّل نماذج مختارة ومنتقّاة من بين قصصه الكثيرة. ولكن لنحاول – هذه المرّة – وضع افتراض يجعل تحليلنا – من خلال محاولة إثبات صحة هذا الافتراض – أكثر علميّة وشمولاً – وهو:- هل تحكم البدايات النهايات ؟ هل تتشابه ملامح المشهد النفسي القصصي للقاص الآن – وبعد أكثر من ثلاثين عاماً – مع ملامح المشهد النفسي القصصي له في بداياته الأولى؟ هل إنّ سنوات النضج وتطور أدوات القاص الفنيّة يمتدّ تأثيره من خلال تشذيب أطراف (الكم) في حين يبقى (نوع) العقد والدوافع النفسيّة الأساسيّة التي حكمت البدايات هي.. هي نفسها وفاعلة ومستمرة في تأثيرها ولكن تحت أشكال وأغطية مختلفة؟
بعبارة أخرى:-
ما هي طبيعة العلاقات الجدليّة بين (نوع الشكل) و(شكل النوع) إذا جاز التعبير؟
للتحقق من صحة فرضنا هذا سنتابع مسيرة القاص من خلال تحليل نماذج مختارة من قصصه عبر سنوات طويلة ومن مجموعات قصصيّة مختلفة وهي:-
1- قصّة (شرف العائلة) التي كتبها عام/1973/ – من مجموعة (مطر تحت الشمس) الصادرة عام/1986.
2- قصّة (النورس في مدريد) التي كتبها عام/1978/ – من مجموعة (السفر إلى الحب) الصادرة عام/1988/.
3- قصّة (رجل ملامحه الطفولة) التي كتبها عام/1985/ – من مجموعة (مطر تحت الشمس) الصادرة عام/1986/.
4- قصّة (الزوبعي) وكتبها عام/1992/. وكلتاهما من مجموعة (شمبارة الميمونة)
5- قصّة (خيمة على حريق) وكتبها عام/1993/. الصادرة عام/1993/.
وينبغي أن أستبق اعتراضاً مهمّاً من المؤكد أنّ الكثيرين من القرّاء سوف يطرحونه أمامي ويتعلق بمقدار الموضوعيّة التي استندنا إليها في تحديد وانتقاء هذه النماذج من بين قصص القاص الكثيرة ، حيث عُرف بإنتاجه الغزير ، وأقول إنني أشارك القرّاء في الجانب المُستتِر المُشكِّك في تساؤلهم وأؤمن أن هناك قدراً – يختلف من ناقد إلى آخر لعوامل مختلفة – تفعل فيه الدوافع اللاشعوريّة فعلها في تحديد نوعية الانتقاء وطبيعة الاختيارات وهو الأمر الذي يلقى ظلالاً من الشك حول نقاوة ودرجة عقلانية مفهوم «الناقد الموضوعي».. وتزيد مساحة هذه الظلال حين نضع في الحسبان أنّ كل ناقد له شروطا منهجيّة ونظريّة تشكل «الإطار» الذي يفسّر جوانب النص على ضوئها ، وتتدخل في تحديد طبيعة (الجيد) و(الملائم) من النصوص التي يختارها. وهذا الإطار المنهجي (المدرسة النقديّة) لا تفلت أبداً من فعل العوامل اللاّشعورية.. وعليه يمكنني القول إنني حاولت (اختيار) أفضل النصوص من وجهة نظر منهجي الذي أشتغل على ضوئه ، ومن وجهة توفرّها على الشروط الفنيّة في بناء القصة الجيّدة . لقد وضع العالم النفساني (ألفرد أدلر) نظريّة (مركب النقص) وكان مصاباً بشلل أطفال سبّب له عرجاً في ساقه.. ووضع العالم النفساني (أريك أركسون) نظرية شهيرة في النمو النفسي اسمها (أزمة الهويّة – identity crisis ) وكان قد تعرّض في بداية مراهقته لأزمة حقيقيّة كادت توصله إلى الشيزوفرينيا بعد طلاق أمّه ، وزواجها من جديد وانتقالهم إلى بلد آخر… أعتقد أننّي لا أستطيع تبرئة نفسي بصورة كاملة من فاعلية بعض عوامل لاشعوري الخاص في الاختيار والانتقاء والنقد.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *