الرئيسية » مقالات » خلدون الموسوي : شعر قصي الشيخ عسكر (دراسة موضوعية وفنية) (2)

خلدون الموسوي : شعر قصي الشيخ عسكر (دراسة موضوعية وفنية) (2)

الباب الأول
الدراسة الموضوعية

المبحث الأول : الغُربة والحنين

توطئة :
نجحت ظاهرة الغربة بوصفها صورة مجسدة لعناء النفس البشرية ، بأن تأخذ دورها في ميدان العمل الفكري ، فبرزت في الأدب ( الشعر والنثر ) والفن ، مثلما برزت في العلم والفلسفة .
وتجسد الاغتراب في أعمال الأديب والمفكر وهو يشعر بالحزن والحرمان والقهر واغترابه عن كل مايحيط به ، لذا عني الباحثون بدراسة هذه الظاهرة من كل جوانبها ، ودراسة الأسباب التي تؤدي الى الغربة والاغتراب وانعكاساتها على كل مغترب سواءاً كان شاعراً أو مفكراً أو فناناً .

الغُـربة لغة :
إن استقراء المصادر اللغوية المتعلقة بمعنى الغربة توضح ارتباطها بمفهوم البعد والنزوح عن الوطن قال ابن منظور :
( الغَربُ : الذهاب والتنحي عن الناس ، وقد غَرَبَ عَنّا يغربُ غرباً ، وغرَّبَ وأغرَبَ وغَرَبةٌ وأغرَبهُ : أي نحاه .
وفي الحديث الشريف ((إن النبي محمد (r) أمر بتغريب الزاني سنة إذا لم يحْصِن)) وهو نفيه عن بلدهِ .
والغُربة والغرب : النزوح عن الوطن والاغتراب .
والاغتراب : افتعال من الغربة والمُغرَب : أي المُبعد عن بلادهِ أو المبعد في البلاد( ).
( والتغريب : النفي عن البلد الذي وقعت الجناية فيه …… ) ( ).
إنَّ المصادر اللغوية التي اعتنت بمفهوم الغربة تجد ارتباطاً عميقاً بين ظاهرة الغربة المكانية وهذا المفهوم .
إلاّ أنَّ ذلك لا يعني حصر المعنى اللغوي للغُربة بحالة البعد عن الوطن ، وإنما تتعداه إلى مفهوم شامل ودقيق حينما ترتبط الغربة بالحرمان والعناء والبعد الذي يكتنف الوجدان الإنساني بكل معنى ، فقد يعيش الإنسان في داخل بلده ووطنه لكنه يعاني من الألم والقهر والمعاناة مما يجعله غريباً ومغترباً وهو في داخل وطنه .
والغُربةُ معاناة وألم وحُزن وحنين للوطن والأهل يَستشفها المرء من خلال الأفعال والأقوال وما هي إلاّ انعكاس للواقع المر الذي يعيشه ويحياه سواء أكان ذلك في ابتعاده عن وطنه الذي عاش على أديمهِ ، وتنسم هواءه ، وشرب من عذب مائه ، أو تغذى من عطائه ، أو نأيه عن أهله وعشيرته أو في افتراقه وابتعاده عن أحبته .
ومن اللافت للنظر إن الحنين يرتبط بالغربة ، حيث تتشابك المشاعر والأحاسيس والجوارح التي يصعب الفصل بينها في كثير من الأحيان وخاصة في الشوق والحنين واللهفة إلى الديار وساكنيها في آن واحد ، والحنين يأتي بعد الغربة ولا يكون سابقاً لها ، فالحنين إلى الوطن هو حنين إلى الأرض التي عاش عليها وترك الأهل والأحباب فيها .

الحنين لغة:ـ
جاء في لسان العرب ( ): الحنين هو الشديد من البكاء والطرب ، و قيل صوت الطرب سواء كان ذلك عن حزن أو فرح.
وجاء في أساس البلاغة( ):حنَّ إلى وطنه وحنَّ عليه حناناً: ترحم عليهِ .
ومما جاء عن الحنين في الأقوال المأثورة إذا شئت أن تعرف وفاء الرجل و حُسن عهدهِ ، وكرم أخلاقه ،وطهارة مولدهِ فانظر لحنينه إلى وطنهِ وتشوقه إلى أخوانه ، وبكائه على ما مضى من أزمانهِ( ).
وقد أُتخذ الحنين سمة ترمز للوطن ،والشوق للإنسان فامتزجا وصار كلاهما واحداً يعني الوطن وساكنيهِ ويعد ذكر الأطلال ظاهرة مهمة وبارزة لدى شعراء الغربة والحنين ،فقد ارتبطت الأطلال بمواقعها وآثارها بالشعراء ارتباطاً وثيقاً لأنها ترجيع لماضيهم ، وتجديد لإحساسهم وتصوير للحياة العاطفية وذكرياتهم .
وقد رأى ابن قتيبة ( إن الشاعر ما ذكر الأطلال إلا ليجعل في ذلك سبباً لذكر أهلها الظاعنين عنها ) ( ) .
وهناك من الباحثين من يرى ( أن الطلل هو التعبير عن الانفعال في الحاضر والاتحاد بالماضي البعيد ) ( ) .
ونجد الحنين إلى المكان يُثير ذكريات الشعراء المؤلمة ممَّا يُفيض بكثرة التساؤلات والاستفهام ولكن دون جدوى ممّا يستدعي الحالة أن تفيض دموعهم بكاءً مراً .

الغربة اصطلاحاً :-
إِنَّ الإنسان الذي أصبح صورة من القلق والحرمان والعناء النفسي كان يشعر بالعجز والضعف عن مواجهة الواقع ، ولم يعد باستطاعتهِ أن يتخذ قراراً حاسماً يمكّنهُ الدفاع عن نفسهِ أو الانتصار عليهِ ، بل ضعفت أرادته وضعفت مشاعرهُ لحالة من الحزن والألم والحرمان فبات يدرك الاغتراب في عمق الوجود الذي يحتويه .
أن هذا المعنى البسيط لمصطلح الغُربة نكاد نجدهُ ماثلاً في الوجدان الإنساني الذي يشعر بالحزن والحرمان والقهر .
إلا أن كثرة التحليل والتشخيص لهذه الظاهرة قد تؤدي إلى اختلاف واضح في إعطاء تعريف دقيق لهذا المصطلح ، مّما يساعد في اختلاف مفاهيم هذا المصطلح هو ( استعمالهُ من قبل الناس غير المختصين ، وفي المجالات غير العلمية بشكل يغلب عليهِ الطابع الذاتي والعاطفي ) ( ).
إلا أننا نجد أن المعنى ألاصطلاحي للغُربة يرتبط بالمعنى اللغوي الذي هو النزوح عن الوطن والتنحي ، وأقوى دليل حديث الرسول (r) فعن عبد الله بن مسعود (رض) ( ان الإسلام بدأ غريباً وسيعود غريباً كما بدأ ، فطوبى للغرباء ) ( ) .
بمعنى أنه ظهر ببقعة صغيرة في مجتمعٍ كاف واسعٍ ممتد .
وقد تعني الغربة:الابتعاد عن الواقع ، فالوجدان الإنساني عندما يبتعد عن الواقع فأنه لا يفقد القدرة على معرفة حقيقتهِ فحسب ، بل أن انعدام المعرفة يؤدي إلى الانفصال عن ذلك الواقع و الخضوع لحالات الشعور بالاضطهاد و الاغتراب .
فيتحول الإحساس بالغربة إلى نمط آخر يرتبط بانفصال الذات فهو ( ناجمٌ بصورة رئيسة عن عجزه عن التوفيق بين طبيعته الإنسانية الخاصة ومسؤوليته عن مثل نظري فيشعر بانفصال بين ذاته الداخلية وبين الدور الذي يقوم بهِ ) ( ).
وقد تصل حالات الانفصال إلى الغربة عن النفس بحيث نجد أن ( هذا المعنى يتميز
عن باقي المعاني بكونهِ ينطوي على شعور الفرد بانفصال عن ذاته ) ( ).
أمّا معنى مفهوم الغربة عند الأُدباء و الفلاسفة فقد أهتم بها أكثر المفكرين و خاصّة التي تحمل نزعات إنسانية عميقة ،لِذا نجد أنّ ظاهرة الغربة التي تُعد من أشد هذهِ الظواهر تعبيراً عن الذات الإنسانية أفلحت في جذب اهتمامهم .
والشعر العربي في عصر ما قبل الإسلام والعصور التي تلتهُ وحتى في العصر الحديث تكثر فيه نبرات الحزن و الألم و الحرمان التي تدفع الكتاب إلى دراستها وتحليلها مثل كتاب (أدب الغرباء ) لأبي الفرج الإصفهاني الذي يقول في ( وقد جمعتُ في هذا الكتاب ما وقع إليّ وعرفتهُ وسمعتُ بهِ وشاهدتهُ من أخبار من قال شعراً في غربةٍ ونطق عما بهِ من كربةٍ ، فكتب بما لقي على الجدران وباح بسرَّه ِ في كل حانّة وبستان ،إذا كان ذلك قد صار عادةُ الغرباء في كل بلد ومقصد ……) ( ).
وإلى جانب ((أدب الغرباء يبرز معجم البلدان لياقوت الحموي الذي لاحظ شوق الشعراء إلى أوطانهم ………).
وقد برز مفهوم الغربة في دراسات مفكري العالم و فلاسفتهِ ،فقد كان (جان جاك روسو) من الأوائل الذين استعملوا مصطلح الغربة( ) ، ثم جاء هيجل الذي استخدم مفهوم الغربة …… ( )، ومن بعد هيجل نصل إلى ماركس الذي حدد مفهوم الغُربة ….. ( ) .
وقد جاء الوجوديون من بعدهم فهم يرون الغُربة في البعد عن الوجود العميق ..( ) فإذا كانت الغربة في فكر هيجل تدخل في صميم الحياة الإنساني ، وتمثل عند ماركس مجال اغتراب الإنسان عن عمله ، لذلك فإن نيتشه الذي ربط بين الغربة والعدمية قد (فهم إنحلال المجتمع كما لم يفهمه أحد سواه ، فهو يسلم بأن العدمية سمة أساسية من سمات هذا الانحلال )( ) ، لذا فإن مفهوم الغربة قد ترك بصمات واضحة في العديد من ميادين الفكر والأدب فقد ( كان لهُ أثرهُ في كتابات كافكا ، وفي موسيقى شوينبرغ ، وفي إنتاج السرياليين وكثير من التجريديين ومن دعاة الرواية والمسرحية والقصة ، وفي كوميديا صموئيل بيكيت وفي قصائد البيتينكسن الأمريكيتين) ( ).
إن الإحساس بالغربة و الحنين للوطن والأهل يتحول إلى البؤس الشامل الذي يظلل الوجود بألوان قاتمة تُشير إلى الحزن والحرمان في كل جوانبه إنَّ الإحساس بالغُربةِ والاغتراب قد يمتلك الملوك والأمراء والأدباء وحتّى البسطاء كما يقول الجاحظ ( ).
إذن يمكننا القول :(إنّ الغربة والحنين ظاهرتان إنسانّيتان يمكن تتبعهما بشكلٍ أو بآخر في مختلف النظم والثقافات والمجتمعات ، وحيث وجد أفراد يشعرون بتفردهم وعجزهم عن التجاوب مع الأوضاع السائدة في المجتمع الذي يرتبطون بهِ ، ورفضهم للقيم المتجددة، نجد مفهوم الغربة لم يكن غريباً على مجتمعنا العربي في مختلف عصورهِ ، فالعربي إنسان مرهف يشعر بالاعتزاز لنفسهِ وكرامتهِ ويكره كل ما يمس هذا الإحساس ويخدش هذهِ الكرامة ، وعندما تنتقص الغربة من اعتزازهِ هذا وكرامتهِ فأنهُ يجعلها مرادفه للذل والهوان ، وعندما قيل لأعرابي ما الغبطة ؟ قال : الكفاية ولزوم الأوطان والجلوس مع الأخوان ، وقيل ما الذُل ؟ قال : التنقل في البلدان ، والتنحي عن الأوطان ) ( ).
ولا يمكننا أن نغفل أن ( للمكان دوراً مهماً في صياغة جزئيات الحدث ، مما يعمق جدلية الحياة والموت) ( )، وهذا ما نراه في صورة الإنسان الغريب الوحيد عن وطنه وأهله وعشيرته . ولا يخفى علينا ( أن لغة الشاعر المغترب لا تعبر عن مشاعر شخصية معينة بل أنها تعبر عن الروح الجماعية وهي تحمل حالات الحرمان الإنساني بألفاظٍ تراوحت بين غريب وحزين وكئيب وعبارات حزينة وجهت السياق الشعري إلى مأساة واقع مرير) ( ).
فلو عرجنا على شعر الشاعر (قصي الشيخ عسكر) المغترب عن الوطن والأهل والأحبة مايقارب ثلاثا وثلاثين سنة لوجدنا الحنين والحزن الذي تبطنه عاطفة جياشة صادقة بكل معنى كما يقول في قصيدة (انتظار) ( ).
أيها الصمت الذي يسكبه حزن الديار
كيف يا صخر انتفضت؟
لك أوطان من الأسماء فيها :
رحلت مملكة الحزن ولم تعرف إلى الآن قرار
الصدى والوجد وأستار الظلام
الهوى الغيض وصحراء السنين
أنها أنت فكم جئت وقلبي
حزمة من عنبر تحرق صمتي
فيضيء الحزن قلبي رُغم أنَّ الحزن يكسوه الغبار
لم أُفارقك وإن لم تشترك في الصمت إنّي
كلمّا أودعتُ صمتي في مرايا الليل آنستُ من الصمتِ انحسار
حيثما كنت فقلبي
ينظوي فيك سراباً وانتظار
فغُربة الشاعر واضحةُ المعالم وهي غُربة مكانية يكتنفها الغموض والسراب(الوهم)، وحزن وحنين إلى أرضهِ الطيّبة الطاهرة التي فارقها في ريعان شبابهِ ، وهو في أنتظار متى يعود من غربتهِ وظلمته التي يعيشها والتي عبّر عنها بلفظهّ ( الليل) الذي هو دائم الظلام ، فهي إشارة إلى مدى الإحساس بالغُربة والضياع ، وهناك إشارة ثانية من الشاعر وهي دليل على ضياع أيام حياتهِ وشبابه وهو في ديار الغُربة والتي عبر عنها ( بصحراء السنين) ، وبالرغم من أنَّ الشاعر في هذهِ القصيدة قد أستحضر الرمز للدلالة على الغربة والحنين وهو قد أجاد فيها بحق ، فصورة ( مملكة الحزن ، الظلام ، وصحراء السنين ، صورة الليل الموحش ، والسراب والانتظار ) .
كل هذهِ الألفاظ أو الكلمات أراد الشاعر أن يُصَور لنا حياته التي يعيشها خارج بلده وألم الغُربة التي لا تُطاق فهو يبقى في سراب وفي صمت قاتل لهُ في غربتهِ ينتظر العودة في يومٍ من الأيام إلى وطنهِ الذي يراهُ وهماً .
ولابد من الإشارة إلى أنّ هناك بعض الشعراء يظنون أنّ الغُربة قدرٌ كُتب على الإنسان مُنذ ولادتهِ ، وإن هذا القدر سوف يستمر طوال حياتهِ ، وإنهُ لن يستطيع أن يغيرهُ ، ولكنهُ رغم هذا الاعتقاد وهذا الإحساس بالتغرب والابتعاد عن الوطن والأهل يعلل نفسه ويُمنيها بآمال العودة إليهِ ، وإنّ مارآه من معاناة وقسوة وآلام تُصبح ذكرى خالدة في مخيلتهِ .
ولعل أحرج اللحظات وأقساها على الغريب ، حين يُقابل وجوهاً خارج وطنهِ فلا يرى وجهاً واحداً يعرفهُ ليستطيع أن يطمئن إليهِ ويسكن بهِ روعه وقلقه واضطرابهِ ، يقلب أوجه الناس بنظراتهِ التائهة ، وعندما لا يجد ما يبغيه يجد نفسهُ وقد بدأ يعيش في زمن الضياع وحيداً فريداً غريباً حزيناً ، وهذا ما نجده في شعرهِ من غربة وحنين وإنّ الحنين إلى الوطن يُرافق الشاعر مادام مغترباً ، يذكرهُ بمرابع طفولته ، ومعاهد صباه ولهوه ، وبأرضهِ الجميلة التي قضى فيها جزءاً من حياته ، وأهله وإخوانه وأحبابه ، فيتحسر على تلك المعاهد والديار ويُبكيها بكاءً مّراً ويذكرها كلما هاجت أشجانه فنراهُ يقول في قصيدة ( جزر الخيال ) ( ):
ظمآن أغترف السراب ولم أمل نحو المياه تحاطُ بالأوحــالِ
اثنان لم يســعا الفؤاد كآبة وجع القصيد وقسوة الأطلال
إلا أنا لاشيء بعد الليل أملكهُ سوى وطن من الأســـمالِ
يا أيها الحيران خلـف ندائه مهلاً لقد أســمعت كلّ مجالِ

أمّا في هذهِ القصيدة فالشاعر يتكلم بصورةٍ مباشرة عن مدينتهِ التي عاش فيها مرحلة الطفولة والصِبا وهو يستذكرها بكل ألم وحسرة ويحن إليها وإلى تلك الأيام الهادئة التي عاشها فيها حيث يقول في قصيدة ( أغنية إلى نهر جاسم ) ( ):

نهر جاسم ( )
حينما الذكرى استفاقت
هوَّمت موجتهُ في أضلعي
تحمل بشرى ونسائم
إنها الشمس عرفت الحب فيها
طاوعتني ذات يوم وتعرّت
فنزلنا فيهِ كالدرّ وغصنا
نقطف الأحلام من قعرهِ نهديها النخيل
وبقينا
أنا والشمس أسيرين فلا تعرفنا القرية ولا يدرك مأوانا الهجير
صَغُرت خلف خطانا كلّ أحلام الحقول
غيرانّي بعد أن عدتُ وحيداً
وجثا الخوف على صدري الصغير
لم أجد شمس الطفولة
لم تُعد تتبعني أينما اتجهت
رحتُ كالطفل أُناغي :
سيدي يا ذا الضريح
إنّ أحلامي على بابك تغفو
نهر جاسم
نهر جاسم
أعطني أمس وخُذ عهد الطفولة
علّها ترجعُ أحلامي الجميلة
نهر جاسم
نهر جاسم
قدر الأطفال أن ينسوا الشموس
في مدى لا تدركه منك النحوس
فأعطني الشمس وخذ عهد الطفولة

وفي هذه الأبيات الشعرية يكون كلام (أرنولد) موازياً للحياة الواقعية التي يعيشها شاعر الغربة والحنين حتى يقول: ( إنّ الشعر العظيم هو ما يخاطب العواطف الإنسانية الأولية ، ولغة الشاعر المغترب عن وطنهِ وأهلهِ وأحبائه هي الأشد إتصالاً بحقيقة الواقع وجوهر الحياة لأَنها تقترب من الذات الإنسانية عندما تكون أقوى ما يربطهُ بالماضي)( ) .
فالشاعر هنا يستذكر الماضي وحياة الطفولة الهادئة الساكنة التي عاشها في قرية نهر جاسم وهو يرسم لنا صورة جميلة (صورة الشمس) التي هي رمز للخير والنور ، وصورة (النخلة) التي هي رمز للعطاء ، لكنهُ في اللحظة نفسها يأتي لنا بألفاظ متفاوتة لهذا المعنى مثل ( مأوانا الهجير، وحيداً ، النحس ) فهذهِ كلها تدل على الرحيل والاغتراب والمفارقة والحنين .
ولو أمعنا النظر لوجدنا الشاعر قد عاد واستحضر الماضي من حياته وخاصّه مرحلة الطفولة والصِبا ، ولوجدنا السبب أنها تمثل الصفحة البيضاء الهادئة ، التي نعُم بها بالاستقرار والسكينة في بلدهِ وبين أهلهِ .
والغُربة على أيةِ حال تجربة إنسانية مؤلمة ، وكأس مرّةً مذاقها وتجرع غُصصها كثيرون ، فالشاعر حينما يرحل عن وطنه وأحبائه وقومهِ يشعر بالغربة شعوراً عميقاً ويحسُّ بالحنين لأن الحنين عندهُ لا يعني التشوق للوطن أو الأرض الخالية المقفرة بقدر ما يعني لهُ الوطن : الأرض والعشيرة والأهل ، فنراه يقول في قصيدته ( الوميض )( ) :

أين المسير إذا ما عزّ منطلق
أبحرت في نشوتي من أجل لا هدف
الليل أشرعتي والساحل الأفق
فلستُ آخر من ظلوا بغربتهم
حتى احتواني كأني المقعد الطلق
عودي فهذا الدّرب يحصرنا
إنّ الطريق بنا لابد تفترقُ

والاغتراب لم يقتصر على من ارتحل عن وطنه وقومه بقدر ما يصيب من أحسس بهِ وهو بين ظهرانيهم … إنهُ شعور ينطوي بانفصال الفرد عن ذاتهِ وعن مجتمعهِ مما يدفعه إلى القيام بأعمال يرضي بها الآخرين ويجعلهم يشعرون بأنهُ لا فارق بينهم وبينه( ) .
فنرى الشاعر على الرغم من إنهُ يتكلم عن غربته المكانية وهي العنصر المهيمن في مجموعاته الشعرية إلاّ إنهُ يبقى محباً لبلده ثائراً ضد الطغاة حين يقول:
غريب بأرض العراق
ولكنّ عمقي هتاف ينادي :
يموت الطغاة ويحيا العراق
هتاف يغالب من الشقاء
يلوي أكف القضاء
ويخرس صوت القدر
ليرسم لي الحلم المبتكر( )

وهو في الوقت نفسه يرسم صورة للواقع الذي يعيشه وطنه العراق حين يقول في مطلع قصيدته (وطني)( )
لم تكن خفقةُ طين عُمرّت نخلاً وماء
وطني أنت نسيجٌ من دماء الشهداء
فعلى مائك تاهت بالمعاني الشعراء
وعلى أرضك هام الوحي خلف الأنبياء

والحق إنّ الغربة عن الوطن لفترة طويلة كانت أم قصيرة ، قد صبغت أدبنا العربي بلون ظل متميزاً بها منذ القدم ، فالغربة وما تثيرهُ في النفس من شعور عميق في الحنين إلى الوطن ، وما تتركهُ من معاناة وتمزق وذل وفراق لاتزول هذهِ المسببات إلاّ بإنتهائها لذلك نرى الشاعر يقول:
مدينتي
تنفست لوحدها النعاس
وحينما أبصرتها
تستدرج السكون
قطفت من مواسم الصدى
لأجلها أجنحة الظلام
فحلقت في يقظةٍ بعيدة المدار
وعندها
أدركت إنني الغريب
ولم أعد من عزلتي الأخيرة( )

فالصورة في هذه الأبيات صورة مباشرة واضحة الأفكار والرؤى التي تحملها ، فالشاعر يتكلم عن مدينتهِ ويقصد بها بلدهِ العراق ، فهو دائماً يستحضر الرمز للدلالة على الغربة والحنين وبالأخص غربته المكانية عن بلدهِ وأهلهِ ، وكل من يقرأ قصائد الشاعر ، يجد المعنى واضحاً أمامهُ من غير غموض ولا تعقيد وخاصّة في القصائد التي يتكلم بها عن حزنهِ وألمهِ لفراقه بلدهِ وأحبتهِ .
فالشاعر يُصّرح بكل ما في نفسهِ وحوارهِ من حزن وحرمان وفراق وهو في بلاد الغُربة حيث يقول في (عودة) :
مضيتُ وحيداً
وعدتُ غريباً( )

ويقول في (عبير المرايا) :
لاشيء سيغزو قلبي غير الحزن
لاشيء سيغزو قلبي
غير الصمت( )

ويقول في (الأفق المرآة) :
أين يحلُّ القلبُ المتعب
بعد الترحال مع النجم
على صفحات الماء
الشوط البعيد
والمأوى لغة
تفهمها العين
ولا يدركها القلب

والليل غريب
كالصمت غريب( )

يمكننا القول إنَّ الشاعر يتكلم عن نفسه وحزنه لكثرة الترحال والسفر من بلدٍ إلى بلد وهذا هو الواقع المأساوي الذي عاشه الشاعر وقد أشرنا عند استعراضنا لسيرته الشخصية إنه سافر إلى أكثر من (اثنتي عشرة دولة) وهذا ليس بالأمر الهين بالنسبة لشخص أضناه الاغتراب والترحال خلال (ثلاث وثلاثين سنة) .
أما لو رجعنا الى القسم الثاني من غُربة الشاعر وهي الغربة النفسية لوجدنا هناك الكثير من القصائد التي أشار إليها بما يجول في خلجات نفسهِ وأحاسيسهِ حيث يقول :
مهاجرٌ بصمتك الأريج
إلى هموم ٍ لونها يموجُ
بالحاضر البهيج
بالأمس مرّ من هنا وغاب
لم يعتنقني مرّة فلم أزل سراب
وكلَّ ما حولي غداً يُبين
إلاّ أنا
أظلُّ وحدي مبحراً
كما يهاجر الأريج( )

الشاعر يصور لنا همومه وآلامه كأمواج البحر وهي دلالة على التيهان والضياع ، ووهم السراب في الصحراء ، فالشاعر كأنه في هذه الحياة القاسيّة يظل وحيداً مهاجراً مغتربا بكل ما يحمل من آهات وآلام ولابد مِن أن نذكر حقيقة لايمكن طمسها ، أن الغربة النفسية أشد وقعاً ، وأكثر ألماً على قلب الشاعر من الغربة المكانية والسبب لأن الإحساس بالغربة والحنين يكون داخل جوارح الشاعر وقلبهِ وعقلهِ بحيث يُصبح كالأسير المرتهن لا يستطيع فعل أي شيء غيرَ بثّ ما في داخله من أحزان وهموم …
فلو أمعنا النظر إلى كلام الشاعر في هذهِ القصيدة القصيرة (جموح) حيث يقول :
إلى التيه يحدو العابرين نفورهم
ويبقى غريباً في الشفاه التضرع
حيارى ، حزانى ، لانملّ ضياعنا
ندور ـ فلا نمشي ولا نحن نرجع
تسائلني : كيف السبيل إلى الهدى؟
عجبت فإني منك يانفس أضيعُ
لئن ضاقت الدُنيا كما ضقتُ بالخطى
فخطوي من الدنيا أعزُّ وأرفعُ( )

في هذه الأبيات الشعرية تتجسد لنا حالات الضياع والحيرة والتشاؤم التي يمرُّ بها الشاعر ، وهو في قلق دائم وخوف لأنه وحيد ، غريب ، وهو دائم الحيرة والشك وضائع في متاهات الحياة ، لكنهُ رغم كل آلامه وضياعه في هذه الدنيا وجورها عليه ، يبقى صاحبُ عزة وكرامة ورفعة وصاحب مبادئ وعقيدة قوية ، وهي صورة متماسكة الأجزاء ، وهي في الحقيقة انعكاس للواقع الذي يمر به الشاعر ويعيشهُ . يقول:
قيل حزن سوف يغزوك وحيداً
قلت صمتي يستبق
قيل ليل سوف يُرديك قتيلاً
قلت فجرى ينعتق( )

فهو بالرغم من كل ما يعاني في غربته إلاّ إنهُ متفائل في الحياة يأملُ الخير والأمل وهذا واضح في صورة (الليل والنهار) .
ويقول في قصيدة الترحال( ) :
أنا في مداري الرحب ليلٌ حانقٌ خُتمت بهِ الرغبات كلّ مآلِ
يُشــجيه أنَّ جروحه مدياتهِ سيظلُّ فيها دائم الترحــالِ
أسرارهُ : بعض الهواجس حيرةً ومآلهُ : التهويم كل مجـالِ
يختالُ فيه الحزن رغم سروره حتىّ يلَّم جوامـح الآمالِ( )

فهو لا يعرف الراحة ولا الاستقرار ، دائم الترحال ، فهنا بالرغم من أنه يُعاني غربة نفسيه لكنها مبطنة بغربة مكانية والدليل كلامهُ فهو يزاوج بين الغربة النفسية والغربة المكانية في هذهِ القصيدة القصيرة .
فنراه يقول وقد صور لنا سنواته التي قضاها خارج بلدة كالسنبلة التي جفتّ وأصبحت خاوية ، هشة لامعنى لوجودها :
سنواتي : سنبلةٌ جفت
والناطق عني
قربي الحاضر
والمدن المخفية في عيني( )

ونرى الشاعر يقول ، وهو ضائع فلا الشرق يلفهُ بدفئهِ الحميم ، ولا الاغتراب يُطفئ حرارة قلبه الصادي ، يحارب الهم بالصبر الجميل ، أو بالترحال الدائم من بلدٍ إلى بلد:
لا الشرق من دفئهِ في النار يقذفني
أو يطفئ الحر مني ثلج مغتربي
ما بين جنبي هم لا يطاوله
إلا اصطباري على الترحال والتعب( )

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *